image

تاريخ × حدوتة, معركة أجنادين | شاهد تفاصيل خطة خالد بن الوليد في أعنف المعارك بين المسلمين و الروم لفتح الشام

بعد وصول خالد بن الوليد في الوقت المناسب

و نجاحه في إنقاذ لواء شُرحبيل بن حسنة

و ضمه لمدينة بُصرى بعد ذلك أولى المدن الكبرى بالشام

... قرر فورا التوجه إلى مدينة دمشق لفرض الحصار عليها و إجبارها على الإستسلام

فقام بإرسال رسالة إلى أبي عبيدة بن الجراح قائد اللواء على تلك الجبهة

و طلب منه موافاته عند المدينة لتنسيق الحصار بينهما عليها

و بعدما اطمئن لخروج رسوله بتلك الرسالة

بدأ فورا التحرك مع الجيش نحو دمشق ..

في تلك الأثناء .. كانت الأنباء قد وصلت إلى هرقل ملك الروم

بالنجاحات التي حققها خالد بن الوليد في مسيرته حتى الآن

و ضمه لمدن أراك و تدمر و حوارين و بُصرى

.. فإستشاط غضبا

و تعجب من كيفية وصول لواء خالد بن الوليد بتلك السرعة إلى الشام

و عدم نجاح الحاميات المنتشرة في التصدي له

وأدرك أنه بحاجة لإعادة ترتيب أوراقه مرة آخرى للتعامل مع ما جد من أحداث

ولذلك .. قام فورا بعقد مجلس للحرب ضم فيه القادة الكبار

و اتفقوا جميعا على إستدعاء الأمير البيزنطي وردان أمير حمص

أو فاردان حسب المصادر الغير إسلامية

و إرساله إلى مدينة بُصرى على رأس قوة كبيرة لإستردادها من المسلمين

و في نفس الوقت

يستمر الروم في حشد جنودهم و حلفائهم من عرب الغساسنة في مدينة أجنادين

للتعامل مع باقي ألوية المسلمين

و في حقيقة الأمر .. كانت تلك الخطة في غاية الذكاء

... فبعد خروج خالد بن الوليد من مدينة بُصرى و إتجاهه نحو دمشق

.. ترك لواء شُرحبيل بن حسنة على رأس 7 آلاف مقاتل فقط لحماية المدينة

و أخذ بقية الجنود لمساعدة لواء ابي عبيدة في حصار دمشق

... فأراد هرقل بتلك الخطة أن يستفرد بلواء شرحبيل بن حسنة في بُصرى و يقضي عليه بدلا من أن يوجه تلك القوة نحو لواءين من ألوية المسلمين بدمشق

.. فإن حقق الإنتصار عليه

فسيكون بذلك قد سدد ضربة موجعة لجيش المسلمين بالشام

كما أن القوات الهائلة التي تتجمع في أجنادين كانت قد اقتربت من الإكتمال

و ستقوم بحجز لواء عمرو بن العاص

و منعه من التحرك لمساعدة بقية المسلمين في الشمال

و ربما تقضي عليه تماما إن قرر المغامرة

و بذلك فسيكون جيش المسلمين قد خسر نصف قواته في وقت قصير

ولن يستطيع التعافي من آثار تلك الهزائم أبدا ..

في خلال تلك الأحداث .. كان خالد بن الوليد يُحاصر الباب الشرقي لمدينة دمشق

في نفس الوقت الذي كان أبا عبيدة يحاصر فيه المدينة عند باب الجابية ..

و كان كلا القائدين في غاية التصميم على استمرار الحصار حتى يستسلم أهل المدينة

.. و لكن بعد فترة قصيرة

وصلت إلى خالد بن الوليد أنباء تحرك وردان أمير حمص

في إتجاه لواء شُرحبيل بن حسنة

.. وعلم أن الأمير البيزنطي قد بدأ التحرك إلى بُصرى عبر طريق لا يمر فيه من دمشق او المنطقة المُحيطة بها

حتى يتجنب الإشتباك معه و مع أبي عبيدة

و لذلك قرر أن يسلك طريقا يمر عبر بعلبك و طبرية

ثم يدور حول بحيرتها و يكمل المسيرة بعدها شرقا نحو بُصرى فركب خالد بن الوليد فرسه على الفور

.. وانطلق نحو باب الجابية للقاء مع أبي عبيدة بن الجراح ... فلما التقى القائدان

.. بدأا سريعا في التشاور على الخطوة المٌفترض القيام بها لمواجهة هذا الخطر الشديد

فإقترح أبو عبيدة أن يسيروا بالقوات

و يلحقوا بلواء شُرحبيل بن حسنة حتى يقاتلوا جميعا جيش وردان الآتي عليهم

.. و لكن خالد كان له رأيا آخر

.. فقد أخبر ابي عبيدة أن الروم قد تجمعوا بقوات هائلة في أجنادين

.. فإذا تحركوا من مكانهم في دمشق و ساروا حتى بُصرى من جديد

.. فربما تتحرك تلك القوات البيزنطية المرابطة في دمشق و أجنادين خلفهم

فتصبح قوات المسلمين مُحاصرة من جميع الجهات

.. ولذلك كان من الأفضل أن يسيروا معا نحو أجنادين

و يجتمعوا في طريقهم مع لواء يزيد بن أبي سفيان

و في نفس الوقت يقوموا بإرسال رسالة عاجلة إلى شُرحبيل

لتحذره من الخطر القادم إليه و تأمره بالتحرك سريعا و الخروج من بُصرى

والتوجه للقائهم في مدينة أجنادين

وبالإضافة لذلك سيقومون بإرسال رسالة آخرى إلى عمرو بن العاص حتى يجتمع بهم في نفس المدينة

فتكتمل بذلك قوات المسلمين و تستطيع مواجهة جيش الروم الضخم في أجنادين و الإنتصار عليه

فوافق أبو عبيدة على ذلك الرأي الحسن و أثنى عليه

و بدأ فورا القائدان في التجهز لتنفيذ تلك الخطة ..

انطلق خالد وأبو عبيدة مع الجنود نحو الجابية على الفور

و سبقهما الرسل الذين أرسلهم خالد إلى بقية أمراء المسلمين ..

و وصل بالفعل الرسول الذي تم إرساله لشرحبيل بن حسنة

بينما كان وردان على بعد يوم واحد فقط من مدينة بُصرى ..

و لم يشعر شرحبيل بتحرك الروم أبدا قبل وصول الرسول بالخبر إليه

وذلك بسبب الطريق الغير معتاد الذي اتخذه البيزنطيون

فقام على الفور و أصدر الأوامر بالتحرك سريعا لمغادرة مدينة بصرى و اللحاق ببقية ألوية المسلمين في أجنادين.

فلما علم وردان بتحرك لواء شرحبيل من المدينة ..

.. قطع راحة جيشه على الفور و أصدر الأوامر بالتحرك سريعا حتى يلحقوا بلواء المسلمين و إنزال الخسائر به .

.. و انطلق بالفعل البيزنطيون في أثر لواء شرحبيل للحاق به

ولكن كان الله رحيما بالمسلمين

فقد تمكن شُرحبيل من مغادرة المنطقة سريعا قبل وصول وردان و الإشتباك معه في نزال عنيف

و تعمق في الصحراء التي يحفظها المسلمون حتى يضلل أعدائه

فغضب وردان بشدة بسبب فشله في تحقيق الهدف الذي انطلق لتحقيقه و توقف عن مطاردته

.. وبينما كان يفكر في الخطوة التالية التي من المفترض أن يقوم بها ...

وصل إليه خطاب من جموع الروم في أجنادين

و الذين طلبوا منه الحضور سريعا إلى المدينة حتى يتولى قيادة جيش الروم و يطرد المسلمين من الشام إلى الأبد

فإتخذ وردان القرار بأن يتجه إلى أجنادين

و لكن من طريق يخالف الطريق الذي سارت فيه جيوش المسلمين الآخرى

فقد كان يريد أن يتجنب الإشتباك مع خالد و القوة الرئيسية للمسلمين قبل الوصول إلى هدفه

.. فعبر إلى الضفة الغربية من نهر الأردن و سار عبر مرج ابن عامر

حتى وصل إلى الرملة و منها إلى أجنادين

و في نفس الوقت كان خالد و أبا عبيدة قد التقوا بيزيد بن ابن سفيان و جيشه

و ساروا على الضفة الشرقية لنهر الأردن حتى جنوب البحر الميت

و من هناك أتجهوا إلى أجنادين

و بعد فترة قصيرة التحق بهما لواء عمرو بن العاص من جنوب فلسطين

و وصل أخيرا شرحبيل بن حسنة و لواءه بعدما كان توغل في الصحراء قليلا

قبل أن يتجه إلى اجنادين حتى يضلل من كان يتبعه من جيش وردان ..

و بذلك أصبحت القوات الإسلامية و البيزنطية مجتمعة و لأول مرة في مدينة واحدة

و كانت كل الدلائل تُشير لإقتراب إشتباك عنيف بين الطرفين

قد يغير شكل المنطقة بالكامل ...

مدينة أجنادين في ذلك الوقت حسب المصادر التاريخية

.. كانت تقع بين الرملة و بيت جبرين

و تحديدا على بعد 11 كيلومترا من بيت جبرين

و 39 كيلومترا من الرملة

و تقع أهميتها في ذلك الوقت .. انها كانت ملتقى هاما للطرق

فهي تصل بين شمال و جنوب فلسطين

كما أنها كانت على الطريق بين بيت المقدس و مدن بحر الروم مثل عسقلان و غزة

فكانت مكانا يسهل تجميع فيه الجيوش البيزنطية من كل مكان

و كان ذلك السبب الرئيسي لإختيار الروم له

و لم يكن في نيتهم أن تكون المعركة في ذلك المكان تحديدا

ولكن خالد بن الوليد فاجأهم بسرعة الحركة و بادرهم بالصدام فيه

أقام كل فريق معسكره على بعد ميل كامل من الفريق الآخر

و كان كلا المعسكرين يمتدان أمام بعضهما البعض بشكل متواز

بحيث يسهل على كل منهما المبادرة إلى الهجوم في خط مستقيم و بدون اجراء تحركات غير ضرورية

و كانت الحراسات منتشرة في كل معسكر لمراقبة تحركات العدو ...

و نظرا لأعداد الروم الضخمة

فقد كان لمنظر معسكرهم الضخم وقع مزعج على المسلمين

فأغلب رجال المسلمين كانوا لم يشتركوا من قبل في أي معركة كبرى

بإستثناء جيش خالد بن الوليد الذي آتى من العراق ...

و يبدو أن خالد قد لاحظ ذلك الأمر

فبدأ يقوم بجولة تفقدية بين الصفوف و خطب فيهم و قال ..

" اعلموا ايها المسلمون انكم لم تروا قط جيشا للروم كما ترون اليوم ..

فإذا هزمهم الله على أيديكم فإنه لن تقم لهم قائمة

.. فاثبتوا في المعركة .. و دافعوا عن دينكم "

و في نفس الوقت تقريبا .. كان وردان أمير حمص يخطب في الجيش البيزنطي و قال لهم ..

“أيها الرومان .. لقد وضع قيصر ثقته بكم

فإذا هُزمتم لن تستطيعوا قط الوقوف أمام العرب

.. فاصمدوا و اطلبوا عون الصليب

و تذكروا انكم ثلاثة لكل واحد منهم "

فارتفعت الروح المعنوية عند الجنود في كل معسكر

و تحمس الجميع لليوم الذي سيبدأ فيه القتال ...

... و يبدو أن كل قائد قد أراد أن يعرف ما يدور في المعسكر الآخر.

.. فقام خالد بإرسال ضرار بن الأزور في مهمة إستكشافية للمعسكر الآخر و قام القُبقلار نائب وردان والرجل الثاني في الجيش

بإرسال أحد العرب النصارى لإختراق معسكر المسلمين .

و نجح بالفعل ذلك الرجل في اختراق معسكر المسلمين و قضى بينهم يوما كاملا

ثم عاد و أخبر القبقلار انه وجد المسلمين فرسان في النهار و رهبان في الليل

ولا فرق لأحد بينهم على الآخر

.. فأصاب القلق نائب الروم و شعر أن المعركة لن تكون في صالح الروم

و بات الجميع ليلتهم في ترقب لما سيحدث في اليوم التالي

في صباح يوم السابع والعشرين من شهر جمادى الأول ..

وبعد أداء المسلمين لصلاة الصبح

بدأ الجيش يتحرك تحت أوامر خالد بن الوليد إلى موقع المعركة

.. وبدأوا جميعا في الإنتشار في السهل المطل على ارض المعركة أمام معسكر الروم

و حسب أوامر خالد بن الوليد ..

.. فقد انتشر الجيش على مسافة واسعة

حتى يمنع تطويق اجنحة الجيش من قبل جيش الروم الكبير في العدد

كما تم تعيين حراسة خاصة على كلا الجانبين من أجل نفس السبب

وكان يتولى قيادة الحرس في الطرف الأيسر شُرحبيل بن حسنة

بينما لم يذكر المؤرخون قائد الحرس في الطرف الأيمن

و قسم خالد الجيش إلى جناح أيمن بقيادة معاذ بن جبل

و جناح أيسر بقيادة سعيد بن عامر

و قام بتقسيم القلب إلى نصفين

النصف الأمامي تكون من فرسان المسلمين تحت قيادة سعيد بن زيد

و النصف الخلفي تكون من المشاة تحت قيادة أبي عبيدة بن الجراح

كما وضع قوة إحتياطية مكونة من 4000 فارس

خلف القلب تحت قيادة يزيد بن أبي سفيان

لحماية معسكر المسلمين الذي ضم النساء و الأطفال إن لزم الأمر

... ووقف خالد بن الوليد في مقدمة الجيش الإسلامي بنفسه

ليكون أول من يقود الرجال في المعركة

وعندما شاهد الروم تقدم المسلمين

بدأووا في الخروج من المعسكر و انتشروا بطول السهل في مواجهة المسلمين

ولم تذكر المصادر ترتيب جيش الروم بالتفصيل

و لكن المؤكد أن تشكيلهم كان أكثر عمقا من المسلمين ...

ووقف وردان و نائبه وسط الحرس الخاص بهم في القلب لتوجيه الجيش

و لم يقفوا في المقدمة مثل خالد بن الوليد

و بعد فترة بسيطة اكتمل اصطفاف الجيوش كلها أمام بعضها البعض

و عم الصمت في المكان ...

... و حسب المصادر الإسلامية القديمة

.. فقد كان ذلك هو أكبر جيش إسلامي تجمع حتى هذه اللحظة ..

فقد بلغ عدده حوالي 33 الف مقاتل

أما بالنسبة لجيش الروم فقد اختلفت المصادر الإسلامية و الأجنبية حول عدده

فحسب المصادر الإسلامية القديمة

كان جيش الروم يبلغ 90 ألف مقاتل ( 70 ألف من الروم و 20 ألف من القبائل الغسانية المنتشرة في أراضي الشام و فلسطين )

اما المصادر الأجنبية

فقلل بعضها من اعداد الجيشين

فمنهم من ذكر ان العدد كان 20 ألفا للروم

و منهم من قال انهم كانوا 40 الفا مثل المؤرخ هاميلتون جيب

و منهم من قال انهم كانوا 60 الفا مثل المؤرخ دايفد موراي

و في تقديري الشخصي

ان العدد تراوح بالفعل بين 60 إلى 90 ألفا كما أشارت المصادر الإسلامية القديمة و بعض المصادر الأجنبية

.. فقد بدأ حشد الجيوش البيزنطية في أجنادين لمدة شهرين كاملين

و قبل تحرك خالد بن الوليد من العراق

و بكل تأكيد فقد تم إستغلال تلك المدة الطويلة في حشد أكبر قدر ممكن من الرجال

و لا يمكن ان يكون قد تم حشد 20 الف فقط بها كما أشارت بعض المصادر الأجنبية

.. كما أن إختيار سهل أجنادين المفتوح كمكان لحشد القوات

يبين لنا أن الروم كانوا بحاجة لمكان واسع و كبير يستطيع إستيعاب العدد الضخم من القوات الذي سيأتي فيه

انتشر الهدوء الذي يسبق العاصفة في ميدان القتال ...

... ولكنه لم يستمر طويلا

فقد بدأ خالد بن الوليد في التحرك وبدأ يخطب في جيشه خطبة المعركة

.. فقال لهم

اتقوا الله .. وقاتلوا عن دينكم ..ولا تهنوا من عدوكم

ولكن أقدموا كإقدام الأسد

.. و لا يهولكم ما ترون من كثرتهم

فإن الله منزل عليهم رجزه و عقابه"

ثم سكت هنيهة و قال

"أيها الناس إذا أنا حملت فاحملوا عليهم"

فكان ذلك أمر صريح و شجاع من خالد بن الوليد للمسلمين

بأن لا يبدأ احدا منهم القتال إلا بعدما يبدأ هو الهجوم بنفسه

و كان رأي خالد بن الوليد أن يؤخر القتال حتى صلاة الظهر

كما كان يفعل الرسول عليه الصلاة والسلام في أي معركة خاضها ...

و بعدما انتهى من خطبته ..

خرج فجأه من بين صفوف الروم أحد الرهبان و تقدم حتى أصبح بين الجيشين

و نادى بلغة عربية فصيحة و قال

“ من منكم يتقدم و يتحدث معي ؟ ”

فخرج له خالد بن الوليد و تقدم حتى أصبح على مقربة منه

ودار بين الرجلين حوارا طويلا ..

أخبر فيه الأسقف خالد بن الوليد أن كل من تجرأ على دخول بلاد الشام وتحدي الروم

كانت الخسارة المذلة من نصيبه

و أخبره أنه يعلم أن المسلمين قد جاءوا من بلاد فقر و قحط

و لذلك فأن الأمير البيزنطي وردان

على إستعداد لإعطاء كل رجل دينارا و ثوبا وعمامة

و مائة من كل شئ كذلك لخالد بن الوليد شخصيا

وذلك إن تراجع المسلمين عن موقفهم و انسحبوا عن بلاد الشام ..

فرد عليه خالد بن الوليد في هدوء و خيره بين إحدى ثلاث

إما الإسلام او الجزية او القتال

و أخبره أنهم ان اختاروا القتال

فستكون كل اموالهم و ثيابهم حقا مكتسبا للمسلمين بعد إنتهاء المعركة

فعاد الأسقف إلى صفوف جيش الروم و اخبر وردان بما دار بينه و بين خالد بن الوليد ...

فإستاء الأمير البيزنطي بشدة و استشاط غضبا

.. و أقسم على سحق المسلمين في هجوم كاسح

و على الفور أمر وردان صف من النبالة بالتقدم حتى يصبح جيش المسلمين في مرماهم

ويمطروهم بوابل من الأسهم الشديدة عندئذ

فبدأت صفوف النبالة تتقدم ..

وعندما شاهد معاذ بن جبل تقدمهم

.. بدأ في إعطاء الأوامر للصف الأيمن بالهجوم عليهم ..

ولكن خالد بن الوليد منعه و قال

لا تهجم حتى أعطي الأمر بذلك "

... فقد كان يريد تأخير القتال حتى الظهر كما أشرنا ...

وكان معاذ يرغب في الهجوم لأنه كان يعلم أن رماة الروم

كانوا يملكون أقواسا جيدة و مداها أطول من مدى أقواس المسلمين

و الطريقة الوحيدة لإصابتهم هي بالاقتراب منهم

ولكن خالد لم يكن يريد المغامرة و أمر الجميع بالثبات ...

وبالفعل .. ما أن بدا الروم في إطلاق السهام

حتى أصابت الكثير منها رجال المسلمين و قتل بالفعل عدد كبير منهم

ففرح الروم بتلك النتيجة و تابعوا إطلاق السهام عليهم

.. فأراد المسلمون أن ينطلقوا نحوهم و يهاجموا بالسيف و الرمح

ولكن خالد رفض ذلك الأمر بشدة و صمم على ثبات الجميع

فإقترب منه ضرار بن الأزور و قال

لم الإنتظار

والله سوف يظن العدو أننا نخشاه

!! اعط الأمر بالهجوم ونحن معك

فقرر خالد أن يدير دائرة المعركة على الروم

و قرر أن يتبارز أبطال المسلمين مع أبطال الروم

فالمسلمون يحرزون دائما التفوق في مثل هذه المواجهات

.. وبالفعل اعطى الاوامر لضرار بن الأزور أن يتقدم و يكون أول المبارزين

و انطلق ضرار في سرور و شجاعة بالغة وهو يحتمي بدرعه من سهام الروم

و ما ان وصل لمنتصف المسافة حتى رفع سيفه

و طلب مبارزة قادة الروم ..

فأمر وردان النبالة بالتراجع و أرسل له أمير طبرية لمواجهته

و لكن في خلال دقائق بسيطة

كان ضرار يقف فوق جسد عدوه بعدما ضربه ضربة محكمة قتلته في الحال

فتقدم أمير عمان نحوه و أراد الأخذ بثأر صاحبه

و لكن في غضون بضعة دقائق آخرى ..

سقط الرجل صريعا في الحال بسبب ضربات قاتلة من ضرار

و تكررت المبارزات بين قادة المسلمين و الروم و سقط فيها أغلب قادة الروم

.. فتحقق ما أراد خالد بن الوليد و ارتفعت الروح المعنوية للجنود

و ما أن حل وقت الظهيره

حتى أطلق خالد صيحة الهجوم و اندفع الجميع نحو صفوف الروم

انطلقت صفوف المسلمين نحو جيش الروم و التحم الجميع سويا في عنف شديد

.. وكان الهجوم بشكل جبهي و لم يكن هنالك إمكانية للقيام بأي مناورة من أي جيش

و لم يحاول أي جيش الإلتفاف حول أحد جوانب الجيش الآخر

.. و كان القتال يدور على مسافة قصيرة بين الطرفين في عنف شديد

و استمر الحال على ذلك عدة ساعات

.. حتى أصبح الطرفان منهكين

فتوقف القتال .. وعاد كل طرف إلى المعسكر الخاص به لإلتقاط الأنفاس

في تلك الليلة .. كان الأوضاع مضطربة في معسكر الروم

.. فقد تفاجأ وردان من كثرة خسائر الروم في ذلك اليوم ..

.. فعقد مجلس للحرب و تشاور مع القادة حول ذلك الوضع الخطير

فعرض أحد القادة عليه أن يدبر مؤامرة لقتل قائد المسلمين

.. و طبقا لتلك الخطة

فإن وردان سيتقدم بنفسه في اليوم التالي و يعرض السلام على خالد بن الوليد ..

.. فعندما يأتي اليه قائد المسلمين للتفاوض

سيشتبك معه وردان في قتال عنيف

ثم عند الإشارة المناسبة ينطلق عشرة رجال يكونوا مختبئين جيدا بالقرب منه

وينقضوا على قائد المسلمين و يفتكوا به

.. فنالت تلك الفكره إستحسان وردان و وافق عليها

وقام على الفور بإرسال أحد رجال العرب و يدعى داوود إ

إلى معسكر المسلمين ليقابل خالد بن الوليد و يعرض عليه الصلح

و يخبره بأن وردان سينتظره لبحث شروط السلام وحده في صباح اليوم التالي

و بالفعل .. انطلق داوود نحو معسكر المسلمين

.. وطلب مقابلة خالد بن الوليد

فلما خرج له خالد .. أصاب داوود بالذعر من طول قائد المسلمين و حدة نظراته

.. فتلعثم الرجل في الكلام

و أخبر خالد انه ليس برجل حرب وانما هو مبعوث فقط

.. فأمره خالد في حدة بأن يتكلم و قال له

.. إن كنت صادقا فسوف تنجو

.. و إن كنت كاذبا فسوف تهلك

فتخبط الرجل وأخبره بأن وردان يريد الصلح

و ينتظره لعقد شروط السلام بين الطرفين ..

فقال خالد له

إذا كان سيدك ينوي الخداع .. فنحن والله أعرف منه في المكر و الخداع ..

أما إذا كان صادقا .. فلن نوقع أي سلام إلا بعد دفع الجزية

فأصاب الرعب قلب داوود من كلمات خالد بن الوليد ..

و ما أن مرت بعض اللحظات حتى عاد من جديد نحو خالد بن الوليد

و كشف له مؤامرة الروم كلها

مقابل أن يتركه في سلام هو و أسرته بعد المعركة ..

.. فوعده خالد بأنه سيعطيه الأمان هو و عائلته

شريطة أن لا يخبر وردان بأنه علم بمكيدته ..

فوافق الرجل و انصرف عائدا نحو الروم

و أخبر وردان بأن خالد وافق على اللقاء به

ففرح قائد الروم و انتظر نجاح خطته

وعلى الجانب الآخر

استدعى خالد عشرة رجال من المسلمين على رأسهم ضرار بن الأزور

وأمره بالذهاب إلى التل الذي يختبئ وراءه رجال الروم العشره و أن يقتلهم في الحال

.. فوافق ضرار و انطلق في منتصف الليل ليستغل الظلام في تنفيذ تلك المهمة الخطرة

بعد شروق الشمس بوقت قصير

تقدم وردان من بين صفوف الروم ..

و تقدم خالد نحوه مثلما اتفق الجميع

و بدا وردان كلامه بمحاولة تخويف المسلمين

فأخذ يقلل من شأن العرب و تكلم عن حالة الحرمان التي يعيشونها

و لكن كان رد خالد عنيفا .. إذ قال له

" أيها الرومي الكلب , هذه فرصتك الأخيرة للإسلام او دفع الجزية "

فغضب وردان من كلامه و انقض عليه دون أن يستل سيفه

و نادى فورا على رجاله المختبئين

وانطلق بالفعل 10 رجال من الروم من وراء التل في اتجاههم

.. فاضطرب خالد عندما رأي جنود الروم تأتي نحوهم

و تسائل ماذا حدث لضرار و رجال المسلمين

فلم يكن قد اتخذ استعدادات آخرى للدفاع عن نفسه ..

و عندما اقترب رجال الروم

لاحظ وردان أن قائدهم كان عاري الصدر

فنزلت عليه الحقيقة نزول الصاعقة

ففي خلال الليل كان ضرار و رجال المسلمين قد اتجهوا نحو التل

و استطاعوا الانقضاض على رجال الروم و قتلوهم فورا في مكانهم

.. ثم ارتدي الجميع لباس الروم

و انتظروا نداء القائد الروماني في اليوم التالي ..

فلما فهم وردان ما دبر له

.. ترك خالد و تراجع للوراء في يأس شديد

و توسل خالد أن يبعد ضرار عنه

.. ولكن خالد أومأ برأسه إلى ضرار و قال له

" هذا جزاء الماكرين "..

فانقض ضرار على وردان

و ضربه بسيفه على رأسه و قتله في الحال ...

و في هذه اللحظة صاح خالد بأعلى صوته و أمر جيش المسلمين بالهجوم ..

اندفع المسلمين في حماس شديد نحو صفوف الروم المضطربة لمقتل قائدهم ..

وكان الآن القبقلار نائب وردان هو القائد الجديد

و كان يقف وسط الحرس الخاص به في القلب ...

والتحم الطرفان سويا و كان القتال أعنف من قبل ..

و استمات الروم في الدفاع هذه المرة و زاد المسلمون من حدة ضرباتهم .

فتزايدت أعداد القتلى في الميدان خاصة من الجيش البيزنطي ..

و بعدما تأكد خالد من انهاك الجيش البيزنطي

أمر القوة الإحتياطية بقيادة يزيد أن تتقدم و تنضم لقلب الجيش

فانطلق يزيد مع الرجال البالغ عددهم 4000 الاف مقاتل و انضموا لإخوانهم في منتصف الجيش

و نتيجة لذلك المدد

إستطاع المسلمون إختراق قلب جيش الروم

و وصل الرجال إلى قائدهم الجديد و استطاعوا تسديد الضربات له و قتله

.. فإنتشر الذعر وسط رجال الروم و انهارت عزيمتهم

و بدأ الجميع في الفرار من ارض المعركة

وكانت تلك الهفوة الكبرى التي فعلها الروم

فالثبات والقتال كان أفضل لهم من الهروب من العرب

.. فعرب الصحراء كانوا ماهرين للغاية في المطاردة و اللحاق بأعدائهم المنهزمين

و هرب الروم في ثلاثة اتجاهات

.. البعض تجاه غزة و البعض تجاه يافا و المجموعة الاكبر تجاه بيت المقدس

فأمر خالد فرسانه بمطاردة الهاربين

و استطاع هؤلاء الفرسان بالفعل من اللحاق بعدد كبير من الهاربين

و كبدوهم خسائر أكبر مما فقدوه في خلال يومين من القتال

و مع غروب شمس يوم المعركة

انتهى القتال بإنتصار ساحق للمسلمين ... و تمزق شمل جيش الروم تماما

معركة أجنادين كانت معركة عنيفة للغاية

واجه فيها المسلمون جيشا قد يصل إلى ثلاثة أضعاف جيشهم

و رغم تفوق الروم العددي

إلا انهم لم يقوموا بأي مناورة او محاولة للالتفاف حول جيش المسلمين

وكذلك الحال بالنسبة لخالد بن الوليد

فلم يحاول المجازفة و الالتفاف حول جيش الروم

.. فكانت المعركة عبارة عن مواجهة جبهية بين كتل ضخمه من الرجال

و كانت مناورة خالد الوحيدة هي في ضبط توقيت هجماته لكي يستفيد من الموقف الراهن إلى أقصى حد

... و قد فعل ذلك بنجاح شديد

.. خاصة عندما قام بتنظيم مطاردة ناجحة للفلول الهاربة

وانزال الخسائر بهم قبل أن يصلوا إلى مكان أمين

فكان النصر في تلك المعركة بوابة إلى فتح باقي بلاد الشام

..فقد تمكن المسلمون من اكتساب الثقة لمتابعة التقدم

و مواجهة الجيوش الآخرى التي سيقوم هرقل بحشدها لهم

بعد انتهاء المعركة بثلاثة ايام

قام خالد بإرسال رسالة إلى أبو بكر الصديق رضي الله عنه

حتى يعلمه بأخبار انتصار المسلمين في أجنادين و سحقهم لجيش الروم هناك

فانتشرت الفرحة في المدينة و عم السرور قلوب الرجال

و تطوع الكثير منهم للذهاب إلى الشام و الانضمام إلى الجيش

و قام الخليفة برد الخطاب

و أمر خالد بأن يسير إلى دمشق و يفتحها

ثم يتابع بعدها المسير إلى حمص و أنطاكية و يطرد الروم من بلاد الشام

.. فتلقى خالد الأوامر و بدأ على الفور في تنفيذها ....

أما على الجانب الآخر

فقد وصلت الأنباء لهرقل بينما كان في حمص بهزيمة الروم المدوية في أجنادين

.. فشعر بمدى الكارثة التي لحقت بهم

و سافر على الفور إلى أنطاكية .. .

و بدأ على الفور في إرسال الجيوش من حمص لتعزيز الدفاعات في مدينة دمشق

و في نفس الوقت بدأ يرسل الخطابات لأمراء المدن الساحلية

حتى يُرسلوا الجيوش إلى بيسان للتجمع هناك

فكان من الواضح .. أن ما سيتلو ذلك من أحداث

.. لن يكون سهلا أبدا على المسلمين



Хочете вивчати якусь мову?


Вчіться нацьому тексті ітисячі вподобають це на LingQ.

  • Величезна бібіліотека аудіо уроків, всі супроводжені текстом.
  • Революціні інструменти навчання
  • Глобальна, інтерактивна навчальна спільнота

Вивчення мови онлайн @ LingQ

بعد وصول خالد بن الوليد في الوقت المناسب

و نجاحه في إنقاذ لواء شُرحبيل بن حسنة

و ضمه لمدينة بُصرى بعد ذلك أولى المدن الكبرى بالشام

... قرر فورا التوجه إلى مدينة دمشق لفرض الحصار عليها و إجبارها على الإستسلام

فقام بإرسال رسالة إلى أبي عبيدة بن الجراح قائد اللواء على تلك الجبهة

و طلب منه موافاته عند المدينة لتنسيق الحصار بينهما عليها

و بعدما اطمئن لخروج رسوله بتلك الرسالة

بدأ فورا التحرك مع الجيش نحو دمشق ..

في تلك الأثناء .. كانت الأنباء قد وصلت إلى هرقل ملك الروم

بالنجاحات التي حققها خالد بن الوليد في مسيرته حتى الآن

و ضمه لمدن أراك و تدمر و حوارين و بُصرى

.. فإستشاط غضبا

و تعجب من كيفية وصول لواء خالد بن الوليد بتلك السرعة إلى الشام

و عدم نجاح الحاميات المنتشرة في التصدي له

وأدرك أنه بحاجة لإعادة ترتيب أوراقه مرة آخرى للتعامل مع ما جد من أحداث

ولذلك .. قام فورا بعقد مجلس للحرب ضم فيه القادة الكبار

و اتفقوا جميعا على إستدعاء الأمير البيزنطي وردان أمير حمص

أو فاردان حسب المصادر الغير إسلامية

و إرساله إلى مدينة بُصرى على رأس قوة كبيرة لإستردادها من المسلمين

و في نفس الوقت

يستمر الروم في حشد جنودهم و حلفائهم من عرب الغساسنة في مدينة أجنادين

للتعامل مع باقي ألوية المسلمين

و في حقيقة الأمر .. كانت تلك الخطة في غاية الذكاء

... فبعد خروج خالد بن الوليد من مدينة بُصرى و إتجاهه نحو دمشق

.. ترك لواء شُرحبيل بن حسنة على رأس 7 آلاف مقاتل فقط لحماية المدينة

و أخذ بقية الجنود لمساعدة لواء ابي عبيدة في حصار دمشق

... فأراد هرقل بتلك الخطة أن يستفرد بلواء شرحبيل بن حسنة في بُصرى و يقضي عليه

بدلا من أن يوجه تلك القوة نحو لواءين من ألوية المسلمين بدمشق

.. فإن حقق الإنتصار عليه

فسيكون بذلك قد سدد ضربة موجعة لجيش المسلمين بالشام

كما أن القوات الهائلة التي تتجمع في أجنادين كانت قد اقتربت من الإكتمال

و ستقوم بحجز لواء عمرو بن العاص

و منعه من التحرك لمساعدة بقية المسلمين في الشمال

و ربما تقضي عليه تماما إن قرر المغامرة

و بذلك فسيكون جيش المسلمين قد خسر نصف قواته في وقت قصير

ولن يستطيع التعافي من آثار تلك الهزائم أبدا ..

في خلال تلك الأحداث .. كان خالد بن الوليد يُحاصر الباب الشرقي لمدينة دمشق

في نفس الوقت الذي كان أبا عبيدة يحاصر فيه المدينة عند باب الجابية ..

و كان كلا القائدين في غاية التصميم على استمرار الحصار حتى يستسلم أهل المدينة

.. و لكن بعد فترة قصيرة

وصلت إلى خالد بن الوليد أنباء تحرك وردان أمير حمص

في إتجاه لواء شُرحبيل بن حسنة

.. وعلم أن الأمير البيزنطي قد بدأ التحرك إلى بُصرى

عبر طريق لا يمر فيه من دمشق او المنطقة المُحيطة بها

حتى يتجنب الإشتباك معه و مع أبي عبيدة

و لذلك قرر أن يسلك طريقا يمر عبر بعلبك و طبرية

ثم يدور حول بحيرتها و يكمل المسيرة بعدها شرقا نحو بُصرى

فركب خالد بن الوليد فرسه على الفور

.. وانطلق نحو باب الجابية للقاء مع أبي عبيدة بن الجراح

... فلما التقى القائدان

.. بدأا سريعا في التشاور على الخطوة المٌفترض القيام بها لمواجهة هذا الخطر الشديد

فإقترح أبو عبيدة أن يسيروا بالقوات

و يلحقوا بلواء شُرحبيل بن حسنة حتى يقاتلوا جميعا جيش وردان الآتي عليهم

.. و لكن خالد كان له رأيا آخر

.. فقد أخبر ابي عبيدة أن الروم قد تجمعوا بقوات هائلة في أجنادين

.. فإذا تحركوا من مكانهم في دمشق و ساروا حتى بُصرى من جديد

.. فربما تتحرك تلك القوات البيزنطية المرابطة في دمشق و أجنادين خلفهم

فتصبح قوات المسلمين مُحاصرة من جميع الجهات

.. ولذلك كان من الأفضل أن يسيروا معا نحو أجنادين

و يجتمعوا في طريقهم مع لواء يزيد بن أبي سفيان

و في نفس الوقت يقوموا بإرسال رسالة عاجلة إلى شُرحبيل

لتحذره من الخطر القادم إليه و تأمره بالتحرك سريعا و الخروج من بُصرى

والتوجه للقائهم في مدينة أجنادين

وبالإضافة لذلك سيقومون بإرسال رسالة آخرى إلى عمرو بن العاص حتى يجتمع بهم في نفس المدينة

فتكتمل بذلك قوات المسلمين و تستطيع مواجهة جيش الروم الضخم في أجنادين و الإنتصار عليه

فوافق أبو عبيدة على ذلك الرأي الحسن و أثنى عليه

و بدأ فورا القائدان في التجهز لتنفيذ تلك الخطة ..

انطلق خالد وأبو عبيدة مع الجنود نحو الجابية على الفور

و سبقهما الرسل الذين أرسلهم خالد إلى بقية أمراء المسلمين ..

و وصل بالفعل الرسول الذي تم إرساله لشرحبيل بن حسنة

بينما كان وردان على بعد يوم واحد فقط من مدينة بُصرى ..

و لم يشعر شرحبيل بتحرك الروم أبدا قبل وصول الرسول بالخبر إليه

وذلك بسبب الطريق الغير معتاد الذي اتخذه البيزنطيون

فقام على الفور و أصدر الأوامر بالتحرك سريعا لمغادرة مدينة بصرى و اللحاق ببقية ألوية المسلمين في أجنادين.

فلما علم وردان بتحرك لواء شرحبيل من المدينة ..

.. قطع راحة جيشه على الفور و أصدر الأوامر بالتحرك سريعا حتى يلحقوا بلواء المسلمين و إنزال الخسائر به .

.. و انطلق بالفعل البيزنطيون في أثر لواء شرحبيل للحاق به

ولكن كان الله رحيما بالمسلمين

فقد تمكن شُرحبيل من مغادرة المنطقة سريعا قبل وصول وردان و الإشتباك معه في نزال عنيف

و تعمق في الصحراء التي يحفظها المسلمون حتى يضلل أعدائه

فغضب وردان بشدة بسبب فشله في تحقيق الهدف الذي انطلق لتحقيقه و توقف عن مطاردته

.. وبينما كان يفكر في الخطوة التالية التي من المفترض أن يقوم بها ...

وصل إليه خطاب من جموع الروم في أجنادين

و الذين طلبوا منه الحضور سريعا إلى المدينة حتى يتولى قيادة جيش الروم و يطرد المسلمين من الشام إلى الأبد

فإتخذ وردان القرار بأن يتجه إلى أجنادين

و لكن من طريق يخالف الطريق الذي سارت فيه جيوش المسلمين الآخرى

فقد كان يريد أن يتجنب الإشتباك مع خالد و القوة الرئيسية للمسلمين قبل الوصول إلى هدفه

.. فعبر إلى الضفة الغربية من نهر الأردن و سار عبر مرج ابن عامر

حتى وصل إلى الرملة و منها إلى أجنادين

و في نفس الوقت كان خالد و أبا عبيدة قد التقوا بيزيد بن ابن سفيان و جيشه

و ساروا على الضفة الشرقية لنهر الأردن حتى جنوب البحر الميت

و من هناك أتجهوا إلى أجنادين

و بعد فترة قصيرة التحق بهما لواء عمرو بن العاص من جنوب فلسطين

و وصل أخيرا شرحبيل بن حسنة و لواءه بعدما كان توغل في الصحراء قليلا

قبل أن يتجه إلى اجنادين حتى يضلل من كان يتبعه من جيش وردان ..

و بذلك أصبحت القوات الإسلامية و البيزنطية مجتمعة و لأول مرة في مدينة واحدة

و كانت كل الدلائل تُشير لإقتراب إشتباك عنيف بين الطرفين

قد يغير شكل المنطقة بالكامل ...

مدينة أجنادين في ذلك الوقت حسب المصادر التاريخية

.. كانت تقع بين الرملة و بيت جبرين

و تحديدا على بعد 11 كيلومترا من بيت جبرين

و 39 كيلومترا من الرملة

و تقع أهميتها في ذلك الوقت .. انها كانت ملتقى هاما للطرق

فهي تصل بين شمال و جنوب فلسطين

كما أنها كانت على الطريق بين بيت المقدس و مدن بحر الروم مثل عسقلان و غزة

فكانت مكانا يسهل تجميع فيه الجيوش البيزنطية من كل مكان

و كان ذلك السبب الرئيسي لإختيار الروم له

و لم يكن في نيتهم أن تكون المعركة في ذلك المكان تحديدا

ولكن خالد بن الوليد فاجأهم بسرعة الحركة و بادرهم بالصدام فيه

أقام كل فريق معسكره على بعد ميل كامل من الفريق الآخر

و كان كلا المعسكرين يمتدان أمام بعضهما البعض بشكل متواز

بحيث يسهل على كل منهما المبادرة إلى الهجوم في خط مستقيم و بدون اجراء تحركات غير ضرورية

و كانت الحراسات منتشرة في كل معسكر لمراقبة تحركات العدو ...

و نظرا لأعداد الروم الضخمة

فقد كان لمنظر معسكرهم الضخم وقع مزعج على المسلمين

فأغلب رجال المسلمين كانوا لم يشتركوا من قبل في أي معركة كبرى

بإستثناء جيش خالد بن الوليد الذي آتى من العراق ...

و يبدو أن خالد قد لاحظ ذلك الأمر

فبدأ يقوم بجولة تفقدية بين الصفوف و خطب فيهم و قال ..

" اعلموا ايها المسلمون انكم لم تروا قط جيشا للروم كما ترون اليوم ..

فإذا هزمهم الله على أيديكم فإنه لن تقم لهم قائمة

.. فاثبتوا في المعركة .. و دافعوا عن دينكم "

و في نفس الوقت تقريبا .. كان وردان أمير حمص يخطب في الجيش البيزنطي و قال لهم ..

“أيها الرومان .. لقد وضع قيصر ثقته بكم

فإذا هُزمتم لن تستطيعوا قط الوقوف أمام العرب

.. فاصمدوا و اطلبوا عون الصليب

و تذكروا انكم ثلاثة لكل واحد منهم "

فارتفعت الروح المعنوية عند الجنود في كل معسكر

و تحمس الجميع لليوم الذي سيبدأ فيه القتال ...

... و يبدو أن كل قائد قد أراد أن يعرف ما يدور في المعسكر الآخر.

.. فقام خالد بإرسال ضرار بن الأزور في مهمة إستكشافية للمعسكر الآخر

و قام القُبقلار نائب وردان والرجل الثاني في الجيش

بإرسال أحد العرب النصارى لإختراق معسكر المسلمين .

و نجح بالفعل ذلك الرجل في اختراق معسكر المسلمين و قضى بينهم يوما كاملا

ثم عاد و أخبر القبقلار انه وجد المسلمين فرسان في النهار و رهبان في الليل

ولا فرق لأحد بينهم على الآخر

.. فأصاب القلق نائب الروم و شعر أن المعركة لن تكون في صالح الروم

و بات الجميع ليلتهم في ترقب لما سيحدث في اليوم التالي

في صباح يوم السابع والعشرين من شهر جمادى الأول ..

وبعد أداء المسلمين لصلاة الصبح

بدأ الجيش يتحرك تحت أوامر خالد بن الوليد إلى موقع المعركة

.. وبدأوا جميعا في الإنتشار في السهل المطل على ارض المعركة أمام معسكر الروم

و حسب أوامر خالد بن الوليد ..

.. فقد انتشر الجيش على مسافة واسعة

حتى يمنع تطويق اجنحة الجيش من قبل جيش الروم الكبير في العدد

كما تم تعيين حراسة خاصة على كلا الجانبين من أجل نفس السبب

وكان يتولى قيادة الحرس في الطرف الأيسر شُرحبيل بن حسنة

بينما لم يذكر المؤرخون قائد الحرس في الطرف الأيمن

و قسم خالد الجيش إلى جناح أيمن بقيادة معاذ بن جبل

و جناح أيسر بقيادة سعيد بن عامر

و قام بتقسيم القلب إلى نصفين

النصف الأمامي تكون من فرسان المسلمين تحت قيادة سعيد بن زيد

و النصف الخلفي تكون من المشاة تحت قيادة أبي عبيدة بن الجراح

كما وضع قوة إحتياطية مكونة من 4000 فارس

خلف القلب تحت قيادة يزيد بن أبي سفيان

لحماية معسكر المسلمين الذي ضم النساء و الأطفال إن لزم الأمر

... ووقف خالد بن الوليد في مقدمة الجيش الإسلامي بنفسه

ليكون أول من يقود الرجال في المعركة

وعندما شاهد الروم تقدم المسلمين

بدأووا في الخروج من المعسكر و انتشروا بطول السهل في مواجهة المسلمين

ولم تذكر المصادر ترتيب جيش الروم بالتفصيل

و لكن المؤكد أن تشكيلهم كان أكثر عمقا من المسلمين ...

ووقف وردان و نائبه وسط الحرس الخاص بهم في القلب لتوجيه الجيش

و لم يقفوا في المقدمة مثل خالد بن الوليد

و بعد فترة بسيطة اكتمل اصطفاف الجيوش كلها أمام بعضها البعض

و عم الصمت في المكان ...

... و حسب المصادر الإسلامية القديمة

.. فقد كان ذلك هو أكبر جيش إسلامي تجمع حتى هذه اللحظة ..

فقد بلغ عدده حوالي 33 الف مقاتل

أما بالنسبة لجيش الروم فقد اختلفت المصادر الإسلامية و الأجنبية حول عدده

فحسب المصادر الإسلامية القديمة

كان جيش الروم يبلغ 90 ألف مقاتل ( 70 ألف من الروم و 20 ألف من القبائل الغسانية المنتشرة في أراضي الشام و فلسطين )

اما المصادر الأجنبية

فقلل بعضها من اعداد الجيشين

فمنهم من ذكر ان العدد كان 20 ألفا للروم

و منهم من قال انهم كانوا 40 الفا مثل المؤرخ هاميلتون جيب

و منهم من قال انهم كانوا 60 الفا مثل المؤرخ دايفد موراي

و في تقديري الشخصي

ان العدد تراوح بالفعل بين 60 إلى 90 ألفا كما أشارت المصادر الإسلامية القديمة و بعض المصادر الأجنبية

.. فقد بدأ حشد الجيوش البيزنطية في أجنادين لمدة شهرين كاملين

و قبل تحرك خالد بن الوليد من العراق

و بكل تأكيد فقد تم إستغلال تلك المدة الطويلة في حشد أكبر قدر ممكن من الرجال

و لا يمكن ان يكون قد تم حشد 20 الف فقط بها كما أشارت بعض المصادر الأجنبية

.. كما أن إختيار سهل أجنادين المفتوح كمكان لحشد القوات

يبين لنا أن الروم كانوا بحاجة لمكان واسع و كبير يستطيع إستيعاب العدد الضخم من القوات الذي سيأتي فيه

انتشر الهدوء الذي يسبق العاصفة في ميدان القتال ...

... ولكنه لم يستمر طويلا

فقد بدأ خالد بن الوليد في التحرك وبدأ يخطب في جيشه خطبة المعركة

.. فقال لهم

اتقوا الله .. وقاتلوا عن دينكم ..ولا تهنوا من عدوكم

ولكن أقدموا كإقدام الأسد

.. و لا يهولكم ما ترون من كثرتهم

فإن الله منزل عليهم رجزه و عقابه"

ثم سكت هنيهة و قال

"أيها الناس إذا أنا حملت فاحملوا عليهم"

فكان ذلك أمر صريح و شجاع من خالد بن الوليد للمسلمين

بأن لا يبدأ احدا منهم القتال إلا بعدما يبدأ هو الهجوم بنفسه

و كان رأي خالد بن الوليد أن يؤخر القتال حتى صلاة الظهر

كما كان يفعل الرسول عليه الصلاة والسلام في أي معركة خاضها ...

و بعدما انتهى من خطبته ..

خرج فجأه من بين صفوف الروم أحد الرهبان و تقدم حتى أصبح بين الجيشين

و نادى بلغة عربية فصيحة و قال

“ من منكم يتقدم و يتحدث معي ؟ ”

فخرج له خالد بن الوليد و تقدم حتى أصبح على مقربة منه

ودار بين الرجلين حوارا طويلا ..

أخبر فيه الأسقف خالد بن الوليد أن كل من تجرأ على دخول بلاد الشام وتحدي الروم

كانت الخسارة المذلة من نصيبه

و أخبره أنه يعلم أن المسلمين قد جاءوا من بلاد فقر و قحط

و لذلك فأن الأمير البيزنطي وردان

على إستعداد لإعطاء كل رجل دينارا و ثوبا وعمامة

و مائة من كل شئ كذلك لخالد بن الوليد شخصيا

وذلك إن تراجع المسلمين عن موقفهم و انسحبوا عن بلاد الشام ..

فرد عليه خالد بن الوليد في هدوء و خيره بين إحدى ثلاث

إما الإسلام او الجزية او القتال

و أخبره أنهم ان اختاروا القتال

فستكون كل اموالهم و ثيابهم حقا مكتسبا للمسلمين بعد إنتهاء المعركة

فعاد الأسقف إلى صفوف جيش الروم و اخبر وردان بما دار بينه و بين خالد بن الوليد ...

فإستاء الأمير البيزنطي بشدة و استشاط غضبا

.. و أقسم على سحق المسلمين في هجوم كاسح

و على الفور أمر وردان صف من النبالة بالتقدم حتى يصبح جيش المسلمين في مرماهم

ويمطروهم بوابل من الأسهم الشديدة عندئذ

فبدأت صفوف النبالة تتقدم ..

وعندما شاهد معاذ بن جبل تقدمهم

.. بدأ في إعطاء الأوامر للصف الأيمن بالهجوم عليهم ..

ولكن خالد بن الوليد منعه و قال

لا تهجم حتى أعطي الأمر بذلك "

... فقد كان يريد تأخير القتال حتى الظهر كما أشرنا ...

وكان معاذ يرغب في الهجوم لأنه كان يعلم أن رماة الروم

كانوا يملكون أقواسا جيدة و مداها أطول من مدى أقواس المسلمين

و الطريقة الوحيدة لإصابتهم هي بالاقتراب منهم

ولكن خالد لم يكن يريد المغامرة و أمر الجميع بالثبات ...

وبالفعل .. ما أن بدا الروم في إطلاق السهام

حتى أصابت الكثير منها رجال المسلمين و قتل بالفعل عدد كبير منهم

ففرح الروم بتلك النتيجة و تابعوا إطلاق السهام عليهم

.. فأراد المسلمون أن ينطلقوا نحوهم و يهاجموا بالسيف و الرمح

ولكن خالد رفض ذلك الأمر بشدة و صمم على ثبات الجميع

فإقترب منه ضرار بن الأزور و قال

لم الإنتظار

والله سوف يظن العدو أننا نخشاه

!! اعط الأمر بالهجوم ونحن معك

فقرر خالد أن يدير دائرة المعركة على الروم

و قرر أن يتبارز أبطال المسلمين مع أبطال الروم

فالمسلمون يحرزون دائما التفوق في مثل هذه المواجهات

.. وبالفعل اعطى الاوامر لضرار بن الأزور أن يتقدم و يكون أول المبارزين

و انطلق ضرار في سرور و شجاعة بالغة وهو يحتمي بدرعه من سهام الروم

و ما ان وصل لمنتصف المسافة حتى رفع سيفه

و طلب مبارزة قادة الروم ..

فأمر وردان النبالة بالتراجع و أرسل له أمير طبرية لمواجهته

و لكن في خلال دقائق بسيطة

كان ضرار يقف فوق جسد عدوه بعدما ضربه ضربة محكمة قتلته في الحال

فتقدم أمير عمان نحوه و أراد الأخذ بثأر صاحبه

و لكن في غضون بضعة دقائق آخرى ..

سقط الرجل صريعا في الحال بسبب ضربات قاتلة من ضرار

و تكررت المبارزات بين قادة المسلمين و الروم و سقط فيها أغلب قادة الروم

.. فتحقق ما أراد خالد بن الوليد و ارتفعت الروح المعنوية للجنود

و ما أن حل وقت الظهيره

حتى أطلق خالد صيحة الهجوم و اندفع الجميع نحو صفوف الروم

انطلقت صفوف المسلمين نحو جيش الروم و التحم الجميع سويا في عنف شديد

.. وكان الهجوم بشكل جبهي و لم يكن هنالك إمكانية للقيام بأي مناورة من أي جيش

و لم يحاول أي جيش الإلتفاف حول أحد جوانب الجيش الآخر

.. و كان القتال يدور على مسافة قصيرة بين الطرفين في عنف شديد

و استمر الحال على ذلك عدة ساعات

.. حتى أصبح الطرفان منهكين

فتوقف القتال .. وعاد كل طرف إلى المعسكر الخاص به لإلتقاط الأنفاس

في تلك الليلة .. كان الأوضاع مضطربة في معسكر الروم

.. فقد تفاجأ وردان من كثرة خسائر الروم في ذلك اليوم ..

.. فعقد مجلس للحرب و تشاور مع القادة حول ذلك الوضع الخطير

فعرض أحد القادة عليه أن يدبر مؤامرة لقتل قائد المسلمين

.. و طبقا لتلك الخطة

فإن وردان سيتقدم بنفسه في اليوم التالي و يعرض السلام على خالد بن الوليد ..

.. فعندما يأتي اليه قائد المسلمين للتفاوض

سيشتبك معه وردان في قتال عنيف

ثم عند الإشارة المناسبة ينطلق عشرة رجال يكونوا مختبئين جيدا بالقرب منه

وينقضوا على قائد المسلمين و يفتكوا به

.. فنالت تلك الفكره إستحسان وردان و وافق عليها

وقام على الفور بإرسال أحد رجال العرب و يدعى داوود إ

إلى معسكر المسلمين ليقابل خالد بن الوليد و يعرض عليه الصلح

و يخبره بأن وردان سينتظره لبحث شروط السلام وحده في صباح اليوم التالي

و بالفعل .. انطلق داوود نحو معسكر المسلمين

.. وطلب مقابلة خالد بن الوليد

فلما خرج له خالد .. أصاب داوود بالذعر من طول قائد المسلمين و حدة نظراته

.. فتلعثم الرجل في الكلام

و أخبر خالد انه ليس برجل حرب وانما هو مبعوث فقط

.. فأمره خالد في حدة بأن يتكلم و قال له

.. إن كنت صادقا فسوف تنجو

.. و إن كنت كاذبا فسوف تهلك

فتخبط الرجل وأخبره بأن وردان يريد الصلح

و ينتظره لعقد شروط السلام بين الطرفين ..

فقال خالد له

إذا كان سيدك ينوي الخداع .. فنحن والله أعرف منه في المكر و الخداع ..

أما إذا كان صادقا .. فلن نوقع أي سلام إلا بعد دفع الجزية

فأصاب الرعب قلب داوود من كلمات خالد بن الوليد ..

و ما أن مرت بعض اللحظات حتى عاد من جديد نحو خالد بن الوليد

و كشف له مؤامرة الروم كلها

مقابل أن يتركه في سلام هو و أسرته بعد المعركة ..

.. فوعده خالد بأنه سيعطيه الأمان هو و عائلته

شريطة أن لا يخبر وردان بأنه علم بمكيدته ..

فوافق الرجل و انصرف عائدا نحو الروم

و أخبر وردان بأن خالد وافق على اللقاء به

ففرح قائد الروم و انتظر نجاح خطته

وعلى الجانب الآخر

استدعى خالد عشرة رجال من المسلمين على رأسهم ضرار بن الأزور

وأمره بالذهاب إلى التل الذي يختبئ وراءه رجال الروم العشره و أن يقتلهم في الحال

.. فوافق ضرار و انطلق في منتصف الليل ليستغل الظلام في تنفيذ تلك المهمة الخطرة

بعد شروق الشمس بوقت قصير

تقدم وردان من بين صفوف الروم ..

و تقدم خالد نحوه مثلما اتفق الجميع

و بدا وردان كلامه بمحاولة تخويف المسلمين

فأخذ يقلل من شأن العرب و تكلم عن حالة الحرمان التي يعيشونها

و لكن كان رد خالد عنيفا .. إذ قال له

" أيها الرومي الكلب , هذه فرصتك الأخيرة للإسلام او دفع الجزية "

فغضب وردان من كلامه و انقض عليه دون أن يستل سيفه

و نادى فورا على رجاله المختبئين

وانطلق بالفعل 10 رجال من الروم من وراء التل في اتجاههم

.. فاضطرب خالد عندما رأي جنود الروم تأتي نحوهم

و تسائل ماذا حدث لضرار و رجال المسلمين

فلم يكن قد اتخذ استعدادات آخرى للدفاع عن نفسه ..

و عندما اقترب رجال الروم

لاحظ وردان أن قائدهم كان عاري الصدر

فنزلت عليه الحقيقة نزول الصاعقة

ففي خلال الليل كان ضرار و رجال المسلمين قد اتجهوا نحو التل

و استطاعوا الانقضاض على رجال الروم و قتلوهم فورا في مكانهم

.. ثم ارتدي الجميع لباس الروم

و انتظروا نداء القائد الروماني في اليوم التالي ..

فلما فهم وردان ما دبر له

.. ترك خالد و تراجع للوراء في يأس شديد

و توسل خالد أن يبعد ضرار عنه

.. ولكن خالد أومأ برأسه إلى ضرار و قال له

" هذا جزاء الماكرين "..

فانقض ضرار على وردان

و ضربه بسيفه على رأسه و قتله في الحال ...

و في هذه اللحظة صاح خالد بأعلى صوته و أمر جيش المسلمين بالهجوم ..

اندفع المسلمين في حماس شديد نحو صفوف الروم المضطربة لمقتل قائدهم ..

وكان الآن القبقلار نائب وردان هو القائد الجديد

و كان يقف وسط الحرس الخاص به في القلب ...

والتحم الطرفان سويا و كان القتال أعنف من قبل ..

و استمات الروم في الدفاع هذه المرة و زاد المسلمون من حدة ضرباتهم .

فتزايدت أعداد القتلى في الميدان خاصة من الجيش البيزنطي ..

و بعدما تأكد خالد من انهاك الجيش البيزنطي

أمر القوة الإحتياطية بقيادة يزيد أن تتقدم و تنضم لقلب الجيش

فانطلق يزيد مع الرجال البالغ عددهم 4000 الاف مقاتل و انضموا لإخوانهم في منتصف الجيش

و نتيجة لذلك المدد

إستطاع المسلمون إختراق قلب جيش الروم

و وصل الرجال إلى قائدهم الجديد و استطاعوا تسديد الضربات له و قتله

.. فإنتشر الذعر وسط رجال الروم و انهارت عزيمتهم

و بدأ الجميع في الفرار من ارض المعركة

وكانت تلك الهفوة الكبرى التي فعلها الروم

فالثبات والقتال كان أفضل لهم من الهروب من العرب

.. فعرب الصحراء كانوا ماهرين للغاية في المطاردة و اللحاق بأعدائهم المنهزمين

و هرب الروم في ثلاثة اتجاهات

.. البعض تجاه غزة و البعض تجاه يافا و المجموعة الاكبر تجاه بيت المقدس

فأمر خالد فرسانه بمطاردة الهاربين

و استطاع هؤلاء الفرسان بالفعل من اللحاق بعدد كبير من الهاربين

و كبدوهم خسائر أكبر مما فقدوه في خلال يومين من القتال

و مع غروب شمس يوم المعركة

انتهى القتال بإنتصار ساحق للمسلمين ... و تمزق شمل جيش الروم تماما

معركة أجنادين كانت معركة عنيفة للغاية

واجه فيها المسلمون جيشا قد يصل إلى ثلاثة أضعاف جيشهم

و رغم تفوق الروم العددي

إلا انهم لم يقوموا بأي مناورة او محاولة للالتفاف حول جيش المسلمين

وكذلك الحال بالنسبة لخالد بن الوليد

فلم يحاول المجازفة و الالتفاف حول جيش الروم

.. فكانت المعركة عبارة عن مواجهة جبهية بين كتل ضخمه من الرجال

و كانت مناورة خالد الوحيدة هي في ضبط توقيت هجماته لكي يستفيد من الموقف الراهن إلى أقصى حد

... و قد فعل ذلك بنجاح شديد

.. خاصة عندما قام بتنظيم مطاردة ناجحة للفلول الهاربة

وانزال الخسائر بهم قبل أن يصلوا إلى مكان أمين

فكان النصر في تلك المعركة بوابة إلى فتح باقي بلاد الشام

..فقد تمكن المسلمون من اكتساب الثقة لمتابعة التقدم

و مواجهة الجيوش الآخرى التي سيقوم هرقل بحشدها لهم

بعد انتهاء المعركة بثلاثة ايام

قام خالد بإرسال رسالة إلى أبو بكر الصديق رضي الله عنه

حتى يعلمه بأخبار انتصار المسلمين في أجنادين و سحقهم لجيش الروم هناك

فانتشرت الفرحة في المدينة و عم السرور قلوب الرجال

و تطوع الكثير منهم للذهاب إلى الشام و الانضمام إلى الجيش

و قام الخليفة برد الخطاب

و أمر خالد بأن يسير إلى دمشق و يفتحها

ثم يتابع بعدها المسير إلى حمص و أنطاكية و يطرد الروم من بلاد الشام

.. فتلقى خالد الأوامر و بدأ على الفور في تنفيذها ....

أما على الجانب الآخر

فقد وصلت الأنباء لهرقل بينما كان في حمص بهزيمة الروم المدوية في أجنادين

.. فشعر بمدى الكارثة التي لحقت بهم

و سافر على الفور إلى أنطاكية .. .

و بدأ على الفور في إرسال الجيوش من حمص لتعزيز الدفاعات في مدينة دمشق

و في نفس الوقت بدأ يرسل الخطابات لأمراء المدن الساحلية

حتى يُرسلوا الجيوش إلى بيسان للتجمع هناك

فكان من الواضح .. أن ما سيتلو ذلك من أحداث

.. لن يكون سهلا أبدا على المسلمين

×

Ми використовуємо файли cookie, щоб зробити LingQ кращим. Відвідавши сайт, Ви погоджуєтесь з нашими cookie policy.