الرحلة الثانية
و في رحلتي هذه ألقتنا المقادير على جزيرة كثيرة الأشجار يانعة الثمار ،و لكن ليس بها ديار و لا نافخ نار .
ف أرسى بنا الريس على تلك الجزيرة و طلع التجار و الركاب إلى البر و طلعت مع جملة من طلع . و جلست على عين ماء و قد طاب النسيم و صفى لي الجو فأخذتني سنة من النوم و لما نهضت لم أجد أحدا، فحصل عندي قهر شديد ثم إني صعدت على شجرة عالية و صرت أنظر من فوقها فلم أرى حولي غير سماء و ماء و أشجار و أطيار، ثم حققت النظر فلاح لي في الجزيرة شئ أبيض عظيم الخلقة،فنزلت من فوق الشجرة و قصدته فإذا به قبة كبيرة بيضاء شاهقة فدنوت منها و درت حولها فلم أجد لها بابا و لم أستطع الصعود عليها من شدة نعومتها. فعلمت مكان وقوفي و درت حولها أقيس دائرتها فإذا هي 50خطوة ،فتفكرت في حيلة لدخولها و كان النهار قرب الزوال و إذا بالشمس قد إحتجبت عني و الجو قد أظلم فظننت أنها غمامة و كان الوقت صيفا فتعجبت و رفعت رأسي فرأيت طيرا عظيم الخلقة ،كبير الجثة ،عريض الأجنحة ،طائرا في الجو فإرتعبت منه ثم تذكرت حكاية و هي أن في بعض الجزائر طيرا عظيما يقال له -الرخ -يزق أولاده بالأفيال ،فتحققت أن القبة التي رأيتها إنما هي بيضة من بيض الرخ . بعد قليل نزل الطير على القبة و حضنها بجناحيه و قد مد رجليه من خلفه على الأرض و نام عليها عند ذلك فككت عمامتي عن رأسي و ثنيتها و فتلتها حتى صارت مثل الحبل و تحزمت بها و شددت وسطي و ربطت نفسي في رجلي ذلك الطير و شددتها شدا و ثيقا لعله يوصلني إلى بلاد العمار .
فلما طلع الفجر قام الطائر عن بيضته و صاح صيحة عظيمة و إرتفع بي إلى الجو حتى ظننت أنه وصل إلى عنان السماء ،و بعد حين راح يهبط بي حتى نزل إلى الأرض و حط على مكان مرتفع فأسرعت و فككت الرباط من رجليه و أنا أنتفض ،مشيت بحذر بعيد عنه فرأيته يلتقط شئ من على وجه الأرض في مخالبه و يطير فتأملته فإذا هو حية عظيمة الخلقة ،كبيرة الجسم ،قد أخذها و ذهب بها نحو البحر . ثم تابعت سيري فوجدت نفسي في مكان عال و تحته و اد واسع عميق و بجانبه جبل عظيم شاهق لا يقدر أحد على تسلقه . مشيت في ذلك الوادي فرأيت أرضه من حجر الألماس الذي يثقبون به المعادن و الجواهر ،و كل ذلك الوادي حيات و كل واحدة مثل النخلة لو جاءها فيل لابتلعته ،و تلك الحيات يظهرن في الليل و يختفين في النهار خوفا من طير الرخ أن يختطفها و يقطعها .
ولى النهار و أنا في ذلك الوادي ،فرحت أبحث عن محل أبيت فيه و أنا خائف من تلك الحيات و نسيت أكلي و شربي .
فلاحت لي مغارة وجدت بابها ضيقا فدخلتها و نظرت إلى حجر كبير عند بابها فدفعته و سددت به الباب و قد أمنت على نفسي ثم إلتفت في داخل المغارة فرأيت حية عظيمة نائمة على بيضها في صدر المغارة فاقشعر بدني و سلمت أمري لله و بت ساهرا طوال الليل إلى أن طلع الفجر و لاح ،فأزحت الحجر الذي سددت به باب المغارة و خرجت منه و أنا دائخ من شدة السهر و الجوع و الخوف . و بينما أنا على هذه الحالة إذا بذبيحة قد سقطت قدامي و لم أجد أحدا فتعجبت من ذلك أشد العجب، و تفكرت حكاية سمعتها و هي أن في جبال حجر الألماس أهوالا عظيمة و لا يقدر أحد أن يسلك إليه، و لكن التجار يعملون حيلة للحصول عليه فيأخذون شاة من الغنم يذبحونها و يسلخونها و يرمون لحمها من أعلى ذلك الجبل إلى أرض الوادي فتنزل و هي طرية فيلتصق بها شئ من هذه الحجارة ثم يتركونها إلى نصف النهار، فتنزل الطيور من النسور و الرخ إلى ذلك اللحم و تأخذه في مخالبها و تصعد إلى أعلى الجبل فيأتيها التجار و يصيحون عليها فتطير عن اللحم و يخلصون منه الحجارة اللاصقة به و يحملونها إلى بلادهم؛ و لا أحد يقدر أن يحصل على حجر الألماس إلا بهذه الحيلة.
تذكرت هذه الحكاية و أنا أنظر إلى الذبيحة ،و صرت أنقي من تلك الحجارة و أدخلها في جيوبي و حزامي و بين حواجزي و بينما أنا على هذه الحالة إذا بذبيحة أخرى تسقط أمامي فربطت نفسي عليها و نمت على ظهري و جعلتها على صدري و أنا قابض عليها ،و إذا بنسر ينزل على تلك الذبيحة فيأخذها بمخالبه و يقلع بها إلى الجو و أنا معلق بها ؛و لم يزل طائرا بها حتى صعدنا إلى الجبل فحطها و أراد أن ينهش منها ،و إذا بصيحة عظيمة عالية من خلفه و شئ يخبط بالخشب فجفل النسر و طار إلى الجو ،ففككت نفسي من الذبيحة و قد تلوثت ثيابي و وقفت بجانبها و إذا بالتاجر الذي صاح على النسر يتقدم إلى الذبيحة فرآني واقفا فلم يكلمني و قد فزع مني و إرتعب و أتى الذبيحة و قلبها فلم يجد فيها شيئا فصاح :"واخيبتاه !
" ... فتقدمت إليه و قلت له لا تخف فأنا إنسي و لك ما يسرك مني فأنا معي شئ كثير من حجر الألماس و سأعطيك منه ما يكفيك. و كان هناك تجار سمعوا كلامي مع رفيقهم فجاؤوا إلي و كان كل تاجر رمى ذبيحته ثم أعلمتهم بقصتي و بتنا ليلتنا هناك. و لما طلع النهار قمنا و سرنا في الجزيرة إلى أن أتينا بستانا و فيه شجر الكافور، و إذا أراد أن يأخذ منه أحد يثقب من أعلى الشجرة ثقبا فيسيل منه ماء الكافور و يعقد مثل الشمع و هو عسل ذلك الشجر، و بعد ذلك تيبس الشجرة و تصير حطبا. و في تلك الجزيرة صنف من الوحوش يقال له الكركدن يرعى فيها راعيا مثلما يرعى البقر و الجاموس في بلادنا، و لكن جسم ذلك الوحش أكبر من جسم الجمل؛ و هو دابة عظيمة لها قرن واحد غليظ في وسط رأسها طوله 10 أذرع و فيه صورة إنسان. ثم سرت معهم إلى الشاطئ حيث كان المركب في إنتظارهم فصعدنا و قال لنا البحريون إن هذا الوحش المسمى بالكركدن يحمل الفيل الكبير على قرنه و يرعى به في الجزيرة و السواحل و لا يشعر به و يموت الفيل على قرنه و يسيح دهنه من حر الشمس على رأسه، و يدخل في عينيه فيعمى فيرقد في جانب السواحل فيجئ له طير الرخ فيحمله في مخالبه و يروح به إلى أولاده و يزقهم به و بما على قرنه و لم نزل سائرين إلى أن وصلنا إلى مدينة البصرة.