image

تاريخ × حدوتة, عزل خالد بن الوليد | ما السبب الحقيقي وراء عزل عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد ؟!! و (معركة مرج الصفر)

بعد أن انتهى خالد رضي الله عنه من مطاردة الفلول الهاربة في معركة أجنادين

.. و بعد أن خرج الرسول الخاص به نحو المدينة

لإبلاغ الخليفة بأنباء الإنتصار

... أصدر قائد المسلمين الأوامر للجيش بالتحرك فورا نحو مدينة دمشق لحصارها

الطريق الذي اتخذه خالد نحو دمشق

لم يتم ذكره في المصادر القديمة

.. ولكن أقرب التوقعات تُشير إلى أن الجيوش الإسلامية كانت تتحرك على الطرق الخارجية

أي أنها بعد معركة أجنادين

.. لم تتعمق في فلسطين نحو الأردن

.. و إنما عادت من جديد نحو الجنوب و دارت حول جنوب البحر الميت

لتسير على الطريق الذي يقع إلى الشرق منه نحو الشمال

.. فالتعمق في وسط فلسطين كان أمرا في غاية الخطورة في ذلك الوقت

.. فلو فعلت ذلك

كان لابد عليها أن تعبر من أجنادين إلى بيت المقدس

ثم إلى وادي نهر الأردن حتى تصل إلى دمشق .

.. أو كانت ستأخذ طريق الرملة إلى اللد و منها إلى دمشق

وبكل تأكيد فقد كان المسلمون لم يضموا بعد بيت المقدس

المقدس ولم تكن هناك لهم سيطرة على الرملة التي كانت تعتبر حاضرة فلسطين في ذلك الوقت

كما أنهم لن يعبروا خلال ذلك الطريق الوعر بين المدينتين

اللتين كانتا تحت سيطرة الروم

فيعرضوا نفسهم للهلاك و الهجوم من عدة جهات

و لذلك كان الطريق الذي اتخذه المسلمون في المجئ

هو أنسب الطرق للعودة من جديد

و على هذا الأساس .. انطلق خالد بن الوليد مع المسلمين نحو دمشق من جديد

وصل خالد بن الوليد و بقية جيش المسلمين إلى دمشق

و بدأووا في إقامة الحصار عليها

فنزل خالد عند الباب الشرقي للمدينة كما فعل في المرة السابقة

و حاصر أبو عبيدة باب الجابية ..

.. بينما حاصر عمرو بن العاص و يزيد بن أبي سفيان

بعض من الأبواب الآخرى ..

أما بالنسبة لشرحبيل بن حسنة

فقد تركه خالد بن الوليد مقيما في أسفل الشام بجهة الأردن

لمراقبة الأوضاع من تلك الجهة وليكون حماية لمؤخرة الجيوش الإسلامية

و استمر الحال على ذلك الوضع بضعة أيام

والمسلمون يحاصرون المدينة و أهل المدينة يرمون عليهم الحجارة و السهام .

وبينما كان الجميع مستغرقا في خطة لإجبار المدينة على الإستسلام

وصلت الأنباء إلى خالد بن الوليد بإقتراب جيش كبير من الروم نحوهم

ففي خلال الفترة التي تلت معركة أجنادين

.. كان هرقل ملك الروم في شدة الغضب

و يعمل جاهدا من أجل تجميع جيوش جديدة لسحق المسلمين و رد الهزيمة

و استطاع بالفعل تجميع عدد كبير من الجيوش في حمص

و أمرها بالتوجه نحو دمشق لإغاثة أهلها

ولم تتجه تلك القوة مباشرة إلى دمشق ..

بل فضلت أن تسير عبر الطرق الداخلية للشام كما فعل الروم من قبل

لتجميع أكبر قدر ممكن من الرجال في طريقها

و لتفاجئ المسلمين في وقت غير متوقع كذلك

.. فساروا عبر مدينة بعلبك والتفوا حول بحيرة طبرية,

و من هناك توجهوا نحو مدينة مرج الصفر

و التي تقع على بعد 38 كيلومترا جنوب دمشق

ولكن كانت عيون المسلمين منتشرة و واعية لما يحدث حولها

... فلما آتى جواسيس المسلمين و أخبروا خالد رضي الله عنه بالتطورات الجديدة للأحداث

قرر فورا أن يأخذ الجيوش الإسلامية من حول أسوار المدينة

و يتجه لملاقاتهم في مدينة مرج الصفر قبل أن يصلوا لهم في دمشق

و لم يترك سوى لواء عمرو بن العاص حول أسوار المدينة

و أخذ معه ألوية أبي عبيدة و يزيد و انطلقوا في الحال

قوة جيش الروم في مرج الصفر قٌدرت ب 10 آلاف مقاتل

... فقد خرج من حمص حوالي خمسة آلاف

و انضم لهم في الطريق حوالي خمسة آلاف آخرون

... و لذلك عندما وصل خالد بن الوليد و رأي تلك القوات

... أمر بتنظيم الصفوف مثل معركة أجنادين .. ولكن مع اختلاف بسيط

... فقد جعل على الميمنة معاذ بن جبل مثل يوم أجنادين

ولكنه جعل قيادة الميسرة هذه المرة لهاشم بن عتبة

و ولى قيادة الفرسان لسعيد بن زيد

و قيادة المشاة لأبي عبيدة

و بعدما اطمئن لإصطفاف الجميع

تقدم خالد حتى الصف الأول ليلقي الخطبة على الجنود و يثير حماستهم

... ولكنه قبل أن يبدأ الكلام

.. تفاجأ بهجوم شرس من الجنود البيزنطيين على امتداد الجبهة كلها ...

كان سعيد بن زيد يقف مع جماعة من الفرسان في الميمنة

يثير حماستهم و يشجعهم على الإستبسال في القتال ..

عندما فاجأ الروم الجميع و انقضوا على جيش المسلمين سريعا

.. و قد كان هجومهم عنيفا بحق

فاهتزت صفوف المسلمين نتيجة لهجوم الروم الكاسح

و سقط العديد من الرجال وسط الجيش

و استطاع سعيد بن زيد أن يصمد أمام ذلك الإندفاع الشرس

و نازل الروم جيدا و استمات مع فرسانه في القتال

... و شيئا فشئ بدأت صفوف المسلمين تتحرك تحت الضغط الشديد

حتى أصبح القتال يدور على شاطئ نهر عليه طاحونة ...

... و بسبب شدة القتال و ازدياد عدد القتلى من الجانبين

امتزجت الدماء بالمياه و طحنت بها الطاحونة

... فصاح قادة المسلمين و على رأسهم خالد بن الوليد في الجنود

و حثوهم على الإقدام و الإستماتة في القتال

و بالفعل انقلبت دفة المعركة بعد وقت قصير نتيجة لإندفاع المسلمين الشرس

وبدأ الروم في التراجع نحو معسكرهم و المسلمون يزيدون الضربات عليهم حتى وصلوا إلى المعسكر

فدب الهرج و المرج وصف صفوف الجيش البيزنطي و بدأ الجميع في الفرار

فمنهم من هرب نحو دمشق و منهم من رجع إلى حمص و منهم من فر نحو بيت المقدس

فانتهت بذلك معركة مرج الصفر بإنتصار جديد لقوات المسلمين بقيادة خالد بن الوليد

انتهى القتال في ساحة مرج الصفر بإنتصار المسلمين على الروم

و لكنه كان انتصارا مليئا بالخسائر الجسيمة ..

فقد جرح من المسلمين حوالي أربعة آلاف مقاتل نتيجة لهجوم الروم الكاسح خاصة في بداية المعركة

و استشهد حوالي 500 آخرون

أما بالنسبة لجيش الروم

فقد سقط منهم حوالي 500 قتيل و وقع في الأسر مثلهم

بينما فرت البقية للجهات التي ذكرناها من قبل ...

بعد انتهاء المعركة .. عاد المسلمون من جديد إلى مدينة دمشق و زادوا من الحصارعليها

و كانوا في نفس الترتيب فنزل خالد على الباب الشرقي

و نزل أبو عبيدة على باب الجابية و حاصر يزيد و عمرو بن العاص بعض من الأبواب الآخرى

و في خلال تلك الأحداث ... كان هناك أمر شديد يحدث في المدينة

فخليفة المسلمين أبو بكر الصديق رضي الله عنه

كان يعاني من حُمى شديدة بسبب إغتساله في يوم بارد بالمدينة قبل 3 أسابيع ..

فلازم فراشه و أوصى أن يُصلي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالناس بدلا منه

و بالفعل و بعد 4 أيام فقط من معركة مرج الصفر ..

توفى أبو بكر الصديق رضي الله عنه

و كانت اخر كلماته : رب توفني مسلما و ألحقني بالصالحين

بعد أسبوعين من وفاة الصديق رضي الله عنه ..

تفاجأ المسلمون عند باب الجابية بقدوم يرفأ مولى عمر بن الخطاب إليهم

.. و اندهشوا عندما وجدوه يتجه مباشرة إلى خيمة أبي عبيدة بن الجراح

بدلا من أن يتجه إلى خالد بن الوليد عند الباب الشرقي

فعلم الجميع أن هناك أمرا خطيرا قد حدث

وكان لسان الجميع يقول :

!!ماذا حدث بالمدينة ؟

وعندما دخل يرفأ خيمة أبي عبيدة

.. أخبره أن خليفة المسلمين قد توفى منذ فترة قصيرة

و أنه قد أوصى أن يكون عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الخليفة من بعده

.. و سلمه خطاب بعد ذلك من الخليفة الجديد .. و قد ورد فيه

" سلام عليك

.. فأني أحمد الله اليك الذي لا إله إلا هو .. أما بعد

فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد توفى

.. فإنا لله و إنا إليه راجعون

و قد بلغنا حصاركم لأهل دمشق ..

.. و قد وليتك جماعة الناس

فابثث سراياك في نواحي أرض حمص و دمشق و ما سواها من أرض الشام

و انظر في ذلك برأيك و رأي من حضرك من المسلمين ..

و من استغنيت عنه فسيره ..

.. ومن احتجت إليه في حصارك فاحتبسه

.. وليكن فيمن تحتبس خالد بن الوليد .. فإنه لا غنى بك عنه "

و بعد أن فرغ أبو عبيدة من قراءة الخطاب

.. سكت و لم يعلق على ما ورد به

فقد كانت هناك الكثير من الأخبار الشديدة به

فقد توفى أبو بكر الصديق رضي الله عنه و تولى عمر الخلافة من بعده ..

و كان من أول أوامره أن يعزل خالد بن الوليد

و يولي أبي عبيدة قيادة الجيش بالشام بدلا منه ...

فظل أبو عبيدة على هذه الحالة لفترة قصيرة .. ثم أمر بإحضار معاذ بن جبل

... فلما آتى معاذ .. دعاه أبو عبيدة لقراءة الخطاب

فكان أول ما سأل عنه معاذ بعد أن انتهى من قراءة الخطاب

عن هوية الخليفة الجديد

.. فأخبره يرفأ انه عمر

.. فارتاح معاذ و قال

"الحمدلله .. وفقوا و أصابوا"

فقال لهم يرفأ ان عمر يريد أن يعرف أخبار خالد بن الوليد

و يزيد بن أبي سفيان و عمرو بن العاص

و أن يعرف علاقتهم بالمسلمين

فأشاد كلاهما بخالد و قالوا عنه أنه خير أمير

.. شديد الشفقة على أهل الإسلام

و أشد الناس على أعدائهم ..

.. كما أشادوا بيزيد و عمرو ايضا

فانصرف يرفأ بعد أن تسلم خطابا منهما إلى أمير المؤمنين

يدعونه فيه إلى إتقاء الله في قرارته و أن يعدل بين الناس دائما و دعوا له بالتوفيق فيما هو آت ..

و بعد انصراف يرفأ ..

.. قال أبو عبيدة لمعاذ

.. ان عمر لم يكتب لهم بأن يعلنوا خبر وفاة أبو بكر رضي الله عنه للناس ..

و اخبره انه لا يريد أن يذكر ذلك إلا بأمر صريح منه

.. فوافقه معاذ و كتما الأمر بالفعل

.. و لم يعلم أحد من المسلمين بما دار في خيمته

أسباب عزل خالد بن الوليد عن قيادة الجيش

و هو القائد المنتصر

الذي أذاق إمبراطورية الفرس ويلات الحرب بجيش قليل العدد

واستطاع في بضعة شهور أن يهزمهم في كل معركة خاضها

و ها هو الآن ينتصر للمسلمين على الروم في أشد المعارك

.. كان أمرا تناقش فيه الباحثون كثيرا على مدار التاريخ و اختلف فيه الكتاب

فالبعض حاول أن يذهب هذا العزل للخلاف القديم بين عمر و خالد رضي الله عنهما

... ففي خلال إنتصارات خالد بن الوليد المتتالية

.. كان هناك بعض التصرفات التي كان دائما عمر يعترض عليها

و كان يرى أنه لابد على أبو بكر رضي الله عنه أن يعزل خالد بسببها

و ظهر ذلك الأمر بوضوح خلال حروب الردة

.. عندما اعترض عمر بن الخطاب على مقتل مالك بن نويرة

و زواج خالد بعدها من امرأته

و قد تحدثت عن ذلك بالتفصيل بعد الإستعانة بأكثر من 14 مصدر

في حلقة خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة

و أوضحت كيف اختلفت الروايات عما حدث وقتها

و كيف رأى خالد أن مالك كان مرتدا وتطاول على الرسول عليه الصلاة والسلام و يستحق العقاب

كما أوضحت كيف تم نقل الموقف بعدها إلى عمر بن الخطاب

و الذي تبنى الرأي الذي قال أن خالد قد أخطأ

و لكن أبا بكر رفض أن يعزل خالد بعد أن استجوبه

واستمع لما حدث من وجهة نظره و اقتنع به

و أمر عمر أن يمسك لسانه عن خالد عندئذ

و تكرر اعتراض عمر على خالد

بعد خروج خالد متخفيا من الجيش بعد معركة الفراض

و اتجاهه للمدينة حتى يقيم شعائر الحج دون أن يبلغ الخليفة

حتى ولو كان مطمئنا لسلامة الجيش

.. ولكن أبا بكر اكتفى بتوبيخ خالد و قال لعمر

" ما كنت لأشيم سيفا سله الله على الكافرين "

ولعل من أكثر الأمور التي اعترض عليها عمر

هو توزيع خالد للمكافآت السخية على أبطال المعارك دون استشارة أبي بكر

و لم يكن عمر ليقبل بذلك الأمر في ولايته بأي شكل .

كل تلك الأمور أشار بعض الكتاب انها قد تكون السبب في أن يكون عزل خالد

هو من اول قرارات عمر بن الخطاب عندما تولى الخلافة

و لكنني أرى أن من أهم الاسباب الرئيسية لعزله عن قيادة الجيش

هو الاختلاف الكبير بين شخصيات خالد و عمر رضي الله عنهما ..

فخالد كقائد في الميدان .. كان يحب أن يكون له حرية التصرف في مختلف الأمور

.. ولقد شاهدناه يفعل ذلك كثيرا خلال خلافة أبي بكر الصديق

.. فهو يخرج من الحيرة لنجدة عياض بن غنم في دومة الجندل ..

ثم يخرج من العراق للحج و يعود سريعا لينضم للجيش العائد إلى الحيرة دون علم الخليفة

.. و سيقوم بعد ذلك بتوحيد كل الجيوش التي أرسلها الخليفة مستقلة في معركة اليرموك

وقد أوضح خالد ذلك الأمر جيدا خلال حروب الردة

عندما اعترض البعض على التوجه نحو قبيلة بني تميم

ظنا منهم أن الخليفة لم يأمر بذلك

.. فقد قال لهم عندئذ أنه إن رأى فرصة فيها خير للمسلمين

فلابد عليه من انتهازها بدلا من أن يضيع الوقت في مراسلة الخليفة و انتظار رده

فتكون الفرصة قد ضاعت عليهم

و ربما كان ذلك يتوافق مع شخصية أبي بكر في الحكم الحليمة اللينة

و التي كانت تنظر دائما للنتائج في نهاية الأمر ..

.. ولكن شخصية عمر في الحكم و الإدارة كانت مختلفة تماما

فقد كان عمر يحب أن يتم ارجاع جميع الأمور له في كل تصرف

.. وسيتضح لنا ذلك في أوامره لسعد بن أبي وقاص في فتح العراق

و أوامره لابي عبيدة في الشام في الحلقات القادمة ..

و لذلك فكانت طبيعة عمر بن الخطاب و خالد بن الوليد رضي الله عنهما لا تتفقان

.. حتى ولو كان كل منهما على أعلى مستوى الكفاءة في عملهما و حرصهما على الدين

.. فإذا كان الوالي الكبير خُلقه يميل إلى اللين ..

.. فلابد ان يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة

اما اذا كان الوالي يميل إلى الشدة .. فلابد لنائبه أن يميل إلى اللين

حتى تستقيم الأمور

.. و هذا بالفعل ما تحقق خلال ولاية أبي بكر ذو الطبع اللين

و لم يكن ليتحقق في ولاية عمر ذو الطبع الشديد و الصارم

خاصة في وجود شخصية خالد الشديدة على رأس الجيش

كما أن هناك امرا اخرا في غاية الأهمية أشار إليه الشيخ الكبير محمد بن سيرين

.. فقد ورد عنه أن عمر بن الخطاب قد أراد عزل خالد بن الوليد

حتى لا تتعلق قلوب المسلمين به بسبب كثرة انتصاراته وخبرته الحربية ..

.. فقد خشى أن يؤدي ذلك التعلق إلى الفتنة و ضعف التوكل على الله سبحانه و تعالى ..

.. فأراد أن يبين للناس أن الانتصارات تأتي بفضل الله و ليس بفضل أحد من عباده .

... و قد أكد عمر رضي الله عنه بالفعل ذلك

عندما قام بإرسال رسالة إلى كل الولاة بعد استكمال الفتوحات

و أشار انه عزل خالد لأنه خشى على المسلمين من الفتنة

ففي نهاية الأمر نستطيع أن نستنتج أن أمر عزل عمر لخالد رضي الله عنهما

كان يريد به مصلحة المسلمين في دينهم و دنياهم

و لم يكن بسبب مشاعر بغض او للعقاب على أفعاله ..

و قد أوضح ذلك بالفعل في خطابه لأبي عبيدة

عندما أكد عليه أن يستعين بخالد في حصاره لدمشق

لأن لا غنى له عنه

و وضح ذلك في اللقاء العظيم و مشاعر الود بين عمر و خالد

عندما عاد للمدينة و معانقتهما لبعضهما البعض

قبل وفاة خالد بن الوليد بعدة سنوات

على كل حال .. وصلت الأنباء لأمير المؤمنين

بأن ابا عبيدة قد تباطأ في تنفيذ أمر عزل خالد بن الوليد

فكتب إليه خطاب آخر و حثه على أن لا يستحي من تنفيذ الحق

و أمره بتولي قيادة الجيوش بدلا منه ...

و يبدو أن الأنباء قد وصلت إلى خالد بن الوليد ..

.. فقد ذهب إلى خيمة أبي عبيدة وقال له

يغفر الله لك

.. أتاك كتاب أمير المؤمنين بالولاية فلم تعلمني

!! وانت تصلي خلفي والسلطان سلطانك

: فقال له أبو عبيدة

ما كنت لأكسر عليك حربك

حتى ينقضي ذلك كله ثم كنت أعلمك إن شاءالله ...

و ما سلطان الدنيا أريد

وما للدنيا أعمل ..

و إنما نحن إخوان و قوام بأمر الله عز و جل ..

ثم أعطى خطاب عمر إلى خالد بن الوليد

و كان ذلك في تقدير المؤرخين

في اليوم السادس و العشرين من رجب في العام الثالث عشر هجريا .. ( 25 سبتمبر 634 )

كل تلك الأحداث كانت تدور في سلطان المسلمين

بينما كان الفرس و الروم يعملون جاهدين لطرد المسلمين من العراق و الشام

ففي الثالث و العشرين من شعبان وقعت معركة الجسر بالعراق

و استشهد الألاف من المسلمين

و جرح آلاف أخرون

في الإنتصار الأول و الوحيد للفرس على المسلمين

.. أما على الناحية الآخرى

.. فقد جاء جيش جديد للروم يبلغ 10 آلاف مقاتل من أنطاكية كمدد لأهل دمشق

.. وساروا حتى وصلوا إلى مدينة بعلبك

.. و هناك علموا بإنتصار المسلمين في موقعة مرج الصفر

فكاتبوا هرقل ليشير عليهم بالتصرف السليم ..

.. كما أرسل الروم و حلفائهم من عرب الغساسنة في جنوب الشام

خطابا إلى هرقل ايضا ليخبروه أنهم اتحدوا معا

ضد هجمات لواء شرحبيل بن حسنة عليهم و يطلبون منه المدد لمحاربته ..

فكان الوضع عصيبا على المسلمين في كل الجبهات

و كان من الواضح

أن هناك إشتباكات قادمة

... ستغير شكل المنطقة بالكامل



Хочете вивчати якусь мову?


Вчіться нацьому тексті ітисячі вподобають це на LingQ.

  • Величезна бібіліотека аудіо уроків, всі супроводжені текстом.
  • Революціні інструменти навчання
  • Глобальна, інтерактивна навчальна спільнота

Вивчення мови онлайн @ LingQ

بعد أن انتهى خالد رضي الله عنه من مطاردة الفلول الهاربة في معركة أجنادين

.. و بعد أن خرج الرسول الخاص به نحو المدينة

لإبلاغ الخليفة بأنباء الإنتصار

... أصدر قائد المسلمين الأوامر للجيش بالتحرك فورا نحو مدينة دمشق لحصارها

الطريق الذي اتخذه خالد نحو دمشق

لم يتم ذكره في المصادر القديمة

.. ولكن أقرب التوقعات تُشير إلى أن الجيوش الإسلامية كانت تتحرك على الطرق الخارجية

أي أنها بعد معركة أجنادين

.. لم تتعمق في فلسطين نحو الأردن

.. و إنما عادت من جديد نحو الجنوب و دارت حول جنوب البحر الميت

لتسير على الطريق الذي يقع إلى الشرق منه نحو الشمال

.. فالتعمق في وسط فلسطين كان أمرا في غاية الخطورة في ذلك الوقت

.. فلو فعلت ذلك

كان لابد عليها أن تعبر من أجنادين إلى بيت المقدس

ثم إلى وادي نهر الأردن حتى تصل إلى دمشق .

.. أو كانت ستأخذ طريق الرملة إلى اللد و منها إلى دمشق

وبكل تأكيد فقد كان المسلمون لم يضموا بعد بيت المقدس

المقدس ولم تكن هناك لهم سيطرة على الرملة التي كانت تعتبر حاضرة فلسطين في ذلك الوقت

كما أنهم لن يعبروا خلال ذلك الطريق الوعر بين المدينتين

اللتين كانتا تحت سيطرة الروم

فيعرضوا نفسهم للهلاك و الهجوم من عدة جهات

و لذلك كان الطريق الذي اتخذه المسلمون في المجئ

هو أنسب الطرق للعودة من جديد

و على هذا الأساس .. انطلق خالد بن الوليد مع المسلمين نحو دمشق من جديد

وصل خالد بن الوليد و بقية جيش المسلمين إلى دمشق

و بدأووا في إقامة الحصار عليها

فنزل خالد عند الباب الشرقي للمدينة كما فعل في المرة السابقة

و حاصر أبو عبيدة باب الجابية ..

.. بينما حاصر عمرو بن العاص و يزيد بن أبي سفيان

بعض من الأبواب الآخرى ..

أما بالنسبة لشرحبيل بن حسنة

فقد تركه خالد بن الوليد مقيما في أسفل الشام بجهة الأردن

لمراقبة الأوضاع من تلك الجهة وليكون حماية لمؤخرة الجيوش الإسلامية

و استمر الحال على ذلك الوضع بضعة أيام

والمسلمون يحاصرون المدينة و أهل المدينة يرمون عليهم الحجارة و السهام .

وبينما كان الجميع مستغرقا في خطة لإجبار المدينة على الإستسلام

وصلت الأنباء إلى خالد بن الوليد بإقتراب جيش كبير من الروم نحوهم

ففي خلال الفترة التي تلت معركة أجنادين

.. كان هرقل ملك الروم في شدة الغضب

و يعمل جاهدا من أجل تجميع جيوش جديدة لسحق المسلمين و رد الهزيمة

و استطاع بالفعل تجميع عدد كبير من الجيوش في حمص

و أمرها بالتوجه نحو دمشق لإغاثة أهلها

ولم تتجه تلك القوة مباشرة إلى دمشق ..

بل فضلت أن تسير عبر الطرق الداخلية للشام كما فعل الروم من قبل

لتجميع أكبر قدر ممكن من الرجال في طريقها

و لتفاجئ المسلمين في وقت غير متوقع كذلك

.. فساروا عبر مدينة بعلبك والتفوا حول بحيرة طبرية,

و من هناك توجهوا نحو مدينة مرج الصفر

و التي تقع على بعد 38 كيلومترا جنوب دمشق

ولكن كانت عيون المسلمين منتشرة و واعية لما يحدث حولها

... فلما آتى جواسيس المسلمين و أخبروا خالد رضي الله عنه بالتطورات الجديدة للأحداث

قرر فورا أن يأخذ الجيوش الإسلامية من حول أسوار المدينة

و يتجه لملاقاتهم في مدينة مرج الصفر قبل أن يصلوا لهم في دمشق

و لم يترك سوى لواء عمرو بن العاص حول أسوار المدينة

و أخذ معه ألوية أبي عبيدة و يزيد و انطلقوا في الحال

قوة جيش الروم في مرج الصفر قٌدرت ب 10 آلاف مقاتل

... فقد خرج من حمص حوالي خمسة آلاف

و انضم لهم في الطريق حوالي خمسة آلاف آخرون

... و لذلك عندما وصل خالد بن الوليد و رأي تلك القوات

... أمر بتنظيم الصفوف مثل معركة أجنادين .. ولكن مع اختلاف بسيط

... فقد جعل على الميمنة معاذ بن جبل مثل يوم أجنادين

ولكنه جعل قيادة الميسرة هذه المرة لهاشم بن عتبة

و ولى قيادة الفرسان لسعيد بن زيد

و قيادة المشاة لأبي عبيدة

و بعدما اطمئن لإصطفاف الجميع

تقدم خالد حتى الصف الأول ليلقي الخطبة على الجنود و يثير حماستهم

... ولكنه قبل أن يبدأ الكلام

.. تفاجأ بهجوم شرس من الجنود البيزنطيين على امتداد الجبهة كلها ...

كان سعيد بن زيد يقف مع جماعة من الفرسان في الميمنة

يثير حماستهم و يشجعهم على الإستبسال في القتال ..

عندما فاجأ الروم الجميع و انقضوا على جيش المسلمين سريعا

.. و قد كان هجومهم عنيفا بحق

فاهتزت صفوف المسلمين نتيجة لهجوم الروم الكاسح

و سقط العديد من الرجال وسط الجيش

و استطاع سعيد بن زيد أن يصمد أمام ذلك الإندفاع الشرس

و نازل الروم جيدا و استمات مع فرسانه في القتال

... و شيئا فشئ بدأت صفوف المسلمين تتحرك تحت الضغط الشديد

حتى أصبح القتال يدور على شاطئ نهر عليه طاحونة ...

... و بسبب شدة القتال و ازدياد عدد القتلى من الجانبين

امتزجت الدماء بالمياه و طحنت بها الطاحونة

... فصاح قادة المسلمين و على رأسهم خالد بن الوليد في الجنود

و حثوهم على الإقدام و الإستماتة في القتال

و بالفعل انقلبت دفة المعركة بعد وقت قصير نتيجة لإندفاع المسلمين الشرس

وبدأ الروم في التراجع نحو معسكرهم و المسلمون يزيدون الضربات عليهم حتى وصلوا إلى المعسكر

فدب الهرج و المرج وصف صفوف الجيش البيزنطي و بدأ الجميع في الفرار

فمنهم من هرب نحو دمشق و منهم من رجع إلى حمص و منهم من فر نحو بيت المقدس

فانتهت بذلك معركة مرج الصفر بإنتصار جديد لقوات المسلمين بقيادة خالد بن الوليد

انتهى القتال في ساحة مرج الصفر بإنتصار المسلمين على الروم

و لكنه كان انتصارا مليئا بالخسائر الجسيمة ..

فقد جرح من المسلمين حوالي أربعة آلاف مقاتل نتيجة لهجوم الروم الكاسح خاصة في بداية المعركة

و استشهد حوالي 500 آخرون

أما بالنسبة لجيش الروم

فقد سقط منهم حوالي 500 قتيل و وقع في الأسر مثلهم

بينما فرت البقية للجهات التي ذكرناها من قبل ...

بعد انتهاء المعركة .. عاد المسلمون من جديد إلى مدينة دمشق و زادوا من الحصارعليها

و كانوا في نفس الترتيب فنزل خالد على الباب الشرقي

و نزل أبو عبيدة على باب الجابية و حاصر يزيد و عمرو بن العاص بعض من الأبواب الآخرى

و في خلال تلك الأحداث ... كان هناك أمر شديد يحدث في المدينة

فخليفة المسلمين أبو بكر الصديق رضي الله عنه

كان يعاني من حُمى شديدة بسبب إغتساله في يوم بارد بالمدينة قبل 3 أسابيع ..

فلازم فراشه و أوصى أن يُصلي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالناس بدلا منه

و بالفعل و بعد 4 أيام فقط من معركة مرج الصفر ..

توفى أبو بكر الصديق رضي الله عنه

و كانت اخر كلماته : رب توفني مسلما و ألحقني بالصالحين

بعد أسبوعين من وفاة الصديق رضي الله عنه ..

تفاجأ المسلمون عند باب الجابية بقدوم يرفأ مولى عمر بن الخطاب إليهم

.. و اندهشوا عندما وجدوه يتجه مباشرة إلى خيمة أبي عبيدة بن الجراح

بدلا من أن يتجه إلى خالد بن الوليد عند الباب الشرقي

فعلم الجميع أن هناك أمرا خطيرا قد حدث

وكان لسان الجميع يقول :

!!ماذا حدث بالمدينة ؟

وعندما دخل يرفأ خيمة أبي عبيدة

.. أخبره أن خليفة المسلمين قد توفى منذ فترة قصيرة

و أنه قد أوصى أن يكون عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الخليفة من بعده

.. و سلمه خطاب بعد ذلك من الخليفة الجديد .. و قد ورد فيه

" سلام عليك

.. فأني أحمد الله اليك الذي لا إله إلا هو .. أما بعد

فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد توفى

.. فإنا لله و إنا إليه راجعون

و قد بلغنا حصاركم لأهل دمشق ..

.. و قد وليتك جماعة الناس

فابثث سراياك في نواحي أرض حمص و دمشق و ما سواها من أرض الشام

و انظر في ذلك برأيك و رأي من حضرك من المسلمين ..

و من استغنيت عنه فسيره ..

.. ومن احتجت إليه في حصارك فاحتبسه

.. وليكن فيمن تحتبس خالد بن الوليد .. فإنه لا غنى بك عنه "

و بعد أن فرغ أبو عبيدة من قراءة الخطاب

.. سكت و لم يعلق على ما ورد به

فقد كانت هناك الكثير من الأخبار الشديدة به

فقد توفى أبو بكر الصديق رضي الله عنه و تولى عمر الخلافة من بعده ..

و كان من أول أوامره أن يعزل خالد بن الوليد

و يولي أبي عبيدة قيادة الجيش بالشام بدلا منه ...

فظل أبو عبيدة على هذه الحالة لفترة قصيرة .. ثم أمر بإحضار معاذ بن جبل

... فلما آتى معاذ .. دعاه أبو عبيدة لقراءة الخطاب

فكان أول ما سأل عنه معاذ بعد أن انتهى من قراءة الخطاب

عن هوية الخليفة الجديد

.. فأخبره يرفأ انه عمر

.. فارتاح معاذ و قال

"الحمدلله .. وفقوا و أصابوا"

فقال لهم يرفأ ان عمر يريد أن يعرف أخبار خالد بن الوليد

و يزيد بن أبي سفيان و عمرو بن العاص

و أن يعرف علاقتهم بالمسلمين

فأشاد كلاهما بخالد و قالوا عنه أنه خير أمير

.. شديد الشفقة على أهل الإسلام

و أشد الناس على أعدائهم ..

.. كما أشادوا بيزيد و عمرو ايضا

فانصرف يرفأ بعد أن تسلم خطابا منهما إلى أمير المؤمنين

يدعونه فيه إلى إتقاء الله في قرارته و أن يعدل بين الناس دائما و دعوا له بالتوفيق فيما هو آت ..

و بعد انصراف يرفأ ..

.. قال أبو عبيدة لمعاذ

.. ان عمر لم يكتب لهم بأن يعلنوا خبر وفاة أبو بكر رضي الله عنه للناس ..

و اخبره انه لا يريد أن يذكر ذلك إلا بأمر صريح منه

.. فوافقه معاذ و كتما الأمر بالفعل

.. و لم يعلم أحد من المسلمين بما دار في خيمته

أسباب عزل خالد بن الوليد عن قيادة الجيش

و هو القائد المنتصر

الذي أذاق إمبراطورية الفرس ويلات الحرب بجيش قليل العدد

واستطاع في بضعة شهور أن يهزمهم في كل معركة خاضها

و ها هو الآن ينتصر للمسلمين على الروم في أشد المعارك

.. كان أمرا تناقش فيه الباحثون كثيرا على مدار التاريخ و اختلف فيه الكتاب

فالبعض حاول أن يذهب هذا العزل للخلاف القديم بين عمر و خالد رضي الله عنهما

... ففي خلال إنتصارات خالد بن الوليد المتتالية

.. كان هناك بعض التصرفات التي كان دائما عمر يعترض عليها

و كان يرى أنه لابد على أبو بكر رضي الله عنه أن يعزل خالد بسببها

و ظهر ذلك الأمر بوضوح خلال حروب الردة

.. عندما اعترض عمر بن الخطاب على مقتل مالك بن نويرة

و زواج خالد بعدها من امرأته

و قد تحدثت عن ذلك بالتفصيل بعد الإستعانة بأكثر من 14 مصدر

في حلقة خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة

و أوضحت كيف اختلفت الروايات عما حدث وقتها

و كيف رأى خالد أن مالك كان مرتدا وتطاول على الرسول عليه الصلاة والسلام و يستحق العقاب

كما أوضحت كيف تم نقل الموقف بعدها إلى عمر بن الخطاب

و الذي تبنى الرأي الذي قال أن خالد قد أخطأ

و لكن أبا بكر رفض أن يعزل خالد بعد أن استجوبه

واستمع لما حدث من وجهة نظره و اقتنع به

و أمر عمر أن يمسك لسانه عن خالد عندئذ

و تكرر اعتراض عمر على خالد

بعد خروج خالد متخفيا من الجيش بعد معركة الفراض

و اتجاهه للمدينة حتى يقيم شعائر الحج دون أن يبلغ الخليفة

حتى ولو كان مطمئنا لسلامة الجيش

.. ولكن أبا بكر اكتفى بتوبيخ خالد و قال لعمر

" ما كنت لأشيم سيفا سله الله على الكافرين "

ولعل من أكثر الأمور التي اعترض عليها عمر

هو توزيع خالد للمكافآت السخية على أبطال المعارك دون استشارة أبي بكر

و لم يكن عمر ليقبل بذلك الأمر في ولايته بأي شكل .

كل تلك الأمور أشار بعض الكتاب انها قد تكون السبب في أن يكون عزل خالد

هو من اول قرارات عمر بن الخطاب عندما تولى الخلافة

و لكنني أرى أن من أهم الاسباب الرئيسية لعزله عن قيادة الجيش

هو الاختلاف الكبير بين شخصيات خالد و عمر رضي الله عنهما ..

فخالد كقائد في الميدان .. كان يحب أن يكون له حرية التصرف في مختلف الأمور

.. ولقد شاهدناه يفعل ذلك كثيرا خلال خلافة أبي بكر الصديق

.. فهو يخرج من الحيرة لنجدة عياض بن غنم في دومة الجندل ..

ثم يخرج من العراق للحج و يعود سريعا لينضم للجيش العائد إلى الحيرة دون علم الخليفة

.. و سيقوم بعد ذلك بتوحيد كل الجيوش التي أرسلها الخليفة مستقلة في معركة اليرموك

وقد أوضح خالد ذلك الأمر جيدا خلال حروب الردة

عندما اعترض البعض على التوجه نحو قبيلة بني تميم

ظنا منهم أن الخليفة لم يأمر بذلك

.. فقد قال لهم عندئذ أنه إن رأى فرصة فيها خير للمسلمين

فلابد عليه من انتهازها بدلا من أن يضيع الوقت في مراسلة الخليفة و انتظار رده

فتكون الفرصة قد ضاعت عليهم

و ربما كان ذلك يتوافق مع شخصية أبي بكر في الحكم الحليمة اللينة

و التي كانت تنظر دائما للنتائج في نهاية الأمر ..

.. ولكن شخصية عمر في الحكم و الإدارة كانت مختلفة تماما

فقد كان عمر يحب أن يتم ارجاع جميع الأمور له في كل تصرف

.. وسيتضح لنا ذلك في أوامره لسعد بن أبي وقاص في فتح العراق

و أوامره لابي عبيدة في الشام في الحلقات القادمة ..

و لذلك فكانت طبيعة عمر بن الخطاب و خالد بن الوليد رضي الله عنهما لا تتفقان

.. حتى ولو كان كل منهما على أعلى مستوى الكفاءة في عملهما و حرصهما على الدين

.. فإذا كان الوالي الكبير خُلقه يميل إلى اللين ..

.. فلابد ان يكون خلق نائبه يميل إلى الشدة

اما اذا كان الوالي يميل إلى الشدة .. فلابد لنائبه أن يميل إلى اللين

حتى تستقيم الأمور

.. و هذا بالفعل ما تحقق خلال ولاية أبي بكر ذو الطبع اللين

و لم يكن ليتحقق في ولاية عمر ذو الطبع الشديد و الصارم

خاصة في وجود شخصية خالد الشديدة على رأس الجيش

كما أن هناك امرا اخرا في غاية الأهمية أشار إليه الشيخ الكبير محمد بن سيرين

.. فقد ورد عنه أن عمر بن الخطاب قد أراد عزل خالد بن الوليد

حتى لا تتعلق قلوب المسلمين به بسبب كثرة انتصاراته وخبرته الحربية ..

.. فقد خشى أن يؤدي ذلك التعلق إلى الفتنة و ضعف التوكل على الله سبحانه و تعالى ..

.. فأراد أن يبين للناس أن الانتصارات تأتي بفضل الله و ليس بفضل أحد من عباده .

... و قد أكد عمر رضي الله عنه بالفعل ذلك

عندما قام بإرسال رسالة إلى كل الولاة بعد استكمال الفتوحات

و أشار انه عزل خالد لأنه خشى على المسلمين من الفتنة

ففي نهاية الأمر نستطيع أن نستنتج أن أمر عزل عمر لخالد رضي الله عنهما

كان يريد به مصلحة المسلمين في دينهم و دنياهم

و لم يكن بسبب مشاعر بغض او للعقاب على أفعاله ..

و قد أوضح ذلك بالفعل في خطابه لأبي عبيدة

عندما أكد عليه أن يستعين بخالد في حصاره لدمشق

لأن لا غنى له عنه

و وضح ذلك في اللقاء العظيم و مشاعر الود بين عمر و خالد

عندما عاد للمدينة و معانقتهما لبعضهما البعض

قبل وفاة خالد بن الوليد بعدة سنوات

على كل حال .. وصلت الأنباء لأمير المؤمنين

بأن ابا عبيدة قد تباطأ في تنفيذ أمر عزل خالد بن الوليد

فكتب إليه خطاب آخر و حثه على أن لا يستحي من تنفيذ الحق

و أمره بتولي قيادة الجيوش بدلا منه ...

و يبدو أن الأنباء قد وصلت إلى خالد بن الوليد ..

.. فقد ذهب إلى خيمة أبي عبيدة وقال له

يغفر الله لك

.. أتاك كتاب أمير المؤمنين بالولاية فلم تعلمني

!! وانت تصلي خلفي والسلطان سلطانك

: فقال له أبو عبيدة

ما كنت لأكسر عليك حربك

حتى ينقضي ذلك كله ثم كنت أعلمك إن شاءالله ...

و ما سلطان الدنيا أريد

وما للدنيا أعمل ..

و إنما نحن إخوان و قوام بأمر الله عز و جل ..

ثم أعطى خطاب عمر إلى خالد بن الوليد

و كان ذلك في تقدير المؤرخين

في اليوم السادس و العشرين من رجب في العام الثالث عشر هجريا .. ( 25 سبتمبر 634 )

كل تلك الأحداث كانت تدور في سلطان المسلمين

بينما كان الفرس و الروم يعملون جاهدين لطرد المسلمين من العراق و الشام

ففي الثالث و العشرين من شعبان وقعت معركة الجسر بالعراق

و استشهد الألاف من المسلمين

و جرح آلاف أخرون

في الإنتصار الأول و الوحيد للفرس على المسلمين

.. أما على الناحية الآخرى

.. فقد جاء جيش جديد للروم يبلغ 10 آلاف مقاتل من أنطاكية كمدد لأهل دمشق

.. وساروا حتى وصلوا إلى مدينة بعلبك

.. و هناك علموا بإنتصار المسلمين في موقعة مرج الصفر

فكاتبوا هرقل ليشير عليهم بالتصرف السليم ..

.. كما أرسل الروم و حلفائهم من عرب الغساسنة في جنوب الشام

خطابا إلى هرقل ايضا ليخبروه أنهم اتحدوا معا

ضد هجمات لواء شرحبيل بن حسنة عليهم و يطلبون منه المدد لمحاربته ..

فكان الوضع عصيبا على المسلمين في كل الجبهات

و كان من الواضح

أن هناك إشتباكات قادمة

... ستغير شكل المنطقة بالكامل

×

Ми використовуємо файли cookie, щоб зробити LingQ кращим. Відвідавши сайт, Ви погоджуєтесь з нашими cookie policy.