٣٫١٦٫١٠٦ - من يوميات وليد
(١) أنا ضيف جديد في هذه الدنيا : عمري أيام قليلة . ولدت في أسرة مسلمة، سماني أبي «أنسا» وهذا اسم خادم رسول الله ﷺ الصحابي : أنس بن مالك رضي الله عنه». وكثيرا ما أسمع أبي يقول: أسأل الله أن يجعلك مثل أنس بن مالك.
- وفي الحقيقة تنتابني مشاعر شتى منذ اللحظة التي شاء الله تعالى أن أخرج فيها إلى الدنيا فأمى أقرب الناس إلي لما نزلت إلى هذه الدنيا وتعالى بكائي، كنت أنتظر أن تضمني إلى صدرها، وتقبلني، ولكن لم أجدها، وعلمت أنها نائمة في غرفة مجاورة لي، تسمى غرفة العمليات، وجاءت امرأة تلبس ملابس بيضاء تحملني عاريا، وتغسل جسدي، ثم تلفني في قميص أخضر! ثم حملتني هذه المرأة، وأنا أبكي بكاء مرا إلى أبي الذي كان سعيدا، فضمني إليه وقبلني، وأحضر تمرة، فلاكها بأسنانه حتى لانت، فأخذ قطعة صغيرة باصبعه، ووضعها في فمي، حتى امتزجت بريقي. ثم حملتني المرأة بسرعة، ودخلت بي إلى غرفة مكتوب عليها الحضانة». وأردت أن أقول لا أو أنادي أبي: لماذا تتركني يا أبي؟! ولكني لم أستطع وضعتني «الحاضنة» في صندوق زجاجي صغير، ثم تركتني وغادرت الغرفة، وهي تنطق بكلمات لا أفهمها .
(۳) أهكذا يا أمي؟ أهكذا يا أبي ؟ تتركاني وحيدا في أول ليلة في الدنيا ! وبينما أنا كذلك، إذ بي أسمع صوت بكاء قريب مني، فنظرت، فإذا برضيع صغير ينام في صندوق مثل صندوقي. وفجأة ارتفع صوت البكاء عاليا، وإذا بعشرة أطفال في الغرفة يبكون لبكاء هذا الرضيع، وقد استيقظوا جميعا من النوم، فما كان مني إلا أن بكيت ما هذه الليلة العجيبة أما يستطيع الشخص أن ينام في هذا المكان؟!
(٤) دخلت الحاضنة الغرفة وهي تصيح بعد أن سمعت أصوات البكاء، وقالت ما لكم تبكون هكذا؟ هيا ناموا جميعا ، سكت الجميع - فجأة عن البكاء وكأنهم ينهمون كلامها، أو خافوا من صياحها. خرجت الحاضنة من غرفتنا ، فصرخ أحد الأطفال وهو يمص إصبعه : لماذا تعاملنا هذه الممرضة هكذا ؟ أما تعرف ابن من أنا ؟! نظرت إلى الطفل الذي بجواري - وقد كف عن البكاء ثم سألته, ما اسمك؟ قال: "جورج" سمانيي أبي "جورج". قلت له في اتغراب: ماذا؟ جورج؟! أهذا اسم يسميك به أبوك؟ أأنت عربي أم أعجمي؟ أجاب الطفل: بل عربي.
- قطع كلامنا دخول امرأة أخرى على وجهها ابتسامة إلى غرفتنا، والعجيب، أن اسمها أيضا «حاضنة». حملتني الحاضنة الجديدة أيضا وهي تبتسم، وذهبت بي إلى غرفة أمي، وما أن رأتني أمي حتى اتسع ابتسامتها ومدت يدها لتحملني، ووضعتني على صدرها ، وبدأت أرضع لبنها وحنانها . يا الله ما أروع الدفء والحب، والحنان ما أجمل اللبن اللذيذ من صدر أمي ما أرحمك وما أحلمك يا رب. فأنت أرحم بنا من أمهاتنا وآبائنا ! لك الحمد أن جعلت رحمة وحبا وحنانا في قلوب والدينا .
- بينما أنا في هذه السعادة، وأمي تقبل رأسي ، إذ دخلت علينا امرأة تحمل شيئا في يدها، علمت فيما بعد أنها طبيبة، فحصتني سريعا، ثم أخذت تكتب أشياء في ورقة لديها، ثم أخذت تكلم أمى عن كيفية الرضاعة الطبيعية الصحية، وعن أهمية لبن الأم، وأنه لا يوجد على وجه الأرض لبن مثله. قالت أمي - وهي تضع يدها على رأسي- : إن شاء الله لن أرضعه إلا من صدري، وجزاك الله خير الجزاء على هذه المعلومات المفيدة.
- في الصباح في موعد الزيارة أقبل أبي ودخل علينا مسرورا ، وألقى السلام على أمي، وسألها كيف حالك يا أم أنس؟ وكيف حال الأستاذ أنس»؟! أجابت أمي، والدموع في عينيها : أنس مريض يا أبا أنس انزعج أبي واقترب مني وقال: ما به يا أم أنس؟! قالت أمي لم ينم طوال الليل، ولم يكف عن البكاء، ولم يرضع بالقدر الكافي حتى الآن، وأجروا تحليلا. قالت أمي وهي تبكي: يا ليتني أصاب بأمراض الدنيا ولا يشاك ابني بشوكة واحدة ضحك أبي ووضع يده على كتف أمي وقال: أنا أقدر فيك مشاعر الأمومة الكبيرة - يا أم أنس خصوصا أن أنسا» هو طفلنا الأول بعد طول انتظار ولكن أأنت أرحم به من خالقه ورازقه؟ أجابت أمي سريعا : بالطبع لا، فقال أبي : إذا عليك بالدعاء واذكري نعمة الله علينا : فكم من أزواج يتمنون لو تؤخذ منهم عيونهم مقابل أن يرزقوا طفلا واحدا. قالت أمي - وقد تأثرت بحديث أبي : حديثك يا أبا أنس خفف عني من جانب، وزاد همومي من عدة جوانب. أسأل الله - تعالى - أن يحفظ نساء المسلمين في كل مكان.