image

تاريخ × حدوتة, معركة الأنبار/عين التمر | ذكاء خالد بن الوليد يتغلب على حيل الفرس - Battle of Al-Anbar & Ayn al Tamr

في منتصف شهر ربيع الثاني من العام ال12 هجريا

أحكم خالد بن الوليد قبضته على مدينة الحيرة

و جميع الأراضي التي تقع بين نهري دجلة و الفرات ..

فبعد أربعة معارك كبرى و عدة إشتباكات صغيرة مع الجيش الفارسي

و التي انتهت كلها بإنتصاره وإنسحاب القوات الفارسية نحو العاصمة لتأمينها

.. تمكن أخيرا من التحرك بحرية و إجراء المعاهدات مع أمراء الأقاليم المجاورة ...

فإستطاع بذلك تأمين كل المناطق التي تقع خلف الجيش الإسلامي.

.. ولكن ظلت الأراضي التي تقع شمال الحيرة تؤرق منامه

و كان يرغب في إحكام السيطرة عليها

حتى يستقر الأمر لهم في المنطقة

ويستطيع التقدم وهو مطمئن تجاه العاصمة الفارسية ..

مهمة تأمين و ضم الأراضي شمال الحيرة

كانت تقع على قائد مسلم آخر يُدعى عياض بن غُنم

فقبل أربعة أشهر و تحديدا بعد إنتهاء حروب الردة

كان خليفة المسلمين في المدينة قد إتخذ قرارا

بإرسال الجيوش الإسلامية لفتح العراق و ضم مدينة الحيرة ...

و كانت خطته المحكمة تعتمد على إرسال جيشين منفصلين

يٌهاجم كلا منهما الحيرة من إتجاه معاكس

... فكان على الجيش الأول بقيادة خالد بن الوليد

أن يسير و يدخل العراق من الجنوب

و ينتصر على كل من في طريقه حتى يصل للحيرة

... أما الجيش الثاني بقيادة عياض بن غنم

فكان عليه أن يسير و يدخل العراق من الشمال

و يضم كل المناطق في طريقه للحيرة

و كان على القائدين أن يتعاونا معا عندئذ لفتح المدينة

و بالفعل سارت الخطة كما كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يريد بالنسبة للجيش الأول

فقد إنتهى خالد بن الوليد من مهمته بأسرع مما يتوقع أي إنسان

و وصل لمدينة الحيرة و ضمها بعد ثلاثة شهور من انطلاقه من اليمامة

ولكن لم تسر الأمور جيدا بالنسبة للجيش الثاني

.. فعياض بن غنم كان تعرقل قبل أن يبدأ المهمة المسندة إليه عند دومة الجندل

و لم يستطع أن يتقدم و يؤمن المناطق شمال الحيرة ..

وبكل تأكيد كان ذلك يمثل مشكلة كبرى بالنسبة لجيش المسلمين بالعراق

.. فأوامر خليفة المسلمين كانت واضحة و صريحة

بألا يتوغل المسلمون داخل العراق

إذا كانت خلفهم حصون أو حاميات للفرس

.. و كان بالفعل لا يزال هناك حاميات للفرس بعين التمر والأنبار و الفراض

وكانوا جميعا يُشكلون خطرا كبيرا على ميسرة و مؤخرة الجيش الإسلامي

إذا ما قرر التقدم من الحيرة إلى داخل العراق ..

و بعد مدة إنتظار قاربت ال3 شهور داخل الحيرة

يأس خالد رضي الله عنه من إلتحاق الجيش الثاني به

ولذلك أخذ على عاتقه تنفيذ مهمة عياض

و قرر أن يتقدم شمال الحيرة و يؤمن جميع الأراضي بنفسه ..

و على الفور أرسل عدة أمراء مع جزء من الجيش الإسلامي

للإقامة بالثغور التي افتتحها

و أمرهم بمناوشة الفرس و تنفيذ الغارات الخفيفة عليهم

حتى يشغلوهم دائما ليستطيع تنفيذ ما نوى القيام به.

و استخلف خالد القعقاع بن عمرو على إمارة الحيرة

و بدأ في التحرك مع 9000 مقاتل نحو الشمال

قرر خالد رضي الله عنه أن يبدأ بمدينة الأنبار

فسار حتى وصل لمدينة كربلاء

و أقام بها عدة أيام لإستطلاع أخبار العدو

.. و بعدها قام بعبور نهر الفرات

حتى استقر على الضفة الشرقية له

و أكمل مسيرته مع جيش المسلمين نحو المدينة

مدينة الانبار كانت مدينة قديمة محصنة

ومركزا تأتي إليه القوافل التجارية من بلاد الشام و بلاد فارس

و كانت شهيرة للغاية بمخازن الغلال الكبيرة

وفي هذا الوقت

كانت تقع تحت حكم قائد فارسي يُدعى شيرزاد

وكان هذا القائد مشهورا بالذكاء و الثقافه أكثر من قدرته العسكرية

وكان عليه الآن ان يدافع عن الحصن بالقوات المتوفرة لديه من الفرس وعدد كبير من العرب

و يبدو أنه كان لا يثق كثيرا بتلك القوات

ورأي أن خير وسيلة للدفاع هي الإحتماء بالحصن

ولذلك

أمر فورا بحفر خندق كبير حول الحصن وهدم كل الجسور

لمنع المسلمين من إقتحامه ..

بعد وصول جيش المسلمين

بدأ خالد رضي الله عنه يقوم بجولة لتفحص دفاعات الحصن

فوجد على قمة السور آلافا من العرب و الفرس

يقفون و يشاهدون جيش المسلمين في عدم حرص ولا مبالاة

فتعجب من هذه الحماقة

وعاد لأصحابه و قال لهم

إني أرى أقواما لا علم لهم بالحرب

و أمر فورا بجمع ألف نبال من احسن رماته ..

و أمرهم بالاصطفاف

و التقدم حتى يصبحوا بمحاذاة الخندق

و عند الإشارة المناسبة

عليهم أن يطلقوا السهام و يستهدفوا أعين كل من يقف على الحصن

فتقدم فعلا الرماة و اصطفوا بجانب بعضهم البعض

و أخذ الفرس والعرب ينظرون إليهم في إستغراب

و يفكرون فيم ينوون فعله

ومع الإشارة المناسبة

انطلق ألف سهم من أقواس المسلمين

و تتابعت الدفعات بعدها

وفي غضون لحظات

.. كانت هناك ألف عين مصابة جراء ذلك القصف

وتصايح الجميع من أهل المدينة

ذهبت عيون أهل الأنبار

... فعرفت تلك الواقعة بوقعة ذات العيون ...

عندما رأي شيرزاد ما حل بأهل الحامية

عرض على خالد بن الوليد الإستسلام وفق شروط معينة

ولم تذكر الكتب ما كانت تلك الشروط

ولكن يبدو أنها لم تكن على هوى قائد المسلمين

و أمر ان يكون الاستسلام دون أي قيد او شرط

.. فقرر شيرزاد استمرار المقاومة ..

صمم خالد على اقتحام الحصن

و هذا في حد ذاته لم يكن عملا صعبا عليهم

ولكن المشكلة الأساسية التي كانت تواجهه هي عبور الخندق

.. فلم يكن معهم ما يساعدهم على اجتيازه

كما أن رماة الأسهم من الفرس قد تمركزوا من جديد

و كانوا ينوون اطلاق السهام على أي أحد يحاول عبور الخندق

.. فأخذ خالد بن الوليد يفكر في خطة للتغلب على هذا الأمر

الأمر و بدأ يسير حول الحصن لتفقد المكان جيدا ..

و لاحظ ان هناك مكان ضيق من الخندق

يقع بالقرب من البوابة الرئيسية للحصن

فإختار ان يكون هذا موضع الهجوم

وبعدها أمر بإحضار كل إبل الجيش الضعيفة و الكبيرة في السن

و أمر بذبحها و القائها في الخندق

حتى يتكون جسرا يعبر من خلاله المسلمين

وقام بوضع رماة الاسهم في مواجهة رماة الفرس فوق الأسوار

و أمرهم أن يمنعوهم من اطلاق الاسهم عليهم أثناء العبور ..

وفعلا مع إشارته

انطلقت الأسهم بغزارة نحو الفرس و العرب فوق الأسوار

و قام المسلمون فورا بذبح الإبل والقائها في الخندق

حتى تكون جسرا

استطاع المسلمون عبوره تحت حماية رماة الأسهم

و عندما استعدوا لتسلق الأسوار

وجدوا ابواب الحصن تُفتح

و تخرج منه جماعة من الفرس لمحاولة صدهم و طردهم نحو الخندق

.. فنشب قتال عنيف بين المسلمين والفرس

.. تمكن خلاله جيش المسلمين من صد هذا الهجوم

و انسحب الفرس سريعا نحو القلعة من جديد

و اغلقوا الابواب حتى لا يدخل المسلمون ورائهم ..

و مع اكتمال عبور الجيش

كان خالد على وشك أن يأمر الجميع بتسلق الأسوار

عندما وجد مبعوثا من القلعة يخرج

و يخبره أن شيرزاد على استعداد لتسليم الحصن

إذا سمح له المسلمون بمغادرته مع جنوده من الفرس

فوافق خالد رضي الله عنه

ولكن بشرط أن يترك الفرس كل ممتلكاتهم

.. فقبل شيرزاد هذا الشرط و سر بموافقة خالد.

و في اليوم التالي

غادر شيرزاد و من معه الحصن و توجهوا الى العاصمة الفارسية

.. فدخل المسلمون الحصن اخيرا

و وافقت القبائل العربية به و بالمناطق التي تقع حوله على الاستسلام

و دفع الجزية للمسلمين

وكان هذا في اليوم الرابع من شهر رجب عام 12 هجريا..

إستخلف خالد بن الوليد على المدينة الزبرقان بن بدر التميمي

و بدأ في مسيرته نحو مدينة آخرى تعرف بإسم عين التمر

وكانت تلك المدينة كبيرة و محاطة بـأشجار النخيل

و كان بها حامية قوية

تتكون من الجنود الفارسيين و العرب الأشداء من قبيلة النمر

و قد قامت العديد من القبائل العربية بالانضمام لهم

مثل قبيلة تغلب و إياد

لتشكيل جبهة قوية ضد المسلمين

ولذلك كانت تُعد مركزا قويا يجب السيطرة عليه سريعا ..

قائد الحامية الفارسي كان اسمه مهران بن بهرام

والذي اشتهر كثيرا بحنكته السياسية و شخصيته القيادية

و كان القائد على القبائل العربية يُدعى عقة بن أبي عقة

فلما جاءت الأنباء بإقتراب خالد بن الوليد و المسلمين من المكان

.. ذهب هذا الرجل العربي في كل غرور

و طلب من القائد الفارسي أن يترك العرب وحدهم لقتال المسلمين

فوافق مهران فورا على طلبه

و أخبره أن كلامه صحيح

و أنه سيظل مع الفرس في الحصن حتى يحتاجوهم ..

ففرح عقة بموافقة القائد الفارسي

و انصرف مع القبائل العربية لمواجهة خالد رضي الله عنه

.. فلما جاء بعض من القادة الفارسيين

و لاموا مهران على موافقته على كلام عقة

فسر الأمر لهم

و قال أنه اراد الخير للفرس بهذا التصرف ..

فقد أراد أن يتقي شر من قتل ملوك الفرس بالعرب

فلو إنتصروا عليه فسيكون النصر لهم كذلك

و إن هُزموا

فسيأتي لهم جيش المسلمين و هو مُتعب

فيقاتلوهم وهم في أحسن أحوالهم..

بقى مهران مع الفرس في الحصن بعين التمر

بينما تحرك العرب مسافة عشرة أميال في الطريق المؤدي إلى الأنبار

و هنا نشر عقة جيشه للمعركة ..

فلما وصل خالد رضي الله عنه للمكان

.. اندهش لوجود هذا الكم من القبائل العربية وحدها

فجميع المعارك التي خاضها في العراق

كانت دائما أمام قوات مشتركة بين الفرس و العرب

ولكنه على كل حال أمر جيشه بالإصطفاف للمعركة

و بدأ يراقب عدوه من بعيد

قسم خالد جيشه إلى قلب و جناحين كالمعتاد

و كان مكانه في منتصف الجيش

ولكنه رغم ذلك لم تكن في نيته الحرب المباشرة

و كانت هناك خطة في ذهنه يرغب في تنفيذها أولا

... فجمع قادة الأجنحة اثناء اصطفاف الجيش

و طلب منهما أن يشتبكا مع اجنحة العدو عند الإشارة المناسبة

ولكنه شدد عليهما أن يكون هذا الإشتباك خفيفا و يكفي فقط لإشغالهما عنه

وبعد ذلك عاد للمنتصف

و جمع حوله مجموعة من الحرس و المقاتلين الأشداء

وأعطى الإشارة المٌتفق عليها لقادة الأجنحة

فتقدمت الأجنحة فورا من مكانها

لإظهار النية للإشتباك مع العدو

.. فالتفت العرب لهم و بدأووا سريعا في الاصطفاف لمواجهتهم

و في هذه الأثناء

انطلق خالد كالسهم مع مجموعة الحرس الخاصة به على ظهر الخيول

.. و اتجه مباشرة نحو قائد العرب

والذي كان مشغولا في تنظيم منتصف جيشه

... و قبل أن يدرك أي أحد ماذا يدور

استطاع خالد أن ينقض على عقه و احتضنه و أخذه أسيرا معه نحو جيش المسلمين وسط ذهول الجميع

ذُهل العرب كثيرا مما جرى أمام أعينهم

و ارتبكت الصفوف بعد أسر قائدهم

..فبدأت الأصوات تتعالى بالإنسحاب و الالتحاق بالفرس في عين التمر حتى يتقووا بهم

وعلى الفور بدأ الجميع في الفرار و الانسحاب سريعا نحو عين التمر

و جيش المسلمين وراءهم يلاحقهم

فلما وصل العرب للحصن

.. تفاجأوا عندما وجدوه خاليا تماما من الفرس ..

.. فمهران كان قد بعث بعض الكشافة لمراقبة أرض القتال ..

فلما عاد هؤلاء و أخبروه بما دار

لم يضيع الوقت و جمع الجيش الفارسي

و انسحب فورا من الحصن تجاه العاصمة الفارسية ...

فاندفع العرب فورا داخل الحصن

و أغلقوا الأبواب و استعدوا للحصار

وصل المسلمون بعد وقت قصير للحصن

و أمر خالد بإقتياد عقة بن أبي عقة و من معه من الأسرى أمام الحصن

حتى يراهم كل من بداخله ..

.. فأثر هذا المشهد على الجميع

و طلبوا التسليم بشروط

ولكن خالد أصر على أن يكون التسليم دون أي شرط

و أن يرضخ الجميع لحكمه عليهم

.. فتشاور ذوو الرأي من العرب لفترة قصيرة

ثم قرروا أخيرا أن التسليم بدون قيد أو شرط

هو أفضل من المغامرة والقتال

و في يوم 11 رجب من العام الثاني عشر هجريا

فُتحت أبواب الحصن و استسلم كل من فيه لخالد

و انتظروا حكمه

بعد إستسلام الحصن .. أراد خالد أن تكون الرسالة قوية

لكل الخونة من العرب الذين يوالون الفرس

و لذلك أمر بضرب عنق كل من خرج لقتال المسلمين في الطريق إلى الأنبار

و على رأسهم قائدهم عقة

وكذلك الحال بالنسبة لمن دافع عن الحصن ..

أما البقية فلم يأمر بقتلهم

ولكنه اعتبرهم من الأسرى

و شرع بعدها في توزيع الغنائم على جيش المسلمين

كانت الإنتصارات التي حققها خالد بن الوليد في أرض الأنبار و عين التمر

مهمة للغاية بالنسبة لجيش المسلمين

فقد إستطاع في احد عشر يوما أن يطهر المنطقة من حاميات فارسية قوية

و يٌفرق شمل القبائل العربية المتحدة معهم

فأرسل بذلك رسالة قوية لكل من يفكر في إعتراض طريقه

و أمن الطريق إلى الحيرة بشكل كبير ...

و بالاضافة لذلك .

.. فقد اكتسب المسلمون بعض المميزات بعد فتح هذه المدن

ففي مدينة الأنبار

وجد المسلمون بعض العرب يكتبون العربية و يتعلمونها

... فتعلم بعض المسلمين الكتابة من هؤلاء الأشخاص و أجادوها

... كما أنه بعد أن سيطروا على مدينة عين التمر

وجدوا هناك أربعون غلاما صغيرا في دير يتعلمون الانجيل لكي يتكهنوا

فأخذوهم من المدينة مع الجيش

.. و كان من ضمن هؤلاء الصبية

غلام يُدعى نصير

هو أبو البطل الفاتح موسى بن نصير

الحاكم الشهير لشمال افريقية بعد عدة سنوات والذي سيرسل طارق بن زياد

لفتح أسبانيا بعد عدة سنوات

... كما ان كان من ضمن هؤلاء غلام آخر يدعى سيرين

هو أبو العالم المسلم الشهير محمد بن سيرين

أمضى خالد بضعة أيام في عين التمر

لتصريف الأمور الإدارية بالمنطقة

و بعدها بدأ يستعد للرجوع إلى الحيرة

.. وكان على وشك الرحيل بالفعل

عندما تسلم طلبا للمساعدة من شمال شبه الجزيرة العربية ..

وبعد دراسة قصيرة لهذا الطلب

قام خالد بإصدار أوامر جديدة للجيش

.... بالتحرك فورا نحو دومة الجندل ..



Хочете вивчати якусь мову?


Вчіться нацьому тексті ітисячі вподобають це на LingQ.

  • Величезна бібіліотека аудіо уроків, всі супроводжені текстом.
  • Революціні інструменти навчання
  • Глобальна, інтерактивна навчальна спільнота

Вивчення мови онлайн @ LingQ

في منتصف شهر ربيع الثاني من العام ال12 هجريا

أحكم خالد بن الوليد قبضته على مدينة الحيرة

و جميع الأراضي التي تقع بين نهري دجلة و الفرات ..

فبعد أربعة معارك كبرى و عدة إشتباكات صغيرة مع الجيش الفارسي

و التي انتهت كلها بإنتصاره وإنسحاب القوات الفارسية نحو العاصمة لتأمينها

.. تمكن أخيرا من التحرك بحرية

و إجراء المعاهدات مع أمراء الأقاليم المجاورة ...

فإستطاع بذلك تأمين كل المناطق التي تقع خلف الجيش الإسلامي.

.. ولكن ظلت الأراضي التي تقع شمال الحيرة تؤرق منامه

و كان يرغب في إحكام السيطرة عليها

حتى يستقر الأمر لهم في المنطقة

ويستطيع التقدم وهو مطمئن تجاه العاصمة الفارسية ..

مهمة تأمين و ضم الأراضي شمال الحيرة

كانت تقع على قائد مسلم آخر يُدعى عياض بن غُنم

فقبل أربعة أشهر و تحديدا بعد إنتهاء حروب الردة

كان خليفة المسلمين في المدينة قد إتخذ قرارا

بإرسال الجيوش الإسلامية لفتح العراق و ضم مدينة الحيرة ...

و كانت خطته المحكمة تعتمد على إرسال جيشين منفصلين

يٌهاجم كلا منهما الحيرة من إتجاه معاكس

... فكان على الجيش الأول بقيادة خالد بن الوليد

أن يسير و يدخل العراق من الجنوب

و ينتصر على كل من في طريقه حتى يصل للحيرة

... أما الجيش الثاني بقيادة عياض بن غنم

فكان عليه أن يسير و يدخل العراق من الشمال

و يضم كل المناطق في طريقه للحيرة

و كان على القائدين أن يتعاونا معا عندئذ لفتح المدينة

و بالفعل سارت الخطة كما كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يريد بالنسبة للجيش الأول

فقد إنتهى خالد بن الوليد من مهمته بأسرع مما يتوقع أي إنسان

و وصل لمدينة الحيرة و ضمها بعد ثلاثة شهور من انطلاقه من اليمامة

ولكن لم تسر الأمور جيدا بالنسبة للجيش الثاني

.. فعياض بن غنم كان تعرقل قبل أن يبدأ المهمة المسندة إليه عند دومة الجندل

و لم يستطع أن يتقدم و يؤمن المناطق شمال الحيرة ..

وبكل تأكيد كان ذلك يمثل مشكلة كبرى بالنسبة لجيش المسلمين بالعراق

.. فأوامر خليفة المسلمين كانت واضحة و صريحة

بألا يتوغل المسلمون داخل العراق

إذا كانت خلفهم حصون أو حاميات للفرس

.. و كان بالفعل لا يزال هناك حاميات للفرس بعين التمر والأنبار و الفراض

وكانوا جميعا يُشكلون خطرا كبيرا على ميسرة و مؤخرة الجيش الإسلامي

إذا ما قرر التقدم من الحيرة إلى داخل العراق ..

و بعد مدة إنتظار قاربت ال3 شهور داخل الحيرة

يأس خالد رضي الله عنه من إلتحاق الجيش الثاني به

ولذلك أخذ على عاتقه تنفيذ مهمة عياض

و قرر أن يتقدم شمال الحيرة و يؤمن جميع الأراضي بنفسه ..

و على الفور أرسل عدة أمراء مع جزء من الجيش الإسلامي

للإقامة بالثغور التي افتتحها

و أمرهم بمناوشة الفرس و تنفيذ الغارات الخفيفة عليهم

حتى يشغلوهم دائما ليستطيع تنفيذ ما نوى القيام به.

و استخلف خالد القعقاع بن عمرو على إمارة الحيرة

و بدأ في التحرك مع 9000 مقاتل نحو الشمال

قرر خالد رضي الله عنه أن يبدأ بمدينة الأنبار

فسار حتى وصل لمدينة كربلاء

و أقام بها عدة أيام لإستطلاع أخبار العدو

.. و بعدها قام بعبور نهر الفرات

حتى استقر على الضفة الشرقية له

و أكمل مسيرته مع جيش المسلمين نحو المدينة

مدينة الانبار كانت مدينة قديمة محصنة

ومركزا تأتي إليه القوافل التجارية من بلاد الشام و بلاد فارس

و كانت شهيرة للغاية بمخازن الغلال الكبيرة

وفي هذا الوقت

كانت تقع تحت حكم قائد فارسي يُدعى شيرزاد

وكان هذا القائد مشهورا بالذكاء و الثقافه أكثر من قدرته العسكرية

وكان عليه الآن ان يدافع عن الحصن بالقوات المتوفرة لديه من الفرس وعدد كبير من العرب

و يبدو أنه كان لا يثق كثيرا بتلك القوات

ورأي أن خير وسيلة للدفاع هي الإحتماء بالحصن

ولذلك

أمر فورا بحفر خندق كبير حول الحصن وهدم كل الجسور

لمنع المسلمين من إقتحامه ..

بعد وصول جيش المسلمين

بدأ خالد رضي الله عنه يقوم بجولة لتفحص دفاعات الحصن

فوجد على قمة السور آلافا من العرب و الفرس

يقفون و يشاهدون جيش المسلمين في عدم حرص ولا مبالاة

فتعجب من هذه الحماقة

وعاد لأصحابه و قال لهم

إني أرى أقواما لا علم لهم بالحرب

و أمر فورا بجمع ألف نبال من احسن رماته ..

و أمرهم بالاصطفاف

و التقدم حتى يصبحوا بمحاذاة الخندق

و عند الإشارة المناسبة

عليهم أن يطلقوا السهام و يستهدفوا أعين كل من يقف على الحصن

فتقدم فعلا الرماة و اصطفوا بجانب بعضهم البعض

و أخذ الفرس والعرب ينظرون إليهم في إستغراب

و يفكرون فيم ينوون فعله

ومع الإشارة المناسبة

انطلق ألف سهم من أقواس المسلمين

و تتابعت الدفعات بعدها

وفي غضون لحظات

.. كانت هناك ألف عين مصابة جراء ذلك القصف

وتصايح الجميع من أهل المدينة

ذهبت عيون أهل الأنبار

... فعرفت تلك الواقعة بوقعة ذات العيون ...

عندما رأي شيرزاد ما حل بأهل الحامية

عرض على خالد بن الوليد الإستسلام وفق شروط معينة

ولم تذكر الكتب ما كانت تلك الشروط

ولكن يبدو أنها لم تكن على هوى قائد المسلمين

و أمر ان يكون الاستسلام دون أي قيد او شرط

.. فقرر شيرزاد استمرار المقاومة ..

صمم خالد على اقتحام الحصن

و هذا في حد ذاته لم يكن عملا صعبا عليهم

ولكن المشكلة الأساسية التي كانت تواجهه هي عبور الخندق

.. فلم يكن معهم ما يساعدهم على اجتيازه

كما أن رماة الأسهم من الفرس قد تمركزوا من جديد

و كانوا ينوون اطلاق السهام على أي أحد يحاول عبور الخندق

.. فأخذ خالد بن الوليد يفكر في خطة للتغلب على هذا الأمر

الأمر و بدأ يسير حول الحصن لتفقد المكان جيدا ..

و لاحظ ان هناك مكان ضيق من الخندق

يقع بالقرب من البوابة الرئيسية للحصن

فإختار ان يكون هذا موضع الهجوم

وبعدها أمر بإحضار كل إبل الجيش الضعيفة و الكبيرة في السن

و أمر بذبحها و القائها في الخندق

حتى يتكون جسرا يعبر من خلاله المسلمين

وقام بوضع رماة الاسهم في مواجهة رماة الفرس فوق الأسوار

و أمرهم أن يمنعوهم من اطلاق الاسهم عليهم أثناء العبور ..

وفعلا مع إشارته

انطلقت الأسهم بغزارة نحو الفرس و العرب فوق الأسوار

و قام المسلمون فورا بذبح الإبل والقائها في الخندق

حتى تكون جسرا

استطاع المسلمون عبوره تحت حماية رماة الأسهم

و عندما استعدوا لتسلق الأسوار

وجدوا ابواب الحصن تُفتح

و تخرج منه جماعة من الفرس لمحاولة صدهم و طردهم نحو الخندق

.. فنشب قتال عنيف بين المسلمين والفرس

.. تمكن خلاله جيش المسلمين من صد هذا الهجوم

و انسحب الفرس سريعا نحو القلعة من جديد

و اغلقوا الابواب حتى لا يدخل المسلمون ورائهم ..

و مع اكتمال عبور الجيش

كان خالد على وشك أن يأمر الجميع بتسلق الأسوار

عندما وجد مبعوثا من القلعة يخرج

و يخبره أن شيرزاد على استعداد لتسليم الحصن

إذا سمح له المسلمون بمغادرته مع جنوده من الفرس

فوافق خالد رضي الله عنه

ولكن بشرط أن يترك الفرس كل ممتلكاتهم

.. فقبل شيرزاد هذا الشرط و سر بموافقة خالد.

و في اليوم التالي

غادر شيرزاد و من معه الحصن و توجهوا الى العاصمة الفارسية

.. فدخل المسلمون الحصن اخيرا

و وافقت القبائل العربية به و بالمناطق التي تقع حوله على الاستسلام

و دفع الجزية للمسلمين

وكان هذا في اليوم الرابع من شهر رجب عام 12 هجريا..

إستخلف خالد بن الوليد على المدينة الزبرقان بن بدر التميمي

و بدأ في مسيرته نحو مدينة آخرى تعرف بإسم عين التمر

وكانت تلك المدينة كبيرة و محاطة بـأشجار النخيل

و كان بها حامية قوية

تتكون من الجنود الفارسيين و العرب الأشداء من قبيلة النمر

و قد قامت العديد من القبائل العربية بالانضمام لهم

مثل قبيلة تغلب و إياد

لتشكيل جبهة قوية ضد المسلمين

ولذلك كانت تُعد مركزا قويا يجب السيطرة عليه سريعا ..

قائد الحامية الفارسي كان اسمه مهران بن بهرام

والذي اشتهر كثيرا بحنكته السياسية و شخصيته القيادية

و كان القائد على القبائل العربية يُدعى عقة بن أبي عقة

فلما جاءت الأنباء بإقتراب خالد بن الوليد و المسلمين من المكان

.. ذهب هذا الرجل العربي في كل غرور

و طلب من القائد الفارسي أن يترك العرب وحدهم لقتال المسلمين

فوافق مهران فورا على طلبه

و أخبره أن كلامه صحيح

و أنه سيظل مع الفرس في الحصن حتى يحتاجوهم ..

ففرح عقة بموافقة القائد الفارسي

و انصرف مع القبائل العربية لمواجهة خالد رضي الله عنه

.. فلما جاء بعض من القادة الفارسيين

و لاموا مهران على موافقته على كلام عقة

فسر الأمر لهم

و قال أنه اراد الخير للفرس بهذا التصرف ..

فقد أراد أن يتقي شر من قتل ملوك الفرس بالعرب

فلو إنتصروا عليه فسيكون النصر لهم كذلك

و إن هُزموا

فسيأتي لهم جيش المسلمين و هو مُتعب

فيقاتلوهم وهم في أحسن أحوالهم..

بقى مهران مع الفرس في الحصن بعين التمر

بينما تحرك العرب مسافة عشرة أميال في الطريق المؤدي إلى الأنبار

و هنا نشر عقة جيشه للمعركة ..

فلما وصل خالد رضي الله عنه للمكان

.. اندهش لوجود هذا الكم من القبائل العربية وحدها

فجميع المعارك التي خاضها في العراق

كانت دائما أمام قوات مشتركة بين الفرس و العرب

ولكنه على كل حال أمر جيشه بالإصطفاف للمعركة

و بدأ يراقب عدوه من بعيد

قسم خالد جيشه إلى قلب و جناحين كالمعتاد

و كان مكانه في منتصف الجيش

ولكنه رغم ذلك لم تكن في نيته الحرب المباشرة

و كانت هناك خطة في ذهنه يرغب في تنفيذها أولا

... فجمع قادة الأجنحة اثناء اصطفاف الجيش

و طلب منهما أن يشتبكا مع اجنحة العدو عند الإشارة المناسبة

ولكنه شدد عليهما أن يكون هذا الإشتباك خفيفا و يكفي فقط لإشغالهما عنه

وبعد ذلك عاد للمنتصف

و جمع حوله مجموعة من الحرس و المقاتلين الأشداء

وأعطى الإشارة المٌتفق عليها لقادة الأجنحة

فتقدمت الأجنحة فورا من مكانها

لإظهار النية للإشتباك مع العدو

.. فالتفت العرب لهم و بدأووا سريعا في الاصطفاف لمواجهتهم

و في هذه الأثناء

انطلق خالد كالسهم مع مجموعة الحرس الخاصة به على ظهر الخيول

.. و اتجه مباشرة نحو قائد العرب

والذي كان مشغولا في تنظيم منتصف جيشه

... و قبل أن يدرك أي أحد ماذا يدور

استطاع خالد أن ينقض على عقه و احتضنه

و أخذه أسيرا معه نحو جيش المسلمين وسط ذهول الجميع

ذُهل العرب كثيرا مما جرى أمام أعينهم

و ارتبكت الصفوف بعد أسر قائدهم

..فبدأت الأصوات تتعالى بالإنسحاب و الالتحاق بالفرس في عين التمر حتى يتقووا بهم

وعلى الفور بدأ الجميع في الفرار و الانسحاب سريعا نحو عين التمر

و جيش المسلمين وراءهم يلاحقهم

فلما وصل العرب للحصن

.. تفاجأوا عندما وجدوه خاليا تماما من الفرس ..

.. فمهران كان قد بعث بعض الكشافة لمراقبة أرض القتال ..

فلما عاد هؤلاء و أخبروه بما دار

لم يضيع الوقت و جمع الجيش الفارسي

و انسحب فورا من الحصن تجاه العاصمة الفارسية ...

فاندفع العرب فورا داخل الحصن

و أغلقوا الأبواب و استعدوا للحصار

وصل المسلمون بعد وقت قصير للحصن

و أمر خالد بإقتياد عقة بن أبي عقة و من معه من الأسرى أمام الحصن

حتى يراهم كل من بداخله ..

.. فأثر هذا المشهد على الجميع

و طلبوا التسليم بشروط

ولكن خالد أصر على أن يكون التسليم دون أي شرط

و أن يرضخ الجميع لحكمه عليهم

.. فتشاور ذوو الرأي من العرب لفترة قصيرة

ثم قرروا أخيرا أن التسليم بدون قيد أو شرط

هو أفضل من المغامرة والقتال

و في يوم 11 رجب من العام الثاني عشر هجريا

فُتحت أبواب الحصن و استسلم كل من فيه لخالد

و انتظروا حكمه

بعد إستسلام الحصن .. أراد خالد أن تكون الرسالة قوية

لكل الخونة من العرب الذين يوالون الفرس

و لذلك أمر بضرب عنق كل من خرج لقتال المسلمين في الطريق إلى الأنبار

و على رأسهم قائدهم عقة

وكذلك الحال بالنسبة لمن دافع عن الحصن ..

أما البقية فلم يأمر بقتلهم

ولكنه اعتبرهم من الأسرى

و شرع بعدها في توزيع الغنائم على جيش المسلمين

كانت الإنتصارات التي حققها خالد بن الوليد في أرض الأنبار و عين التمر

مهمة للغاية بالنسبة لجيش المسلمين

فقد إستطاع في احد عشر يوما أن يطهر المنطقة من حاميات فارسية قوية

و يٌفرق شمل القبائل العربية المتحدة معهم

فأرسل بذلك رسالة قوية لكل من يفكر في إعتراض طريقه

و أمن الطريق إلى الحيرة بشكل كبير ...

و بالاضافة لذلك .

.. فقد اكتسب المسلمون بعض المميزات بعد فتح هذه المدن

ففي مدينة الأنبار

وجد المسلمون بعض العرب يكتبون العربية و يتعلمونها

... فتعلم بعض المسلمين الكتابة من هؤلاء الأشخاص و أجادوها

... كما أنه بعد أن سيطروا على مدينة عين التمر

وجدوا هناك أربعون غلاما صغيرا في دير يتعلمون الانجيل لكي يتكهنوا

فأخذوهم من المدينة مع الجيش

.. و كان من ضمن هؤلاء الصبية

غلام يُدعى نصير

هو أبو البطل الفاتح موسى بن نصير

الحاكم الشهير لشمال افريقية بعد عدة سنوات

والذي سيرسل طارق بن زياد

لفتح أسبانيا بعد عدة سنوات

... كما ان كان من ضمن هؤلاء غلام آخر يدعى سيرين

هو أبو العالم المسلم الشهير محمد بن سيرين

أمضى خالد بضعة أيام في عين التمر

لتصريف الأمور الإدارية بالمنطقة

و بعدها بدأ يستعد للرجوع إلى الحيرة

.. وكان على وشك الرحيل بالفعل

عندما تسلم طلبا للمساعدة من شمال شبه الجزيرة العربية ..

وبعد دراسة قصيرة لهذا الطلب

قام خالد بإصدار أوامر جديدة للجيش

.... بالتحرك فورا نحو دومة الجندل ..

×

Ми використовуємо файли cookie, щоб зробити LingQ кращим. Відвідавши сайт, Ви погоджуєтесь з нашими cookie policy.