٣،٦،٣٦ - هجرة العقول - هجرة العقول
هجرة العقول
- إن هجرة العقول واستقرارها في الخارج ظاهرة غريبة، تبعث على القلق والحيرة، وتجعلنا حريصين على مراجعة أوضاعنا وفحصها بكل دقة.
- إنها ظاهرة غريبة إذا علمنا أن الإحصاءات في إنجلترا، أثبتت أن نسبة كبيرة من أشهر الأطباء في إنجلترا من الأجانب، وأن معظمهم من المسلمين. وما يقال عن الأطباء يقال عن جميع المهن والعلوم الأخرى من هندسة ورياضيات وفيزياء وغيرها ، وكلنا قد سمع بالعالم المسلم الذي كان من بين العلماء الأمريكيين الَذين صمموا رحلة أبوللو إلى القمر. ومن أشهر علماء الرياضيات بفرنسا جزائري الأصل. وهذه إحصائية بعلماء بعض الدول الإسلامية - العربية منها - الذين هاجروا إلى أمريكا حسب ما ذكرته مجلة العربي [في العدد ١٧٠].
- بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح المهاجرون من البلاد العربية إلى أمريكا، من العلماء الممتازين النادرين، ذلك أن ثمانية وخمسين بالمائة من المهاجرين المصريين هم من العلماء والمهندسين و سبعين بالمئة من هؤلاء من حملة شهادة الدكتوراه وسبعة عشر ونصف بالمائة منهم من حملة شهادة الماجستير. وبالنسبة لسوريا تشير الإحصاءات إلى أن عدد الأطباء السوريين العاملين في سوريا ألف وخمسمائة مقابل أربعة آلاف يعملون في الخارج، كما تشير إحدى الدراسات الأمريكية إلى أن نحو تسعون بالمئة من الطلاب اللبنانيين الذين يدرسون في الولايات المتحدة، لا يرغبون في العودة إلى وطنهم، وأن ثمانون بالمئة من الطلاب الأردنيين الذين يدرسون في جامعات الغرب لا يعودون مطلقا
- وهذه إحصاءات قدمتها الولايات المتحدة عن هجرة العلماء والمهندسين والأطباء المهاجرين إليها من بعض الدول الإسلامية في خمسة أعوام من ١٩٦٢م إلى ١٩٦٧م: (٢٣٢) عالما من العراق، (١٦٠) من الأردن، (٤٣٦) من لبنان، (١٤١) من سوريا، و(۲۷۰) من مصر. نعرف من هذا كيف تساهم العقول الإسلامية في تقدم دول كثيرة. وهذه الأرقام تدعونا إلى دراسة هذه المشكلة من أساسها حتى تعود هذه العقول إلى بلادها؛ لأن المستفيد الأول من هذه الهجرة هي الدول الغنية. والأرقام التي ذكرناها أكبر دليل على ذلك. وتؤكد بأن الدول الإسلامية ساهمت فعلا في إثراء الدول الغنية.
٥- وبدراسة هذه المشكلة نجد أن أسباب هذه الهجرات هي :
- يعود الطالب بعد تخرجه في إحدى الكليات الأجنبية، ليعمل في وطنه، ولديه أمل أن يكون راتبه مناسبا للشهادة التي يحملها، ولكن هذا الأمل ينتهي حين يجد راتبه قليلا جدا، لا يكفي حاجاته الضرورية ، ولا يساوي عشر راتبه الذي يمكن أن يأخذه في البلاد الأجنبية.
- يعود الطالب إلى بلده، ولديه أمل أن يجد المكانة المرموقة التي يستحقها؛ وإذا به يجد أشخاصا أقل منه بكثير يتمتعون بمزايا أكثر؛ فينقلب هذا النشاط، وهذا التفاؤل إلى حزن على ما يحدث في وطنه، يجعله يهجره إلى حيث يجد المكانة المناسبة .
- افتقار الدول الإسلامية إلى المختبرات العلمية يجعل العلماء يهاجرون إلى البلاد الغنية، حيث يجدون الجو الملائم لأبحاثهم.
- سوء التنظيم الإداري - في بعض الأحيان - يجعل عددا كبيرا من هؤلاء العلماء يبقون مدة طويلة، ينتظرون تعيينهم في مكان ما ، وعندما ينفد صبرهم يضطرون إلى الهجرة، إلى حيث يجدون العمل سريعا.
- انعدام الحرية السياسية والفكرية، من أهم ما يميز الحياة السياسية في معظم البلاد الإسلامية حتى إن كثيرا من المعتقلين السياسيين هم من الذين يحملون أعلى الشهادات العلمية، مما يضطر أكثرهم إلى الاستقرار في الخارج، حيث يجدون من الحرية ما لا يجدونه في أوطانهم.
- هناك تقصير في كثير من الأحيان من الطالب الذي لا يملك القدرة على التضحية.
- هذه بعض الأسباب التي جعلت أكثر العقول الإسلامية تهاجر، لتشارك في بناء الحضارة الغربية، فهل فكرنا في تفادي هذه المشكلات ودرس كل الأسباب التي تدفعهم إلى الهجرة، لتستفيد منهم أوطانهم التي أنفقت عليهم الأموال الكثيرة؟