نيتشه وسؤال السعادة
السلام عليكم ومرحبا بكل متابعي ومتابعات قناة عالم الفلسفة
في هذه الحلقة وكما هو واضح من خلال العنوان
فموضوع هذه الحلقة هو الفيلسوف نيتشه
لكنني لن أُعرف بصاحب المطرقة ولا بأعماله
أتمنى أن تستمر رحلتنا في عالم الفلسفة حتى نصل إلى حقبته
ونتعرف عليه بشكل أكثر تفصيل،
لكن إلى ذلك الحين سنكتفي فقط بإلقاء نظرة على تصوره للسعادة،
يرى نيتشه أن السعادة هي تصالح مع الشقاء.
فهذا الأخير جزء من الحياة، ولكي يكون المرء سعيدا
يجب أن يتعلم كيف يحب الحياة كما هي، في كل تجلياتها،
بمعنى أنه يجب أن نحب الحياة لما تمنحه من رخاء وسعادة
وفي نفس الوقت لأسوء ما يمكن أن تقدمه.
نيتشه يسمي هذا الموقف الفرح،
يريدنا نيتشه أن نقول نعم، أن نقبل الحياة بكليتها.
يدعونا نيتشه إلى حب القدر أو ما يسمى باللاتينية amor fati
يجب أن نحب الحياة كما نحب الموسيقى.
فنحن لا نحب فقط الموسيقى الهادئة،
نحب أيضا ذلك الصخب، الصمت، النشوز،
كل تلك اللحظات التي تساهم في سمو وجمال التحفة الموسيقية.
إذا كانت المقطوعة رتيبة فالأكيد أنها ستشعرنا بالضجر.
الجمال ناتج عن التناغم بين هذه العناصر،
كما أن الحكمة هي التصالح بين السعادة والشقاء.
الحياة تشبه لازمة موسيقية، تعيد نفسها في كل مرة، ويجب أن ننصت إليها بحب،
ونغنيها مرارا وتكرارا إلى ما لانهاية. هذا التكرار هو ما يسميه نيتشه " العود الأبدي ".
فكل شيء يتكرر إلى ما لا نهاية.
هل هذا صحيح؟ في الحقيقة لا ندري،
ولكنها عقيدة نستطيع من خلالها أن نعرف إلى أي حد نحب الحياة.
إن كنا فعلا سعداء بالعيش، فالأحرى أن نرغب في تكرار كل لحظة من حياتنا إلى ما لا نهاية،
حتى تلك اللحظات الأكثر إيلاما.
وحتى تكون الأمور أكثر وضوحا : ف آمور فاتي amor fati هو حب.
فالأمر لا يتعلق باستسلام بئيس للقدر، تحمل ثقل الحياة في شقاء وتعاسة،
ولكنه إرادة القدر، أن تحبه بقوة، أن تقول له "نعم"، أن تستمتع به.
إنه قبول فرح يحب ما هو كائن، بما في ذلك آلام الحياة، المعاناة، الموت.
حب القدر يتناقض إذن مع كل مواساة،
خصوصا تلك المواساة التي يقدمها لنا الدين
والتي تجعلنا نتمنى حياة أفضل بعد الموت.
أن تحب ما هو كائن، له بعد جمالي أيضا.
أن تحب يعني أن ترى الجمال، أن تحب شخصا يعني أن تراه جميلا
وبالمثل فأنت تحب الحياة يعني أن تراها جميلة وتستمتع بجمالها.
يقول نيتشه في الفقرة 276 من العلم الجذل: " ...
أريد أن أتعلم اعتبار الضرورة في الأشياء على أنها الجمال في ذاته:
هكذا أصير واحدا ممن يرون الأشياء جميلة:
حب القدر amor fati : فليكن ذلك من الآن فصاعدا حبي !
لا أريد أن أحارب القبح ! ...لا أريد منذ اليوم، إلا أن أكون رجلا يقول " نعم "
يرتبط حب القدر بشكل كبير بالعود الأبدي. هذه العقيدة هي تأكيد،
قبول مطلق لما هو كائن، قبول للضرورة،
باعتبار أنها تؤكد على الرغبة في تكرار كل أمور الحياة بحذافيرها مرارا وتكرارا إلى ما لانهاية،
فالعود الأبدي هي العقيدة التي تجعل حب القدر ممكنا.
يقول نيتشه في ما وراء الخير والشر ( الفقرة 56) : " ...
مثال الإنسان الأكثر جموحا وحيوية وقبولا للعالم، الإنسان الذي لم يرض وحسب بما كان وبما هو،
ولم يتعلم التكيف معه وحسب، بل الذي يريد أن يعود كل شيء كما كان
وكما هو وإلى أبد الآبدين، فيظل يصرخ ولا يرتوي، De capo أعد من جديد "
في الإيطالية مصطلح موسيقي تفيد الإعلان عن
إعادة المقطوعة من جديد، وهذا يؤكد المثال (المجاز) الموسيقي الذي أشرنا له في البداية :
يجب تقبل الحياة كما نتقبل الموسيقى، بأن نرغب في الإستماع لها، كما هي، مرارا وتكرارا.
من أين أتت فكرة العود الأبدي هذه؟
إنها عقيدة كسمولوجية لها أصول في الحضارات القديمة، ولدى فلاسفة اليونان،
خصوصا لدى الرواقيين. نيتشه يعيد استثمارها
كاختبار...اختبار يجب أن يخوضه الجميع: إلى أي حد تحب الحياة؟ هل أن مستعيد لإعادة عيش كل شيء من جديد؟
والنص الأساسي الذي يتناول هذه الفكرة هو الشذرة 341 من كتاب العلم الجذل (الوزن الأثقل) : "
ماذا لو أتاك، ذات يوم أو ذات ليلة، شيطان وأنت في أكثر لحظاتك وحدة
وقال لك: " يجب عليك تكرار هذه الحياة مرار وتكرارا كما عشتها وكما تعيشها الآن،
دون أي جديد، بل على العكس ! إن أقل ألم، واقل لذة، وأقل فكرة، واقل آهة، كل ما في حياتك سيعود،
كل ما فيها مما لا توصف عظمته ومما لا يوصف صغره،
الكل سيعود وسيعود بالترتيب عينه، تبعا لنفس التعاقب الذي لا يرحم،
....هذا العنكبوت أيضا سيعود، وضوء القمر هذا بين الأشجار، وهذه اللحظة وأنا أيضا !
ساعة الحياة الرملية الأبدية ستعود بلا انقطاع، وأنت أيضا، يا ذرة الغبار، ستعود معها" ...
ألن ترمي بنفسك على الأرض، صارا بأسنانك ولاعنا هذا الشيطان؟
أم أنك عشت، ذات يوم، لحظة مدهشة تجعلك تجيبه: "
أنت إله ! فأنا لم أسمع إطلاقا بكلام أشد ألوهية !" .
إذا ما تملكتك هذه الفكرة فإنها ربما ستحولك جاعلة منك شخصا آخر،
وربما ستحطمك.
والسؤال الذي يطرح بخصوص كل شيء، "هل تريد هذا؟ هل ستريده من جديد، مرة أخرى وإلى الأبد؟"،
سننزل على فكرك بأثقل الأوزان !
كم ستحتاج لتحب نفسك وتحب الحياة حتى لا تتمنى شيئا آخر سوى هذا التأكيد الأسمى والأبدي للحياة !".
إن عنوان هذه الشذرة ( الوزن الأثقل)
يشير إلى أن الأمر يتعلق بأكثر الأفكار ثقلا، صعوبة وإلحاحا.
إنه تحد يلقيه نيتشه أمام قارئ يخاطبه بشكل مباشر حتى يصل إلى أعمق أعماقه.
هذه الفكرة تريدنا أن نرغب في عيش اللحظات السعيدة من جديد،
ولكن معها أيضا تلك اللحظات القاسية و الأكثر إيلاما في حياتنا، تطالبنا بأن نحب تلك اللحظات والإستمتاع بها.
أن تكون قادرا على الإستمتاع بالمعاناة، الألم والإنهيار،
أن تقول نعم للحياة، ليس فقط لما هو رائع بل لكل ما هو مريع ومرعب أيضا،
تلك هي متعة الحياة. إنها أثقل الأفكار، لأنها تطلب مني أن أكون مسؤولا:
فلا وجود للخلاص ولا وجود للغفران، مسؤوليتي لا نهائية وأبدية،
لأن كل ما أفعله أفعله إلى الأبد بدون أدنى إمكانية للتراجع لتغيير أي سلوك.
كل فعل، كل قرار سيثقل كاهلي إلى الأبد، لانني عشته ما لانهاية له من المرات
وسأعيشه للأبد. فكرة كهذه تجبرني على أن أكون سعيدا في هذه الحياة والآن،
لأنني إن كنت تعيسا الآن فسأكون تعيسا إلى الأبد.
يجب إذن أن نحب القدر، أن نحب الحياة كما هي في كل تجلياتها.
فبكوننا سعداء الآن وهنا، حتى ولو كانت الحياة قاسية، فسنفوز بحياة سعيدة إلى الأبد.
الإيمان بالعود الأبدي يقضي على كل أمل في حياة مختلفة بعد الموت،
فكل ما ستعيشه بعد الموت هو ما سبق وعشته قبل الموت،
لا مفر وما عليك إلا أن تحب الحياة كما هي الآن.
نيتشه يحثنا على أن نتحلى بالشجاعة ونخلق سعادتنا مهما كانت الظروف،
أن نقول نعم للحياة بوعي تام لما فيها من فظاعة ومعاناة.
اختر الحياة التي ستعيشها ما لانهاية له من المرات، حياة ستتكرر إلى الأبد.
في كل مرة تقدم فيها على فعل ما ذكر نفسك أنك ستعيد هذا الفعل إلى الأبد.