الجريمة الملكية
في عام 1483 إختفى إدوارد وريث عرش إنجلترا البالغ من العمر 12 عاماً برفقة أخيه الأصغر ريتشارد من داخل البرج في لندن، و قد ساد الإعتقاد أنهما قتلا.
غيّر هذا الحدث تاريخ الملكية البريطانية. كان عمهما ريتشارد الثالث المتهم الوحيد بإرتكاب هذه الجريمة قتل الصبيين لاغتصاب العرش، لكن التحقيقات المعاصرة في هذه القضية أثارت شكوكاً بشأن هذا الإتهام الذي دام طويلاً.
في عرض لدوافع شخصين آخرين يشتبه بهما على نحو رئيسي، و في محاولة لكشف من كان الشرير الحقيقي. سوف نفتح ملف الجريمة الملكية من ملفات محيرة.
إن إختفاء ولدي إدوارد الرابع خليفي عرشه هو أكبر الألغاز الفاضحة في التاريخ الملكي البريطاني. منذ وفاته إتهم الملك ريتشارد الثالث بمقتل الولدين و شهر به جميع الملوك الذين خلفوه. حتى ويليام شكسبير خلّد صورة ريتشارد على أنه المسخ الغاصب، الذي استولى تاج إنجلترا وسط بحر من الدماء منها دماء إبني أخيه.
لكن المؤرخين المعاصرين يعدون هذا التصوير مليئاً بالمغالطات. فحياة ريتشارد موثقة على نحو جيد، كان الأخ المخلص لإدوارد الرابع و بمثابة أب للأميرين الصغيرين، فقد أؤتمن على رعايتهما بعد وفاة الملك إدوارد. و في ذلك الوقت عد ريتشارد الرجل الأنسب لإدارة البلاد بانتظار أن يكبر الولدان.
هو ليس الأحدب المشوه و هو ليس أيضاً الرجل الوحيد الذي يمكن أن تكون يداه قد تلطختا بدم الولدين. و أخيراً هل يمكن لمحاكمة لم يحظى بها ريتشارد الثالث أن تبرئه بعد 500 عام من الإشاعات.
في عام 1483 وضع ريتشارد الثالث الولدين في برج لندن. يعتقد المؤرخ البروفيسور –أ.ج بولارد- أن سجن الولدين لا يثبت ذنب ريتشارد. "الإنتقال إلى البرج ليس بالضرورة عملاً شريراً، و لاسيما أنه المكان الذي كان ينطلق منه عادة موكب التتويج. كان قصراً ملكياً كبيراً مقراً ملكياً لكن لاحقا فقط وربما بسبب ما جرى للولدين أصبحنا نربطه بالسجن الذي كانت تجري فيه تصفية الناس أو قتلهم." لا خلاف على أن ريتشارد كان يريد العرش و على أن طريقة حصوله عليه هي ما تثير الشكوك. في وقت ما من يونيو عام 1483 أعلن أن الولدين هما غير شرعيين على أساس أن والدهما الملك المتوفى كان مخطوباً لإمرأة أخرى قبل زواجه بوالدتهما. و بموجب القانون الكاثوليكي -آنذاك- فإن الولدين يعدان غير شرعيين. و ريتشارد هو الوريث الشرعي.
أيد البرلمان المطالبة، و بموجب مرسوم عرف باللقب الملكي أعطي الحق بالتاج قانونياً لريتشارد. يتهمه منتقدوه بفبركة هذا الإعلان، أما المؤرخون فيقولون إن هذا لا يجعل منه قاتلاً بالضرورة.
الدكتور -مايكل جونز- هو من أهم خبراء لغز أميري البرج. "حالما إستولى ريتشارد على العرش على نحو قانوني لم يعد الأميران في البرج يمثلان تهديداً بالنسبة إليه، فكونهما غير شرعيين لن يعطياهما الحق في الإرث بعد ذلك." تستند الإدعاءات بقتل ريتشارد للولدين إلى شائعات تقول إنهما إختفيا خلال زيارته لأملاكه في الشمال بعد أقل من شهر على إستلامه الحكم. لكن الإتهامات المنشورة لم تبدأ بالظهور إلا بعد مرور خمسين عاماً على وفاة ريتشارد. المحامي ورجل الدولة -السير توماس مور- صاغ هذه التهمة في كتابه (تاريخ ريتشارد الثالث.)
-ليندا بيدجون- هي خبيرة في تاريخ الملكية البريطانية وقد درست تسجيل -مور- للأحداث في العمق. " خلق توماس مور قصة مفصلة وهي أن ريتشارد أراد موت الأميرين، وقد قال له أحدهم أنا أعرف من يمكنه أن يساعدك." إن القاتل المحتمل هو -السير جيمس تيريل- خادم ريتشارد الأمين المخلص. وفقاً -لتوماس مور- فإن -تيريل- وإثنين من أتباعه قتلوا ولدي إدوارد خلال نومهما. هذه هي المؤامرة التي أثارها - شكسبير- فيما بعد. "ثم أزالوا الجثتين و دفنوها تحت السلم. " إن قصة -مور- تدين ريتشارد. في مكتبة -إيتون- اكتشف الدكتور -جوليان لوكسفورد- وثيقة يبدو أنها أيضاً تربط ريتشارد بموت الأميرين. "تقول القصيدة إن ريتشارد الثالث أهدر مخازن الثروة التي بناها سلفه إدوارد الرابع، وأنه أنهى ذريته قامعاً حقها في الملك." تعود هذه الأبيات إلى حوالي عام 1485 بعد وفاة ريتشارد مباشرة، لكن الخبراء يتناقشون بترجمة كلمة 'اضطهاد' التي استبدلت بكلمة 'قمع.' "إن هذه الكلمة تحمل الغموض الذي يشبه ببساطة الغموض الموجود في اللغة الإنجليزية الحديثة، و هي يمكن أن تعني أي شئ كما تعرف كتلميح خجول إلى خطة قتل. " بالرغم من ذلك فإن القصيدة تشهر بريتشارد، و لا تبتعد كثيراً عن إتهامه بجريمة القتل. هناك دليل آخر في القضية ضد ريتشارد الثالث ومرتكبي الجريمة الملكية، يأتي من اكتشاف حدث بالصدفة داخل برج لندن. خلال عملية الترميم التي جرت عام 1674 عثر العمال على هيكلين عظميين صغيرين تماماً كما ورد في قصة -توماس مور- كانا مدفونين تحت الدرج. و اليوم توجد لوحة تدل على المكان الذي عثر فيه على الرفاة، لكن المؤرخين شكوا فيما إذا كانت تلك العظام تعود فعلاً للأميرين.
في بداية الأمر تعتقد -ليندا بيدجون- أن الموقع الذي حدده -مور- هو خطأ في الأساس. "إن نبش درج حجري يتطلب عدداً من العمال وأسابيع عديدة ليس أمراً يمكنك تحقيقه بين ليلة وضحاها، و أصلاً نحن نتكلم عن الخوض في الأساسات." و على نحو حاسم ليس هناك أيضاً أي دليل قاطع يؤكد لمن تعود تلك العظام فعلاً. "نحن لسنا متأكدين من جنس هذين الولدين، كما أنه لا يمكننا تحديد العمر على نحو دقيق كما زُعم فالشك فيما إذا كانا الأميرين فعلاً مازال قائماً." إذا كانت تلك العظام تعود للأميرين فذلك يدعم إدعاءات -مور- لكن الأسرة الملكية الحالية ترفض إجراء أية تحاليل.
يهدف العمل الجاري إلى التعرف إلى هوية الهيكلين لكن إلى أن يجري الربط بين الجثتين و ريتشارد الثالث يبقى ما هو أكثر من التكهنات التي تربط بينه و بين موت الأميرين. على الرغم من تبادل الإتهامات على مدى قرون فإن القضية ضد ريتشارد لا تزال ضعيفة على نحو مدهش. فمزيد من التحقيق يكشف إحتمال وجود جناة آخرين.
الرجل الأول الذي يستحق المزيد من التدقيق هو دوق باكنجهام -بيتر أودونوغهيو- هو الأمين على أثمن مخطوطات إنجلترا. "ما لدي هنا هو سجلات أعتقد أن تاجر من لندن هو من كتبها كان يضيف إليها معلومات كل سنة، في القسم 3 الخاص بالعام 1482 كتب هذه السنة أعدم ولدا الملك إدوارد الرابع في برج لندن من قبل نائب دوق باكنجهام." هذه الوثيقة هي واحد من الملفات القليلة الباقية التي ربما تظهر ما جرى في السنة التي إختفى فيها الأميران، إنها تدين باكنجهام بصراحة. "هذه أقدم وثيقة موجودة لدينا تظهر ما كان يقوله سكان لندن آنذاك." حين نجح ريتشارد بالإستيلاء على العرش ثبت باكنجهام مكانته و أصبح الرجل الثاني الأكثر نفوذاً في البلاد، إنه واحد من القليلين الذين كان يمكنهم الوصول إلى الأميرين.
المحامي والمؤرخ -بيرت فيلدز- أجرى تحقيقاً بشأن جميع المتهمين في القضية. "دوق باكنجهام الذي كان النبيل الأعلى مرتبة في البلاد كان رجلاً لئيماً و غير مستقر، أعتقد أنه كان أنانياً جداً لدرجة أنه إستاء من ريتشارد لكونه الملك. لأن باكنجهام رأى أنه له الحق في العرش." بما أن باكنجهام كان اليد اليمنى لريتشارد فقد كان دائماً بجانبه، لكن عند زيارة ريتشارد الأولى لاكسفورد بعد تتويجه لم يكن باكنجهام في لائحة الوفد الملكي. إن بقاء باكنجهام في لندن يجعل وصوله للأميرين أمراً سهلاً، فإبعاد الولدين عن دربه هو خطوة هائلة باتجاه العرش وخصوصاً إذا ورط ريتشارد. "إن نظرية ذنب باكنجهام تكون التالية يتخلص من الأميرين يتهم ريتشارد و يدمره على أنه المجرم. أعتقد أن هذا إحتمال واقعي نظراً لشخصية باكنجهام العصبية والمتقلبة." لو كان باكنجهام قد قتل الأميرين لكان من شبه المؤكد أن يواجهه ريتشارد. عقد الرجلان إجتماعاً كل ما قيل بقي لغزاً لكن بعدها بوقت قليل قام باكنجهام بخطوته لقد خان الملك. "أنا أشك في أنه كان يخطط للإستيلاء على العرش بنفسه." ليطيح باكنجهام ريتشارد كان بحاجة إلى الدعم، لجأ إلى الرجل الذي يظنه الخبراء المتهم الآخر المحتمل في جريمة أميري البرج -هنري تيودر- الذي أصبح فيما بعد الملك هنري السابع. "كان حق هنري بالعرش ضعيفاً جداً، بالأحرى أعتقد أنه لم يكن لديه أي حق أبداً." فهنري ينحدر من سلالة الأم فيها ممنوعة من الخلافة. "لهذا كان حقه ضعيفاً جداً، لكن كان لديه الكثير من السلطة." ينمتي هنري إلى العائلة الأكثر نفوذاً في إنجلترا لدرجة أنه كان بإمكانه تكوين جيش كامل بسرعة فائقة. إن رغبته في الحصول على العرش هي سبب دعمه لتمرد باكنجهام، لكن الثورة فشلت فأمر ريتشارد بإعدام باكنجهام. لاذ هنري بالفرار مؤجلاً المعركة إلى وقت آخر و بعد سنتين تحدى ريتشارد و هزمه في مواجهة ملحمية. إعتمد الإنتصار في معركة بوسورثفيلد على السياسة لا على الشجاعة. تعرض ريتشارد للخيانة للمرة الثانية، فقد إتضح أن حليفة -إيرل نورثمبرلاند-كان خائناً، فقد سحب رجاله تاركاً ريتشارد مع عدداً قليلاً من المحاربين و إدعى هنري أن معارضته لريتشارد كانت بسبب قتله للأميرين الشابين. إن رد فعل الناس على سقوط الملك يوحي بأن العديد من رجال البلاط لم يصدقوا بالضرورة قصة هنري.
"كان ريتشارد محبوباً على نحو خاص في الجانب الشمالي من إنجلترا، لقد خانه نورثمبرلاند في المعركة وعندما عاد هذا الأخير إلى ملكيته في الشمال قتله أهل منطقته الذين لم يتقبلوا فكرة العيش مع هذا الواقع، واقع أنه قد خان بطلهم." الآن و قد مات ريتشارد إستولى هنري على العرش وأصبح الملك هنري السابع أول ملك من سلالة تيودر، و قد عزز نسبه الملكي عندما وعد بالزواج بأخت الأميرين. لكن المفارقة هي أنه بجعلها الملكة أعاد ترسيخ حق الولدين بالعرش بإلغاء عدم شرعيتهما. "إذا كانا غير شرعيين إذا فزوجته غير شرعية أيضاً، و إذا كانت هي غير شرعية فهذا يعني أنه ليس الملك فعلاً فماذا كان ملاذه لو كانا على قيد الحياة كان عليه قتلهما." الآن و قد أصبح الملك المنتصر أصبح لهنري السيطرة الكاملة على برج لندن. لم يواجه رجاله أي مشكلة في العثور على مراهقين. خلال حكمه قام عديم الرحمة هنري بقتل الناس بمن فيهم الأميران و قريبه ذو العشر سنوات و أفراد من عائلته. و ما إن ضمن مستقبل سلالة تيودر حتى بدأ بإعادة كتابة تاريخها و ذلك بإتلاف الوثائق. "و أول ما حدث عندها هو قمع اللقب الملكي." إن اللقب الملكي هو المرسوم البرلماني الذي يفصل عدم شرعية الأميرين و يرسخ حق ريتشارد بالعرش. "سياسياً كان عليه أن يتخلص من هذه الوثيقة المزعجة لأنها تشهر و تسئ إلى سمعة ملكته العتيدة." بإتلاف اللقب الملكي لم يبرأ هنري إسم زوجته فحسب، بل أنزل أيضاً ريتشارد إلى مرتبة غاصب و خلق عن غير قصد كبش الفداء في جريمة الأميرين. "خلق هذا تأثيراً تضخم مع الوقت، و هو أنه لم يكن لريتشارد أي أساس يمنحه الحق بعرش إنجلترا و هذا طبعاً هو تشويه أخذ بالإزدياد." تابعت سلالة تيودر الملكية حملتها ضد ريتشارد و خلال حكم الملكة إليزابيث الأولى حفيدة الملك هنري وصفه شكسبير بقاتل الأطفال الأحدب. لكن المؤرخين يخالفون تصوير ريتشارد الثالث كوحش شرير ويعدونه تشويهاً فظاً. "لقد جرى تشويه شخصية ريتشارد و كذلك شوه شكله الجسدي و طبعاً من المفروض أن يكون أحدهما إنعكاساً للآخر." في الواقع أن تشهر بريتشارد سلالة تيودر الملكية بأكملها هو سبب كاف للشك في إستمرارية نظرية كونه قاتلاً. بالرغم من إدعاءات تيودر ليس هناك دليل على أن ريتشارد قتل الولدين، حسب الأدلة فإن هنري و باكنجهام هما في موضع الشك أيضاً. بعد موت ريتشارد قام الشعب بعصيانين مدعياً أن الأميرين عادا من المنفى. لقد عرف العصيان الأول بإسم - لامبورد سمنو- و سادت الإشاعات القائلة إن الأميرين قد عادا، لم يظهر أي أثر لأي من الولدين حتى بعد قمع هنري للثورة. لكن العصيان الثاني بعد ثماني سنوات هز ملكية تيودر في الصميم. "حوالي عام 1490 تقدم أحدهم إلى محكمة بورغوندي مدعياً أنه ريتشارد دوق يورك الأمير الأصغر بين أميري البرج." إتهمه هنري بأنه من عامة الشعب و يدعى -بيركن ووربيك- و ليس الأمير ريتشارد، لكن العديد من الناس لم يصدقوه. "هذا المدعي إذا كان حقاً يدعي و سلسلة المؤمرات و الثورات تلك هما جوهر القصة." أياً يكن بيركن ووربيك فقد جذب مجموعة أنصار هم من كبار هذه الحقبة، إذ تجمع حوله كلاً من مارغريت شقيقة الملك ريتشارد الثالث، شارل الثامن ملك فرنسا، ملك إسكتلندا و الإمبراطور الروماني. "و من جهة أخرى، كان هناك داعم من داخل البلاط و كان هذا أكثر ما أقلق هنري السابع حاجبه الخاص السير ويليام ستانلي." لقد سمع ستانلي يقول: إنه لو كان ووربيك هو الأمير ريتشارد فسيتحالف معه. "كانت هذه الكلمات كافية لتودي بالسير ويليام إلى المقصلة لكونه الخطر الكامن في الداخل." إن قضية ووربيك خلقت مشكلة كبيرة للملك هنري ولكن في عام 1497 بينما كان يقود إجتياحاً على كورمول على ساحل إنجلترا الجنوبي أسر و أرسل إلى البرج في النهاية إعترف بأنه ليس أحد الأميرين. "كان هناك العديد من الثغر في إعترافه، كأنه كان يلمح إلى شئ ما أنا لست بيركن ووربيك و هو الإسم الذي منحوه إياه و أعتقد أنه كان يقول أنه الأمير الأصغر. " من المؤكد أن الملك هنري قد عذب أسيره هذا و قتله. و بموته توقفت كل الإجتياحات. "أعتقد أننا يجب أن نأخذ على محمل الجد إمكان أن يكون بيركن ووربيك هو فعلاً ما إدعاه، أي أن يكون الآمير الأصغر في البرج دوق يورك ريتشارد الوريث الشرعي للعرش أي ملك إنجلترا ريتشارد الرابع." لقد أتهم العديد من الناس في جريمة الأميرين. أكثر من شهر بهم كان ريتشارد الثالث الذي أعلن مذنباً من دون محاكمة. أما هنري تيودر و دوق باكنجهام الخائن فهما أيضاً مسؤولان و على القدر نفسه. من المستحيل معرفة قاتل الولدين إلا إذا ظهرت أدلة جديدة.
لكن لو كان الأميران قد هربا كما يعتقد الخبراء، و عاد بيركن ووربيك أي ريتشارد الصغير للمطالبة بالعرش فسيكون هنري تيودر هو من قتله.