image

تاريخ × حدوتة, فتح دومة الجندل | حين إستنجد المسلمون بخالد بن الوليد فأتى بخطة ذكية و أنهى حصارا إستمر شهورا !!

في منتصف شهر رجب من العام الثاني عشر هجريا

كان خالد بن الوليد رضي الله عنه

يستعد لمغادرة مدينة عين التمر

و التوجه من جديد إلى الحيرة

عندما تسلم رسالة عاجلة للغاية من شمال شبه الجزيرة العربية

فالأخبار التي آتت من مدينة دومة الجندل

كانت خطيرة و تستدعى التدخل السريع

فعياض بن غنم قائد جيش المسلمين الثاني

كان فشل في إختراق دفاعات الحصن بالمدينة

و لم يستطع متابعة المسيرة لشمال العراق

كما كلفه أبو بكر الصديق رضي الله عنه

وكانت كل الدلائل تُشير لتجمع عدد هائل من القبائل العربية

لفك الحصار عن الحصن و القضاء على قوات المسلمين هناك

و لذلك أمر خالد رضي الله عنه الجميع بالتحرك فورا

و تغيير الإتجاه إلى دومة الجندل ...

مدينة دومة الجندل كانت إحدى المدن التجارية الكبرى في شبه الجزيرة العربية

والتي اشتهرت بالأسواق الغنية

كما أنها كانت تعد مركزا للمواصلات

ونقطة إلتقاء الطرق القادمة من أواسط شبه الجزيرة العربية و العراق و الشام

و نظرا لتواجد جيوش المسلمين في العراق و الشام

كانت لدومة الجندل أهمية كبرى تُحتًم السيطرة عليها

حتى يأمن المسلمون الهجمات من الخلف ...

ولذلك عندما قرر أبو بكر الصديق رضي الله عنه إرسال المسلمين لضم العراق

قسم الجيش الإسلامي إلى جيشين

و أسند مهمة ضم مدينة دومة الجندل إلى القائد المسلم عياض بن غُنم

على أن يتابع بعدها مسيرتَه و يتقدم حتى يضم كل الأراضي شمال الحيرة

و ينضم بعدها إلى جيش خالد بن الوليد القادم من الجنوب

و فعلا في الوقت الذي انطلق فيه خالد بن الوليد من اليمامة

كان عياض بن غُنم في طريقه لمدينة دومة الجندل و معه الجيش الثاني من المسلمين

ولكن عند وصوله للمدينة

تفاجأ عندما وجدها مدينة مُحصنة

" و محمية بعدد كبير من أفراد قبيلة " بنو كلب

والتي كانت تقطن هذه المنطقة و الطرف الشرقي من بلاد الشام

... فقرر عياض فورا فرض الحصار عليها

و أمر بنشر القوات بإمتداد الجهة الجنوبية للحصن

.. و لكن هذا التصرف كان يٌعد غير مقبول من وجهة النظر العسكرية

فهو بالفعل قد قام بقطع الطريق من جهة الجنوب

و لكن ظلت الطرق على الجهة الشمالية للحصن مفتوحة و غير مُحاصرة

وكانت بإستطاعة من في الحصن الخروج و التزود بالمؤن و الطعام من خلال تلك الجهة

.. و حاول عياض والمسلمون كثيرا إختراق الحصن من الجنوب

و لكن دون جدوى بسبب قوة الدفاعات

و اقتصرت العمليات على رمايات النبالة من الطرفين

و الغارات من الحصن التي استطاع المسلمون صدها و طردها من المكان

فظل الوضع على ماهو عليه

و عياض يحاصر الحصن من الجنوب و العرب بداخله يٌعرقلون تقدم الجيش إلى هدفه ....

إستمر الوضع على ما هو عليه لمدة أسابيع

وشعر كلا الجانبين بالتعب و الملل من جراء هذا الجمود

و لذلك دخل أحد رجال المسلمين وكان يدعى الوليد بن عقبة

على القائد عياض بن غنم

في يوم من الأيام و أشار عليه أن يبعث برسالة إلى خالد بن الوليد لطلب المساعدة

.. فوافق عياض على طلب الوليد .. و أرسل كما أشرنا رسالة إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه

يشرح فيها الموقف في دومة الجندل و يستنجد به

.. فلما وصلت الرسالة إلى خالد

.. درس الموقف جيدا و لم يطيل التفكير بالأمر

.. فالموقف على الجهة العراقية كان مستقرا بشكل كبير

..و لديه العديد من القادة الأكفاء الذين يستطيعون التعامل مع الفرس

إذا ما فكروا في القيام بهجوم معاكس من العاصمة

.. و على الفور أرسل من مكانه رسالتين

الأولى كانت لقائده القعقاع بن عمرو في الحيرة

ليطلب منه أن يجمع الكتائب و يقود الجبهة في غيابه

أما الرسالة الثانية كانت لعياض بن الغنم ليخبره بأنه في الطريق إليه

و ترك بعدها حامية قوية في عين التمر

و بدأ المسيرة فورا إلى دومة الجندل على رأس جيش مكون من ستة آلاف مقاتل ...

وصلت أنباء تحرك خالد بن الوليد إلى الحصن قبل وصوله بعدة أيام

... فإنتشر الذعر في المكان فهم كان بإستطاعتهم صد هجمات جيش عياض

ولكنهم لن يصمدوا إذا ما إنضم إليه خالد

فسُمعة خالد بن الوليد و إنتصاراته المتتالية خلال ضد العرب

حروب الردة و ضد الفرس خلال فتح العراق

كانت مُنتشرة في كل أرجاء شبه الجزيرة العربية .

..... ولذلك بدأووا فورا في إتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين الحصن

و قاموا فورا بإرسال الرسائل للعديد من القبائل المجاورة لطلب المساعدة

فإستجابت بالفعل تلك القبائل بحماس إلى الرسائل

وبدأ أفضل المقاتلون يتوافدون للمساعدة من بطون قبيلتي غسان و كلب

وبسبب امتلاء الحصن على آخره بالمقاتلين

.. عسكر الكثيرون منهم خارج الأسوار و أصبح موقف عياض بن غنم في غاية الخطورة

و دعا الله أن يأتي خالد بن الوليد سريعا للمكان

في ذلك الوقت بداخل الحصن

كانت مهمة قيادة القبائل كلها تقع على زعيمين

هما أكيدر بن عبد الملك و الجودي بن ربيعة

وكان الرجل الأول هو الوحيد الذي سبق و أن تواجه مع خالد بن الوليد من قبل خلال العام التاسع الهجري ..

عندما أرسله الرسول عليه الصلاة و السلام من تبوك إلى دومة الجندل

.. فعاد خالد بن الوليد وقتها بأكيدر أسيرا إلى الرسول

الذي صالحه على الجزية وأخلى سبيله مقابل تمسكه بالعهد مع المسلمين..

ولكن هذا الرجل نقض العهد الذي أقامه مع الرسول عليه الصلاة والسلام بعد وفاته

فلما علم أكيدر بإقتراب خالد بن الوليد من المكان

أُصيب بالتوعك و دعا زعماء القبائل التي آتت

وأشار عليهم بإجراء معاهدات الصلح مع المسلمين و الإبتعاد عن القتال

وقال لهم أنه أعلم الناس بخالد

وأنه لم يسبق وأن واجهه قوما سواء كان عددهم قليل أو كثير

إلا و انهزموا

فلابد عليهم أن يتصالحوا معه

ولكن رفضت جميع القبائل طلبه

وصمموا على قتال خالد بن الوليد والمسلمين

ففقد أكيدر أعصابه و أصابه الذعر

... وخشى أن يواجه خالد بن الوليد بنفسه مرة آخرى ..

ولذلك في خلال إحدى الليالي

تسلل من الحصن وانطلق فورا للرجوع إلى موطنه الأصلي بالقرب من عين التمر

.. ويبدو أنه قد إتخذ مسارا قريبا من المسار الذي اتخذه خالد بن الوليد

والذي علم بقرب أكيدر من مكانه

فقام خالد بن الوليد بإرسال عاصم بن عمرو التميمي على رأس كتيبة وأمره بإحضاره إليه

فإستطاعت تلك الكتيبة بالفعل اعتراض طريق أكيدر و أحضرته إلى خالد ..

فوقف أكيدر أمام خالد

و قال له أنه خرج للترحيب به و حاول إستمالته.

ولكن الموقف أمام خالد كان واضحا ولا غبار عليه

فهذا الرجل الذي يقف أمامه قد نقض العهد الذي أقامه مع الرسول عليه الصلاة والسلام

و ثار على الخليفة وقت حروب الردة

و قاوم المسلمون مع من في الحصن قبل وصوله إليه

و الآن يكذب و يدعي أنه خرج ليرحب به

فأمر خالد بضرب عنق الرجل عقابا على جرائمه

و نفذ الأمر في الحال

فكانت هذه نهاية أكيدر بن عبد الملك سيد دومة الجندل

في اليوم التالي

وصل خالد رضي الله عنه إلى دومة الجندل وضم قوات عياض بن غنم إلى جيشه

و اتفق معه على محاصرة الحصن من كل إتجاه

على أن يظل عياض و من معه جنوب الحصن لإغلاق طريق شبه الجزيرة العربية.

.. و يتم توزيع جزء من القوات الآخرى شرق و غرب و شمال الحصن

لغلق كافة الطرق إلى العراق أو الشام

.. و احتفظ خالد بباقي الجيش كخط إحتياط قوي

فهو كان يعلم أن الحصن من أقوى الحصون بالمنطقة

و الهجوم عليه سيكلف المسلمون ثمنا غاليا

و لذلك أراد محاصرته من جميع الجهات

حتى يمل من بداخله و يجبرهم على الخروج لمقاتلته

فعندئذ يستطيع الهجوم بضراوة و يقضي عليهم جميعا

فتصبح بذلك دفاعات الحصن ضعيفة و يتمكن من السيطره عليه

و لذلك أمر أن يقف خط الإحتياط من الجيش مختبئا في موقع

يسمح له برؤية الصفوف الأمامية و من في الحصن جيدا

في تلك الأثناء كانت القوات المجتمعة بالحصن

أصبحت تحت سيطرة الجودي بن ربيعة

فإنتظر هذا الرجل أن يقوم المسلمون بالهجوم عليهم

حتى ينهال عليهم بالسهام

و لكن ظل المسلمون في مكانهم إتباعا لأوامر خالد بن الوليد

فمر الوقت و نفذ صبر الجودي وقرر أن يبدأ الهجوم بنفسه

و لذلك أمر بتقسيم القوات إلى نصفين

النصف الأول سيتجه و يٌهاجم جيش عياض بن غنم المتمركز جنوب الحصن

و النصف الثاني مكون من قبيلته وديعة تحت قيادته

ستتجه فورا و تهاجم قوات المسلمين المتمركزة في الشمال

و بعد إنتظام الجميع أمر فورا بإنطلاق كل نصف نحو هدفه

التحمت المجموعة الأولى أولا مع قوات عياض بن غنم جنوب الحصن

وكانوا في غاية التصميم على تحقيق الإنتصار و القضاء عليهم

و اعتقدوا ان عزيمة هذا الجزء من الجيش ستكون منخفضة

لفشلها في اقتحام الحصن لعدة شهور

ولكنهم فوجئوا بهجوم معاكس عنيف للغاية من المسلمين

.. فسقط العديد من القتلى في ميدان القتال

و بدأ من تبقى من العرب في الإنسحاب فورا نحو الحصن من جديد وأغلقوا الأبواب للإحتماء به ...

و في نفس الوقت

كانت المجموعة الأخرى والتي كانت أكثر عددا

تتقدم نحو جيش خالد بن الوليد على شمال الحصن

.. و كان خالد في ذلك الوقت قد نشر الجيش بترتيب القتال على مسافة من الحصن

و ظل ثابتا في مكانه

... فإنتظر الجودي في مكانه على أمل هجوم المسلمين عليه

ولكنه عندما رأي الجميع في مكانه و لا يتحرك

اعتقد أن الجيش الإسلامي قد ذعر من عدد القوات العربية

و لذلك تجرأ أكثر و أمر الجميع بالإنطلاق فورا نحو المسلمين و الإشتباك معهم

انطلقت القوات العربية بسرعة كبيرة نحو جيش المسلمين

و اقتربت القوات كثيرا من بعض

و تصور الجودي أن بإمكانه القضاء على المسلمين سريعا في هذا المكان

و لكن بمجرد إقترابه

هجم خالد بن الوليد و المسلمون بشكل مفاجئ على القبائل العربية بمنتهى العنف و السرعة

و انطلق الصف الإحتياطي من الجيش من كل مكان وانضم للأجنحة و القلب

.. و لم تدرى القبائل العربية ما الذي حدث

فتساقطت أعداد كبيرة للغاية جراء ذلك الهجوم الشرس

وانهارت قواتهم سريعا

و تم أسر الجودي و المئات من أبناء قبيلته

فبدأت الفلول الباقية تفر سريعا في فوضى و عدم نظام نحو الحصن للإحتماء به

و لكن كان جيش المسلمين أمامهم و خلفهم في كل مكان

فلما شاهد العرب بداخل الحصن جمعا غفيرا يتجه إليهم

.. أمروا بإغلاق الأبواب فورا في وجه زملائهم

فتعالت الصيحات على الأبواب

و هجم المسلمون على أبناء قبيلة وديعة خارج الحصن

و قتلوا منهم الكثير و إستطاعوا أسر المئات

فتذكر الجميع مقولة أكيدر عن خالد بن الوليد

و أدركوا صواب رأيه ولكن بعد فوات الأوان

وكان المسلمون على وشك القضاء على الجميع لولا صياح عاصم بن عمرو التميمي

وطلبه من أبناء قبيلة تميم أن يتركوا أفراد قبيلة بنو كلب

لسابق تحالفهم معهم في أيام الجاهلية

فكانت وصية عاصم بن عمرو السبب في نجاة بنو كلب في ذلك اليوم

بعد هدوء الأوضاع

قام خالد بتحريك القوات بالقرب من الحصن

حتى يرى الجميع أنهم مٌحاصرين من جميع الإتجاهات .

و طلب من الحامية أن تستسلم

وأعطاهم الفرصة لعقد الصلح مع المسلمين والخروج بأمان

و لكن الحامية رفضت هذا الطلب ..

فأمر خالد بإحضار الجودي و باقي الأسرى من قبيلته

و أمر بضرب عنقهم على مرأي من الجميع

و لم يترك سوى أبناء قبيلة كلب الذين أجارهم عاصم بن عمرو التميمي

وكان يأمل أن تضعف الروح المعنوية لدى المدافعين عن الحصن بعد ذلك فيضطروا للإستسلام

ولكن هذا الأمر جعل الجميع بداخل الحصن أكثر تصميما على القتال لأخر نفس لديهم

فأمر خالد الجميع بالهجوم العنيف على باب الحصن

و انطلق المسلمون بشراسة يحاولون هدم الباب حتى اقتلعوه من مكانه

ودخلوا الحصن في سرعة شديدة والتحموا مع من بداخله

وقتلوا منهم الكثير

و ما هي إلا لحظات

حتى كان كل من بداخل الحصن قد وقع في الأسر

و تمت السيطرة عليه بنجاح

و كان ذلك في اليوم الرابع و العشرين من شهر رجب في العام الثاني عشر هجريا ...

بعد إستقرار الأوضاع

أرسل خالد جزء من الجيش نحو العراق من جديد

و أقام هو بدومة الجندل لعدة أيام لتصريف الأمور

.. وبعد إنتهائه

عقد العزم أن يعود سريعا إلى الحيرة

و يتقدم بعدها نحو العاصمة الفارسية أخيرا

بعد أن استطاع تنفيذ مهمة عياض بن غُنم بنجاح

.. فإنطلق مع الجيش الذي آتى به و أخذ معه عياض و جيش المسلمين الثاني و بدأوا في طريق العودة للحيرة

.. ولكنه لم يكن يعلم أن الموقف في العراق قد تغير إلى حد ما

فالجيش الفارسي كان في طريقه للحرب مع المسلمين من جديد ...



Хочете вивчати якусь мову?


Вчіться нацьому тексті ітисячі вподобають це на LingQ.

  • Величезна бібіліотека аудіо уроків, всі супроводжені текстом.
  • Революціні інструменти навчання
  • Глобальна, інтерактивна навчальна спільнота

Вивчення мови онлайн @ LingQ

في منتصف شهر رجب من العام الثاني عشر هجريا

كان خالد بن الوليد رضي الله عنه

يستعد لمغادرة مدينة عين التمر

و التوجه من جديد إلى الحيرة

عندما تسلم رسالة عاجلة للغاية من شمال شبه الجزيرة العربية

فالأخبار التي آتت من مدينة دومة الجندل

كانت خطيرة و تستدعى التدخل السريع

فعياض بن غنم قائد جيش المسلمين الثاني

كان فشل في إختراق دفاعات الحصن بالمدينة

و لم يستطع متابعة المسيرة لشمال العراق

كما كلفه أبو بكر الصديق رضي الله عنه

وكانت كل الدلائل تُشير لتجمع عدد هائل من القبائل العربية

لفك الحصار عن الحصن و القضاء على قوات المسلمين هناك

و لذلك أمر خالد رضي الله عنه الجميع بالتحرك فورا

و تغيير الإتجاه إلى دومة الجندل ...

مدينة دومة الجندل كانت إحدى المدن التجارية الكبرى في شبه الجزيرة العربية

والتي اشتهرت بالأسواق الغنية

كما أنها كانت تعد مركزا للمواصلات

ونقطة إلتقاء الطرق القادمة من أواسط شبه الجزيرة العربية و العراق و الشام

و نظرا لتواجد جيوش المسلمين في العراق و الشام

كانت لدومة الجندل أهمية كبرى تُحتًم السيطرة عليها

حتى يأمن المسلمون الهجمات من الخلف ...

ولذلك عندما قرر أبو بكر الصديق رضي الله عنه إرسال المسلمين لضم العراق

قسم الجيش الإسلامي إلى جيشين

و أسند مهمة ضم مدينة دومة الجندل إلى القائد المسلم عياض بن غُنم

على أن يتابع بعدها مسيرتَه و يتقدم حتى يضم كل الأراضي شمال الحيرة

و ينضم بعدها إلى جيش خالد بن الوليد القادم من الجنوب

و فعلا في الوقت الذي انطلق فيه خالد بن الوليد من اليمامة

كان عياض بن غُنم في طريقه لمدينة دومة الجندل و معه الجيش الثاني من المسلمين

ولكن عند وصوله للمدينة

تفاجأ عندما وجدها مدينة مُحصنة

" و محمية بعدد كبير من أفراد قبيلة " بنو كلب

والتي كانت تقطن هذه المنطقة و الطرف الشرقي من بلاد الشام

... فقرر عياض فورا فرض الحصار عليها

و أمر بنشر القوات بإمتداد الجهة الجنوبية للحصن

.. و لكن هذا التصرف كان يٌعد غير مقبول من وجهة النظر العسكرية

فهو بالفعل قد قام بقطع الطريق من جهة الجنوب

و لكن ظلت الطرق على الجهة الشمالية للحصن مفتوحة و غير مُحاصرة

وكانت بإستطاعة من في الحصن الخروج و التزود بالمؤن و الطعام من خلال تلك الجهة

.. و حاول عياض والمسلمون كثيرا إختراق الحصن من الجنوب

و لكن دون جدوى بسبب قوة الدفاعات

و اقتصرت العمليات على رمايات النبالة من الطرفين

و الغارات من الحصن التي استطاع المسلمون صدها و طردها من المكان

فظل الوضع على ماهو عليه

و عياض يحاصر الحصن من الجنوب و العرب بداخله يٌعرقلون تقدم الجيش إلى هدفه ....

إستمر الوضع على ما هو عليه لمدة أسابيع

وشعر كلا الجانبين بالتعب و الملل من جراء هذا الجمود

و لذلك دخل أحد رجال المسلمين وكان يدعى الوليد بن عقبة

على القائد عياض بن غنم

في يوم من الأيام و أشار عليه أن يبعث برسالة إلى خالد بن الوليد لطلب المساعدة

.. فوافق عياض على طلب الوليد .. و أرسل كما أشرنا رسالة إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه

يشرح فيها الموقف في دومة الجندل و يستنجد به

.. فلما وصلت الرسالة إلى خالد

.. درس الموقف جيدا و لم يطيل التفكير بالأمر

.. فالموقف على الجهة العراقية كان مستقرا بشكل كبير

..و لديه العديد من القادة الأكفاء الذين يستطيعون التعامل مع الفرس

إذا ما فكروا في القيام بهجوم معاكس من العاصمة

.. و على الفور أرسل من مكانه رسالتين

الأولى كانت لقائده القعقاع بن عمرو في الحيرة

ليطلب منه أن يجمع الكتائب و يقود الجبهة في غيابه

أما الرسالة الثانية كانت لعياض بن الغنم ليخبره بأنه في الطريق إليه

و ترك بعدها حامية قوية في عين التمر

و بدأ المسيرة فورا إلى دومة الجندل على رأس جيش مكون من ستة آلاف مقاتل ...

وصلت أنباء تحرك خالد بن الوليد إلى الحصن قبل وصوله بعدة أيام

... فإنتشر الذعر في المكان فهم كان بإستطاعتهم صد هجمات جيش عياض

ولكنهم لن يصمدوا إذا ما إنضم إليه خالد

فسُمعة خالد بن الوليد و إنتصاراته المتتالية خلال ضد العرب

حروب الردة و ضد الفرس خلال فتح العراق

كانت مُنتشرة في كل أرجاء شبه الجزيرة العربية .

..... ولذلك بدأووا فورا في إتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين الحصن

و قاموا فورا بإرسال الرسائل للعديد من القبائل المجاورة لطلب المساعدة

فإستجابت بالفعل تلك القبائل بحماس إلى الرسائل

وبدأ أفضل المقاتلون يتوافدون للمساعدة من بطون قبيلتي غسان و كلب

وبسبب امتلاء الحصن على آخره بالمقاتلين

.. عسكر الكثيرون منهم خارج الأسوار و أصبح موقف عياض بن غنم في غاية الخطورة

و دعا الله أن يأتي خالد بن الوليد سريعا للمكان

في ذلك الوقت بداخل الحصن

كانت مهمة قيادة القبائل كلها تقع على زعيمين

هما أكيدر بن عبد الملك و الجودي بن ربيعة

وكان الرجل الأول هو الوحيد الذي سبق و أن تواجه مع خالد بن الوليد من قبل خلال العام التاسع الهجري ..

عندما أرسله الرسول عليه الصلاة و السلام من تبوك إلى دومة الجندل

.. فعاد خالد بن الوليد وقتها بأكيدر أسيرا إلى الرسول

الذي صالحه على الجزية وأخلى سبيله مقابل تمسكه بالعهد مع المسلمين..

ولكن هذا الرجل نقض العهد الذي أقامه مع الرسول عليه الصلاة والسلام بعد وفاته

فلما علم أكيدر بإقتراب خالد بن الوليد من المكان

أُصيب بالتوعك و دعا زعماء القبائل التي آتت

وأشار عليهم بإجراء معاهدات الصلح مع المسلمين و الإبتعاد عن القتال

وقال لهم أنه أعلم الناس بخالد

وأنه لم يسبق وأن واجهه قوما سواء كان عددهم قليل أو كثير

إلا و انهزموا

فلابد عليهم أن يتصالحوا معه

ولكن رفضت جميع القبائل طلبه

وصمموا على قتال خالد بن الوليد والمسلمين

ففقد أكيدر أعصابه و أصابه الذعر

... وخشى أن يواجه خالد بن الوليد بنفسه مرة آخرى ..

ولذلك في خلال إحدى الليالي

تسلل من الحصن وانطلق فورا للرجوع إلى موطنه الأصلي بالقرب من عين التمر

.. ويبدو أنه قد إتخذ مسارا قريبا من المسار الذي اتخذه خالد بن الوليد

والذي علم بقرب أكيدر من مكانه

فقام خالد بن الوليد بإرسال عاصم بن عمرو التميمي على رأس كتيبة وأمره بإحضاره إليه

فإستطاعت تلك الكتيبة بالفعل اعتراض طريق أكيدر و أحضرته إلى خالد ..

فوقف أكيدر أمام خالد

و قال له أنه خرج للترحيب به و حاول إستمالته.

ولكن الموقف أمام خالد كان واضحا ولا غبار عليه

فهذا الرجل الذي يقف أمامه قد نقض العهد الذي أقامه مع الرسول عليه الصلاة والسلام

و ثار على الخليفة وقت حروب الردة

و قاوم المسلمون مع من في الحصن قبل وصوله إليه

و الآن يكذب و يدعي أنه خرج ليرحب به

فأمر خالد بضرب عنق الرجل عقابا على جرائمه

و نفذ الأمر في الحال

فكانت هذه نهاية أكيدر بن عبد الملك سيد دومة الجندل

في اليوم التالي

وصل خالد رضي الله عنه إلى دومة الجندل وضم قوات عياض بن غنم إلى جيشه

و اتفق معه على محاصرة الحصن من كل إتجاه

على أن يظل عياض و من معه جنوب الحصن لإغلاق طريق شبه الجزيرة العربية.

.. و يتم توزيع جزء من القوات الآخرى شرق و غرب و شمال الحصن

لغلق كافة الطرق إلى العراق أو الشام

.. و احتفظ خالد بباقي الجيش كخط إحتياط قوي

فهو كان يعلم أن الحصن من أقوى الحصون بالمنطقة

و الهجوم عليه سيكلف المسلمون ثمنا غاليا

و لذلك أراد محاصرته من جميع الجهات

حتى يمل من بداخله و يجبرهم على الخروج لمقاتلته

فعندئذ يستطيع الهجوم بضراوة و يقضي عليهم جميعا

فتصبح بذلك دفاعات الحصن ضعيفة و يتمكن من السيطره عليه

و لذلك أمر أن يقف خط الإحتياط من الجيش مختبئا في موقع

يسمح له برؤية الصفوف الأمامية و من في الحصن جيدا

في تلك الأثناء كانت القوات المجتمعة بالحصن

أصبحت تحت سيطرة الجودي بن ربيعة

فإنتظر هذا الرجل أن يقوم المسلمون بالهجوم عليهم

حتى ينهال عليهم بالسهام

و لكن ظل المسلمون في مكانهم إتباعا لأوامر خالد بن الوليد

فمر الوقت و نفذ صبر الجودي وقرر أن يبدأ الهجوم بنفسه

و لذلك أمر بتقسيم القوات إلى نصفين

النصف الأول سيتجه و يٌهاجم جيش عياض بن غنم المتمركز جنوب الحصن

و النصف الثاني مكون من قبيلته وديعة تحت قيادته

ستتجه فورا و تهاجم قوات المسلمين المتمركزة في الشمال

و بعد إنتظام الجميع أمر فورا بإنطلاق كل نصف نحو هدفه

التحمت المجموعة الأولى أولا مع قوات عياض بن غنم جنوب الحصن

وكانوا في غاية التصميم على تحقيق الإنتصار و القضاء عليهم

و اعتقدوا ان عزيمة هذا الجزء من الجيش ستكون منخفضة

لفشلها في اقتحام الحصن لعدة شهور

ولكنهم فوجئوا بهجوم معاكس عنيف للغاية من المسلمين

.. فسقط العديد من القتلى في ميدان القتال

و بدأ من تبقى من العرب في الإنسحاب فورا نحو الحصن من جديد وأغلقوا الأبواب للإحتماء به ...

و في نفس الوقت

كانت المجموعة الأخرى والتي كانت أكثر عددا

تتقدم نحو جيش خالد بن الوليد على شمال الحصن

.. و كان خالد في ذلك الوقت قد نشر الجيش بترتيب القتال على مسافة من الحصن

و ظل ثابتا في مكانه

... فإنتظر الجودي في مكانه على أمل هجوم المسلمين عليه

ولكنه عندما رأي الجميع في مكانه و لا يتحرك

اعتقد أن الجيش الإسلامي قد ذعر من عدد القوات العربية

و لذلك تجرأ أكثر و أمر الجميع بالإنطلاق فورا نحو المسلمين و الإشتباك معهم

انطلقت القوات العربية بسرعة كبيرة نحو جيش المسلمين

و اقتربت القوات كثيرا من بعض

و تصور الجودي أن بإمكانه القضاء على المسلمين سريعا في هذا المكان

و لكن بمجرد إقترابه

هجم خالد بن الوليد و المسلمون بشكل مفاجئ على القبائل العربية بمنتهى العنف و السرعة

و انطلق الصف الإحتياطي من الجيش من كل مكان وانضم للأجنحة و القلب

.. و لم تدرى القبائل العربية ما الذي حدث

فتساقطت أعداد كبيرة للغاية جراء ذلك الهجوم الشرس

وانهارت قواتهم سريعا

و تم أسر الجودي و المئات من أبناء قبيلته

فبدأت الفلول الباقية تفر سريعا في فوضى و عدم نظام نحو الحصن للإحتماء به

و لكن كان جيش المسلمين أمامهم و خلفهم في كل مكان

فلما شاهد العرب بداخل الحصن جمعا غفيرا يتجه إليهم

.. أمروا بإغلاق الأبواب فورا في وجه زملائهم

فتعالت الصيحات على الأبواب

و هجم المسلمون على أبناء قبيلة وديعة خارج الحصن

و قتلوا منهم الكثير و إستطاعوا أسر المئات

فتذكر الجميع مقولة أكيدر عن خالد بن الوليد

و أدركوا صواب رأيه ولكن بعد فوات الأوان

وكان المسلمون على وشك القضاء على الجميع لولا صياح عاصم بن عمرو التميمي

وطلبه من أبناء قبيلة تميم أن يتركوا أفراد قبيلة بنو كلب

لسابق تحالفهم معهم في أيام الجاهلية

فكانت وصية عاصم بن عمرو السبب في نجاة بنو كلب في ذلك اليوم

بعد هدوء الأوضاع

قام خالد بتحريك القوات بالقرب من الحصن

حتى يرى الجميع أنهم مٌحاصرين من جميع الإتجاهات .

و طلب من الحامية أن تستسلم

وأعطاهم الفرصة لعقد الصلح مع المسلمين والخروج بأمان

و لكن الحامية رفضت هذا الطلب ..

فأمر خالد بإحضار الجودي و باقي الأسرى من قبيلته

و أمر بضرب عنقهم على مرأي من الجميع

و لم يترك سوى أبناء قبيلة كلب الذين أجارهم عاصم بن عمرو التميمي

وكان يأمل أن تضعف الروح المعنوية لدى المدافعين عن الحصن بعد ذلك فيضطروا للإستسلام

ولكن هذا الأمر جعل الجميع بداخل الحصن أكثر تصميما على القتال لأخر نفس لديهم

فأمر خالد الجميع بالهجوم العنيف على باب الحصن

و انطلق المسلمون بشراسة يحاولون هدم الباب حتى اقتلعوه من مكانه

ودخلوا الحصن في سرعة شديدة والتحموا مع من بداخله

وقتلوا منهم الكثير

و ما هي إلا لحظات

حتى كان كل من بداخل الحصن قد وقع في الأسر

و تمت السيطرة عليه بنجاح

و كان ذلك في اليوم الرابع و العشرين من شهر رجب في العام الثاني عشر هجريا ...

بعد إستقرار الأوضاع

أرسل خالد جزء من الجيش نحو العراق من جديد

و أقام هو بدومة الجندل لعدة أيام لتصريف الأمور

.. وبعد إنتهائه

عقد العزم أن يعود سريعا إلى الحيرة

و يتقدم بعدها نحو العاصمة الفارسية أخيرا

بعد أن استطاع تنفيذ مهمة عياض بن غُنم بنجاح

.. فإنطلق مع الجيش الذي آتى به و أخذ معه عياض و جيش المسلمين الثاني و بدأوا في طريق العودة للحيرة

.. ولكنه لم يكن يعلم

أن الموقف في العراق قد تغير إلى حد ما

فالجيش الفارسي كان في طريقه للحرب مع المسلمين من جديد ...

×

Ми використовуємо файли cookie, щоб зробити LingQ кращим. Відвідавши сайт, Ви погоджуєтесь з нашими cookie policy.