image

تاريخ × حدوتة, المسير الخطر للشام | يوم كاد أن يفنى جيش المسلمين خلال المسير إلى الشام !! - The Dangerous March

في اليوم الحادي والعشرين من شهر محرم من السنة الثالثة عشر هجريا

تلقى خالد بن الوليد رسالة من خليفة المسلمين

تأمره بضرورة مغادرة العراق على الفور و التوجه إلى بلاد الشام

... حيث كان المسلمون في خطر كبير

فهرقل ملك الروم البيزنطيين كان أمر بتجهيز قوتين كبيرتين

للقضاء على خطر ألوية المسلمين بالشام

فكانت القوة الأولى تحتشد في مدينة أجنادين بإقليم فلسطين

وكان هدفها هو شل حركة لواء عمرو بن العاص بالإقليم

أما القوة الثانية فكانت تتمركز في أنطاكية

و كانت تستعد للإنقضاض على كل لواء من ألوية المسلمين من الخلف

وبالإضافة لذلك كان للروم عدة قلاع و حصون في كل مدينة كبرى بالشام

.. فكانت ألوية المسلمين على وشك أن تتعرض لخطر كبير

وكان لابد من تجميع الألوية معا في جيش واحد

تحت قيادة من يستطيع التعامل مع هذا الموقف

ولذلك رأى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يستعين بخالد بن الوليد

ويرسله للشام بعدما حقق نجاحات مبهرة أمام الفرس بالعراق

فبدأ خالد رضي الله عنه الإستعداد للرحيل بمجرد تلقيه الرسالة

وقام بإستدعاء المثنى بن حارثة

ليكون القائد البديل له على جبهة العراق بعد رحيله

... و بدأ في تقسيم الجيش إلى نصفين كما أمره الخليفة

ليستعين بالنصف في رحلة الشام المرتقبة

ولكن عندما قام خالد بتقسيم الجيش

حرص أن يأخذ معه كل صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام ومن عاصروه قبل وفاته

فإعترض المثنى بشدة على ذلك الأمر

وصمم على تنفيذ أمر خليفة المسلمين بتقسيم الجيش إلى النصف في كل شئ

وأراد بقاء نصف الصحابة على الأقل ضمن جيشه ليتبرك بهم

فوافق خالد رضي الله عنه على طلبه

وترك له نخبة من الصحابة وخيرة القادة

وكان من ضمن القادة الذي تركهم له عاصم بن عمرو التميمي

القائد على أحد جناحي المسلمين في أغلب معارك خالد بن الوليد بالعراق

أما نصف الجيش الآخر والذي سيتجه للشام

فقد تضمن قائد الجناح الآخر عدي بن حاتم الطائي

و مجموعة من أفضل قادة الجيش مثل القعقاع بن عمرو التميمي

و و ضرار بن الأزور وغيرهم من الرجال

بعد إنتهاء خالد رضي الله عنه من تقسيم الجيش

كان عليه أن يتخذ قرارا هاما آخر في أسرع وقت ممكن

ألا وهو الطريق الذي سيسلكه الجيش لبلاد الشام

فأبو بكر الصديق رضي الله عنه كان ترك مهمة إختيار الطريق مٌلقاة على عاتق قائده

و في ذلك الوقت .. كان هنالك طريقان معروفان يمكن للجيش أن يسير من خلالهما للشام

.. فالطريق الأول كان من الجنوب و يمر عبر مدينة دومة الجندل

وكان ذلك الطريق هو الذي تسلكه القوافل التجارية المتجهة للشام

.. فهو أسهل الطرق و يوجد الكثير من المياه على إمتداده

و لا يمكن للجيش البيزنطي أن يتدخل او يعترض طريقهم من خلاله

ولكن المشكلة الأساسية أنه كان يُعتبر أطول الطرق للشام

والتحرك فيه للوصول هناك سيستغرق الكثير من الوقت

... وحسب أوامر الخليفة

.. فقد كان الوصول للشام في أسرع وقت هو أهم أولويات خالد عندئذ

أما الطريق الثاني فكان في الشمال بإمتداد نهر الفرات و يؤدي إلى شمال شرق بلاد الشام

... و كان هذا الطريق آيضا يٌعتبر ملائما ...

ولكن مشكلته الأساسية أنه كان سيبعده عن ألوية المسلمين في الشام

و التي كانت تتمركز في الجنوب

كما أن هذا الطريق كان مليئا بالحصون والقلاع التي تقع تحت سيطرة الروم

والتي كانت ستقوم بسد الطريق عليه و تأخيره

فإحتار ابن الوليد في إختيار الطريق الذي سيسلكه

وقام فورا بعقد مجلس للحرب بين كبار القادة و شرح الموقف لهم

و سألهم عن كيفية التوجه إلى الشام في أسرع وقت

و دون أن تتعرض له حاميات الروم المنتشرة في الشمال .. فلم يجيب أي من القادة عليه

... فأعاد خالد السؤال مرة آخرى عليهم

فقام في هذه المرة رجل يٌدعى رافع بن عميرة وكان أحد المحاربين الأشداء

.. و قال أنه يعرف طريقا آخر للشام عبر صحراء السماوة

... و أخبره أنه من الممكن أن يتقدم الجيش من الحيرة إلى قراقر

عبر مدينة عين التمر و المصيخ

و هذا طريق سهل على الجيش و معروف

ومن هناك يستطيع أن يسلك طريقا غير مأهول من قراقر إلى سوى

حيث يستطيع أن يتزود بالماء هناك للجيش

ولكنه أخبره ان هذا الجزء من الطريق

و يقصد من قراقر إلى سوى كان في غاية الخطورة

.. فهو عبارة عن صحراء جرداء لا يوجد بها ماء على مسافة مائة و عشرين ميلا

وحذره أن الجيش لن يستطيع التحمل لمدة خمسة أيام كاملة دون ماء

خاصة بالمعدات والأسلحة الثقيلة التي يحملونها

فإستاء القادة من هذا الإقتراح و هزوا رؤوسهم دلالة على عدم الموافقة

.... فمن الممكن أن يضل الجيش طريقه و يموت الجميع عطشا خلال هذه الرحلة

ولكن خالد قال بصوت هادئ

لابد من إجتياز هذا الطريق

و بدأ يطلب من قادته أن لا يعضف يقينهم و أن تقوى عزيمتهم

فالمعونة تأتي من الله على قدر النية ...

فأثارت كلماته عزيمتهم و وافقوه الرأي

وبدأ على الفور الجيش يستعد للمسير بحماس منقطع النظير

عبر طريق لا يعرفه سوى رجل واحد فقط ألا وهو رافع بن عميرة

بدأ جيش المسلمين في التحرك من الحيرة في أوائل صفر من العام الثالث عشر هجريا

.. ولم يصطحبوا معهم النساء والأطفال حيث ظلوا في مكانهم

حتى يتم إرسالهم إلى المدينة

لحمايتهم من خطر الطريق القادم ...

وبعد أن وصل خالد بن الوليد لمدينة عين التمر

قام بإرسال عمرو بن الطفيل برسالة إلى المسلمين بالشام

ليبشرهم بإنطلاقه سريعا من العراق نحوهم كما أمره أبو بكر الصديق رضي الله عنه

... كما أرسل معه رسالة خاصة إلى أبي عبيدة بن الجراح قائد الجيوش بالشام

وكانت هذه الرسالة تتضمن الثناء على أبي عبيدة و بيان تقدير من خالد بن الوليد لهذا القائد العظيم

و أخبره بأنه لا مطمع لديه في تولي قيادة الجيوش بالشام بدلا منه

ولكنها أوامر الخليفة لهما

ودعا اللهَ لهما بالتوفيق في إستكمال المهمة على أكمل وجه ...

قام خالد بإستكمال المسيرة فورا

و كان المثنى بن حارثة قد خرج مع خالد بن الوليد و جيش المسلمين من الحيرة

لعلها تكون المرة الأخيرة التي يلتقيان فيها

و رافقه بالفعل حتى وصل لمدينة قراقر

... و هناك تصافح القائدان و ودعا بعضهما البعض بعد رحلة إستغرقت عاما كاملا

و عاد بعدها المثنى في إتجاه الحيرة حتى يقود نصف الجيش و يٌكمل ما بدأ مع الفرس

عسكر خالد بن الوليد و باقي الجيش في قراقر تلك الليلة

و انهمكوا في ملء قرب الماء والأوعية الآخرى التي تكفيهم لمدة خمسة أيام ..

.. و في صباح اليوم التالي اقترب رافع من خالد بن الوليد وحاول تحذيره من ذلك الطريق مرة آخرى

و قال انه لن يستطيع عبور ذلك الطريق مع الجيش بتلك الأثقال ..

:فقال له خالد

الويل لك يا رافع

والله لو عرفت طريقا آخر يؤدي بي للشام سريعا لسلكته

.. ولابد والله من ذلك

فلم يجد رافع مفرا من التنفيذ

وبدأ يصيح في الناس حتى يستكثروا من الماء حتى لا يتعرضوا للهلاك

بعد وقت قصير .. انطلق الجيش تحت قيادة خالد بن الوليد

و إرشاد رافع بن عميرة في ذلك الطريق الخطر

وكانت الرمال ساخنة تلسع الأقدام من شدة حرارتها

و استمر الجميع في مسيرتهم لمدة ثلاثة أيام كاملة دون أي مشاكل

فعلى الرغم من الحرارة الشديدة ..

إلا أن الجنود استطاعوا أن يتحملوا درجة الحرارة المرتفعة خاصة مع توفر المياه لديهم

ولكن مع نهاية اليوم الثالث...

نفذ الماء الذي كان يٌفترض أن يكفي لمدة خمسة أيام

فسار الجيش في صمت تام في اليوم الرابع

و بدأت الحرارة في الإرتفاع

و توقف الرجال عن الكلام خلال المسير

وبدأ الجميع يفكرون في مصيرهم إذا ما ضل رافع الطريق

... و عسكر الجيش في تلك الليلة كالمعتاد

ولكنهم لم يعرفوا طعم النوم

... و ظل الجميع يردد : حسبنا الله ونعم الوكيل

و في صباح اليوم الخامس .. بدأت المرحلة الأخيرة من المسيرة

حيث كان من المفترض أن يصلوا في ذلك اليوم للواحة التي أخبرهم بها رافع قبل مدينة سوى

و ظل الجميع يٌمني النفس بلحظة الوصول و ساروا في صمت تام

ولم يكن الجيش منظما مثلما كان الحال عند بدء المسير

فقد كان المقاتلون يسيرون ببطء شديد

وهم يأملون أن لا يقعوا على جانب الطريق

وعندما وصل الجيش إلى المنطقة التي من المفترض أن يكون بها نبع الماء

.. لم يعد رافع يستطيع أن يرى جيدا

.. فقد التهبت عيناه خلال الطريق و زادته أشعه الشمس سوءا

فذعر الجميع عندما رأووا حاله و قالوا له

يا رافع نحن على شفا الموت, هلا وجدت لنا الماء ؟

ولكن رافع لم يعد يستطيع أن يرى شيئا

فقال لهما في صوت ضعيف أن يبحثوا عن تلين كأنهما ثديان

فانطلق الجميع يبحثون في كل مكان

حتى صاح أحد الرجال وجدت التلين

فقال لهم رافع أن يبحثوا عن جذور نخلة بأوصاف معينة

فأخذ الجميع يبحث ولكنهم قالوا ما نراها

.. فقال رافع : إنا لله وإن اليه راجعون

هلكتم والله إذا وهلكت معكم

فانتشر الذعر وسط الجيش و تعالت الأصوات بما قال رافع

ولكن في خلال هذه الضوضاء

وجد أحد الرجال بقايا جذر للنخل مقطوع يشبه وصف رافع

فذهب و أخبره بعثوره عليها

فقال له رافع احفرعند هذا الجذر سريعا

... فبدأ الجميع يحفر في نشاط عجيب

حتى بدأ نبع الماء يظهر

و انتشرت صيحات التكبير في كل مكان

فشرب الجميع و ارتوى

وشربت الإبل والخيل

وملأ الجميع قرب الماء و حمدوا الله على نعمته

وفي خلال فرحة الجميع بإنتهاء المسير الخطر و إقترابهم من حدود الشام

توجه رافع بن عميرة نحو خالد بن الوليد و باح له بسر خطير

فقد قال له

والله ما وردت هذا الماء قط إلا مرة واحدة

و كان ذلك منذ ثلاثين عاما ..

.. فقد وردته مع أبي وأنا غلام صغير

فأدرك خالد انهم كانوا على وشك الهلاك جميعا لولا رحمة الله بهم

... فحمد الله و أصدر الأوامر للجميع بالراحة والإقامة هذه الليلة في مكانهم

إقترب خالد من حدود الشام

.. وترك وراءه حاميات الروم المنتشرة في الشمال

و أصبح على بُعد يوما واحدا من منطقة سِوى ذات الماء الوفير

و لذلك بعد أن اطمأن على ارتياح الجيش

أمر في اليوم التالي بإستكمال المسيرة فورا نحو هدفهم ..



Хочете вивчати якусь мову?


Вчіться нацьому тексті ітисячі вподобають це на LingQ.

  • Величезна бібіліотека аудіо уроків, всі супроводжені текстом.
  • Революціні інструменти навчання
  • Глобальна, інтерактивна навчальна спільнота

Вивчення мови онлайн @ LingQ

في اليوم الحادي والعشرين من شهر محرم من السنة الثالثة عشر هجريا

تلقى خالد بن الوليد رسالة من خليفة المسلمين

تأمره بضرورة مغادرة العراق على الفور و التوجه إلى بلاد الشام

... حيث كان المسلمون في خطر كبير

فهرقل ملك الروم البيزنطيين كان أمر بتجهيز قوتين كبيرتين

للقضاء على خطر ألوية المسلمين بالشام

فكانت القوة الأولى تحتشد في مدينة أجنادين بإقليم فلسطين

وكان هدفها هو شل حركة لواء عمرو بن العاص بالإقليم

أما القوة الثانية فكانت تتمركز في أنطاكية

و كانت تستعد للإنقضاض على كل لواء من ألوية المسلمين من الخلف

وبالإضافة لذلك كان للروم عدة قلاع و حصون في كل مدينة كبرى بالشام

.. فكانت ألوية المسلمين على وشك أن تتعرض لخطر كبير

وكان لابد من تجميع الألوية معا في جيش واحد

تحت قيادة من يستطيع التعامل مع هذا الموقف

ولذلك رأى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يستعين بخالد بن الوليد

ويرسله للشام بعدما حقق نجاحات مبهرة أمام الفرس بالعراق

فبدأ خالد رضي الله عنه الإستعداد للرحيل بمجرد تلقيه الرسالة

وقام بإستدعاء المثنى بن حارثة

ليكون القائد البديل له على جبهة العراق بعد رحيله

... و بدأ في تقسيم الجيش إلى نصفين كما أمره الخليفة

ليستعين بالنصف في رحلة الشام المرتقبة

ولكن عندما قام خالد بتقسيم الجيش

حرص أن يأخذ معه كل صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام ومن عاصروه قبل وفاته

فإعترض المثنى بشدة على ذلك الأمر

وصمم على تنفيذ أمر خليفة المسلمين بتقسيم الجيش إلى النصف في كل شئ

وأراد بقاء نصف الصحابة على الأقل ضمن جيشه ليتبرك بهم

فوافق خالد رضي الله عنه على طلبه

وترك له نخبة من الصحابة وخيرة القادة

وكان من ضمن القادة الذي تركهم له عاصم بن عمرو التميمي

القائد على أحد جناحي المسلمين في أغلب معارك خالد بن الوليد بالعراق

أما نصف الجيش الآخر والذي سيتجه للشام

فقد تضمن قائد الجناح الآخر عدي بن حاتم الطائي

و مجموعة من أفضل قادة الجيش مثل القعقاع بن عمرو التميمي

و و ضرار بن الأزور وغيرهم من الرجال

بعد إنتهاء خالد رضي الله عنه من تقسيم الجيش

كان عليه أن يتخذ قرارا هاما آخر في أسرع وقت ممكن

ألا وهو الطريق الذي سيسلكه الجيش لبلاد الشام

فأبو بكر الصديق رضي الله عنه كان ترك مهمة إختيار الطريق مٌلقاة على عاتق قائده

و في ذلك الوقت .. كان هنالك طريقان معروفان يمكن للجيش أن يسير من خلالهما للشام

.. فالطريق الأول كان من الجنوب و يمر عبر مدينة دومة الجندل

وكان ذلك الطريق هو الذي تسلكه القوافل التجارية المتجهة للشام

.. فهو أسهل الطرق و يوجد الكثير من المياه على إمتداده

و لا يمكن للجيش البيزنطي أن يتدخل او يعترض طريقهم من خلاله

ولكن المشكلة الأساسية أنه كان يُعتبر أطول الطرق للشام

والتحرك فيه للوصول هناك سيستغرق الكثير من الوقت

... وحسب أوامر الخليفة

.. فقد كان الوصول للشام في أسرع وقت هو أهم أولويات خالد عندئذ

أما الطريق الثاني فكان في الشمال بإمتداد نهر الفرات و يؤدي إلى شمال شرق بلاد الشام

... و كان هذا الطريق آيضا يٌعتبر ملائما ...

ولكن مشكلته الأساسية أنه كان سيبعده عن ألوية المسلمين في الشام

و التي كانت تتمركز في الجنوب

كما أن هذا الطريق كان مليئا بالحصون والقلاع التي تقع تحت سيطرة الروم

والتي كانت ستقوم بسد الطريق عليه و تأخيره

فإحتار ابن الوليد في إختيار الطريق الذي سيسلكه

وقام فورا بعقد مجلس للحرب بين كبار القادة و شرح الموقف لهم

و سألهم عن كيفية التوجه إلى الشام في أسرع وقت

و دون أن تتعرض له حاميات الروم المنتشرة في الشمال

.. فلم يجيب أي من القادة عليه

... فأعاد خالد السؤال مرة آخرى عليهم

فقام في هذه المرة رجل يٌدعى رافع بن عميرة وكان أحد المحاربين الأشداء

.. و قال أنه يعرف طريقا آخر للشام عبر صحراء السماوة

... و أخبره أنه من الممكن أن يتقدم الجيش من الحيرة إلى قراقر

عبر مدينة عين التمر و المصيخ

و هذا طريق سهل على الجيش و معروف

ومن هناك يستطيع أن يسلك طريقا غير مأهول من قراقر إلى سوى

حيث يستطيع أن يتزود بالماء هناك للجيش

ولكنه أخبره ان هذا الجزء من الطريق

و يقصد من قراقر إلى سوى كان في غاية الخطورة

.. فهو عبارة عن صحراء جرداء لا يوجد بها ماء على مسافة مائة و عشرين ميلا

وحذره أن الجيش لن يستطيع التحمل لمدة خمسة أيام كاملة دون ماء

خاصة بالمعدات والأسلحة الثقيلة التي يحملونها

فإستاء القادة من هذا الإقتراح و هزوا رؤوسهم دلالة على عدم الموافقة

.... فمن الممكن أن يضل الجيش طريقه و يموت الجميع عطشا خلال هذه الرحلة

ولكن خالد قال بصوت هادئ

لابد من إجتياز هذا الطريق

و بدأ يطلب من قادته أن لا يعضف يقينهم و أن تقوى عزيمتهم

فالمعونة تأتي من الله على قدر النية ...

فأثارت كلماته عزيمتهم و وافقوه الرأي

وبدأ على الفور الجيش يستعد للمسير بحماس منقطع النظير

عبر طريق لا يعرفه سوى رجل واحد فقط ألا وهو رافع بن عميرة

بدأ جيش المسلمين في التحرك من الحيرة في أوائل صفر من العام الثالث عشر هجريا

.. ولم يصطحبوا معهم النساء والأطفال حيث ظلوا في مكانهم

حتى يتم إرسالهم إلى المدينة

لحمايتهم من خطر الطريق القادم ...

وبعد أن وصل خالد بن الوليد لمدينة عين التمر

قام بإرسال عمرو بن الطفيل برسالة إلى المسلمين بالشام

ليبشرهم بإنطلاقه سريعا من العراق نحوهم كما أمره أبو بكر الصديق رضي الله عنه

... كما أرسل معه رسالة خاصة إلى أبي عبيدة بن الجراح قائد الجيوش بالشام

وكانت هذه الرسالة تتضمن الثناء على أبي عبيدة و بيان تقدير من خالد بن الوليد لهذا القائد العظيم

و أخبره بأنه لا مطمع لديه في تولي قيادة الجيوش بالشام بدلا منه

ولكنها أوامر الخليفة لهما

ودعا اللهَ لهما بالتوفيق في إستكمال المهمة على أكمل وجه ...

قام خالد بإستكمال المسيرة فورا

و كان المثنى بن حارثة قد خرج مع خالد بن الوليد و جيش المسلمين من الحيرة

لعلها تكون المرة الأخيرة التي يلتقيان فيها

و رافقه بالفعل حتى وصل لمدينة قراقر

... و هناك تصافح القائدان و ودعا بعضهما البعض بعد رحلة إستغرقت عاما كاملا

و عاد بعدها المثنى في إتجاه الحيرة حتى يقود نصف الجيش و يٌكمل ما بدأ مع الفرس

عسكر خالد بن الوليد و باقي الجيش في قراقر تلك الليلة

و انهمكوا في ملء قرب الماء والأوعية الآخرى التي تكفيهم لمدة خمسة أيام ..

.. و في صباح اليوم التالي

اقترب رافع من خالد بن الوليد وحاول تحذيره من ذلك الطريق مرة آخرى

و قال انه لن يستطيع عبور ذلك الطريق مع الجيش بتلك الأثقال ..

:فقال له خالد

الويل لك يا رافع

والله لو عرفت طريقا آخر يؤدي بي للشام سريعا لسلكته

.. ولابد والله من ذلك

فلم يجد رافع مفرا من التنفيذ

وبدأ يصيح في الناس حتى يستكثروا من الماء حتى لا يتعرضوا للهلاك

بعد وقت قصير .. انطلق الجيش تحت قيادة خالد بن الوليد

و إرشاد رافع بن عميرة في ذلك الطريق الخطر

وكانت الرمال ساخنة تلسع الأقدام من شدة حرارتها

و استمر الجميع في مسيرتهم لمدة ثلاثة أيام كاملة دون أي مشاكل

فعلى الرغم من الحرارة الشديدة ..

إلا أن الجنود استطاعوا أن يتحملوا درجة الحرارة المرتفعة خاصة مع توفر المياه لديهم

ولكن مع نهاية اليوم الثالث...

نفذ الماء الذي كان يٌفترض أن يكفي لمدة خمسة أيام

فسار الجيش في صمت تام في اليوم الرابع

و بدأت الحرارة في الإرتفاع

و توقف الرجال عن الكلام خلال المسير

وبدأ الجميع يفكرون في مصيرهم إذا ما ضل رافع الطريق

... و عسكر الجيش في تلك الليلة كالمعتاد

ولكنهم لم يعرفوا طعم النوم

... و ظل الجميع يردد : حسبنا الله ونعم الوكيل

و في صباح اليوم الخامس .. بدأت المرحلة الأخيرة من المسيرة

حيث كان من المفترض أن يصلوا في ذلك اليوم للواحة التي أخبرهم بها رافع قبل مدينة سوى

و ظل الجميع يٌمني النفس بلحظة الوصول و ساروا في صمت تام

ولم يكن الجيش منظما مثلما كان الحال عند بدء المسير

فقد كان المقاتلون يسيرون ببطء شديد

وهم يأملون أن لا يقعوا على جانب الطريق

وعندما وصل الجيش إلى المنطقة التي من المفترض أن يكون بها نبع الماء

.. لم يعد رافع يستطيع أن يرى جيدا

.. فقد التهبت عيناه خلال الطريق و زادته أشعه الشمس سوءا

فذعر الجميع عندما رأووا حاله و قالوا له

يا رافع نحن على شفا الموت, هلا وجدت لنا الماء ؟

ولكن رافع لم يعد يستطيع أن يرى شيئا

فقال لهما في صوت ضعيف أن يبحثوا عن تلين كأنهما ثديان

فانطلق الجميع يبحثون في كل مكان

حتى صاح أحد الرجال وجدت التلين

فقال لهم رافع أن يبحثوا عن جذور نخلة بأوصاف معينة

فأخذ الجميع يبحث ولكنهم قالوا ما نراها

.. فقال رافع : إنا لله وإن اليه راجعون

هلكتم والله إذا وهلكت معكم

فانتشر الذعر وسط الجيش و تعالت الأصوات بما قال رافع

ولكن في خلال هذه الضوضاء

وجد أحد الرجال بقايا جذر للنخل مقطوع يشبه وصف رافع

فذهب و أخبره بعثوره عليها

فقال له رافع احفرعند هذا الجذر سريعا

... فبدأ الجميع يحفر في نشاط عجيب

حتى بدأ نبع الماء يظهر

و انتشرت صيحات التكبير في كل مكان

فشرب الجميع و ارتوى

وشربت الإبل والخيل

وملأ الجميع قرب الماء و حمدوا الله على نعمته

وفي خلال فرحة الجميع بإنتهاء المسير الخطر و إقترابهم من حدود الشام

توجه رافع بن عميرة نحو خالد بن الوليد و باح له بسر خطير

فقد قال له

والله ما وردت هذا الماء قط إلا مرة واحدة

و كان ذلك منذ ثلاثين عاما ..

.. فقد وردته مع أبي وأنا غلام صغير

فأدرك خالد انهم كانوا على وشك الهلاك جميعا لولا رحمة الله بهم

... فحمد الله و أصدر الأوامر للجميع بالراحة والإقامة هذه الليلة في مكانهم

إقترب خالد من حدود الشام

.. وترك وراءه حاميات الروم المنتشرة في الشمال

و أصبح على بُعد يوما واحدا من منطقة سِوى ذات الماء الوفير

و لذلك بعد أن اطمأن على ارتياح الجيش

أمر في اليوم التالي بإستكمال المسيرة فورا نحو هدفهم ..

×

Ми використовуємо файли cookie, щоб зробити LingQ кращим. Відвідавши сайт, Ви погоджуєтесь з нашими cookie policy.