٤،١٦،١٠٨ - الماء
الْمَاءُ هُوَ الْمَادَّةُ الأَكْثَرُ شُيُوعًا عَلَى الْأَرْضِ. وَيُغَطِّي أَكْثَرَ مِنْ ٧٠٪ مِنْ سَطْحِ الْأَرْضِ. يَمْلَأُ الْمَاءُ الْمُحِيطَاتِ وَالْأَنْهَارَ وَالْبُحَيْرَاتِ، وَيُوجَدُ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ وَفِي الْهَوَاءِ الَّذِي نَتَنَفَّسُهُ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، وَلَا حَيَاةَ دُونَ مَاءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾. كُلُّ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ (نَبَاتٌ، حَيَوَانٌ، إِنْسَانٌ) لَا بُدَّ لَهَا مِنَ الْمَاءِ كَيْ تَعِيشَ. وَفِي الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ كُلَّ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ تَتَكَوَّنُ غَالِبًا مِنَ الْمَاءِ، وَكَمَا أَنَّ ثُلُثَي جِسْمِ الْإِنْسَانِ يَتَكَوَّنُ مِنَ الْمَاءِ، وَثُلَاثَةَ أَرْبَاعِ جِسْمِ الدَّجَاجِ مِنَ الْمَاءِ.
كَانَ الْمَاءُ عَبْرَ التَّارِيخِ وَلَا يَزَالُ عَصْبَ الْحَيَاةِ؛ فَقَدِ ازْدَهَرَتِ الْحَضَارَاتُ الْمَعْرُوفَةُ حَيْثُمَا كَانَتْ مَصَادِرُ الْمَاءِ وَافِرَةً، وَكَمَا أَنَّهَا انْهَارَتْ عِنْدَمَا قَلَّتْ مَصَادِرُ الْمِيَاهِ. وَتَقَاتَلَ النَّاسُ مِنْ أَجْلِ حُفْرَةِ مَاءٍ، وَعَلَى الْعُمُومِ، فَعِنْدَمَا يَتَوَقَّفُ هُطُولُ الْأَمْطَارِ تَذْبُلُ الْمَحَاصِيلُ وَتَهِمُّ الْمَجَاعَةُ الْأَرْضَ، وَأَحْيَانًا، تَسْقُطُ الْأَمْطَارُ بِغَزَارَةٍ وَبِصُورَةٍ فَجَائِيَّةٍ، وَنَتِيجَةً لِهٰذَا فَإِنَّ مِيَاهَ الْأَنْهَارِ تَطْفَحُ وَتَفِيضُ فَوْقَ ضِفَافِهَا، وَتُغْرِقُ كُلَّ مَا يَعْتَرِضُ مَجْرَاهَا مِنْ بَشَرٍ وَأَشْيَاءٍ أُخْرَى.
فِي أَيَّامِنَا الْحَاضِرَةِ ازْدَادَتْ أَهَمِّيَّةُ الْمَاءِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، فَنَحْنُ نَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ فِي مَنَازِلِنَا لِلتَّنْظِيفِ. وَالطَّبْخِ، وَالِاسْتِحْمَامِ، وَالتَّخَلُّصِ مِنَ الْفُضْلَاتِ. كَمَا نَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ لِرِيِّ الْأَرَاضِي الْزِّرَاعِيَّةِ الْجَافَّةِ، وَذٰلِكَ لِتَوْفِيرِ الْمَزِيدِ مِنَ الطَّعَامِ. وَتَسْتَعْمِلُ مَصَانِعُنَا الْمَاءَ أَكْثَرَ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا لِأَيِّ مَادَّةٍ أُخْرَى. وَنَسْتَعْمِلُ تَدَفُّقَ مِيَاهِ الْأَنْهَارِ السَّرِيعِ وَمَاءِ الشَّلَّالَاتِ الصَّاخِبَةِ الْمُدَوِّيَةِ لِإِنْتَاجِ الْكَهْرَبَاءِ.
إِنَّ احْتِيَاجَنَا لِلْمَاءِ فِي ازْدِيَادٍ مُسْتَمِرٍّ، وَفِي كُلِّ عَامٍ يَزْدَادُ عَدَدُ سُكَّانِ الْعَالَمِ. كَما أَنَّ الْمَصَانِعَ تَنْتِجُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ وَتَزْدَادُ حَاجَتُنَا إِلَى الْمَاءِ. نَحْنُ نَعِيشُ فِي عَالَمٍ مِنَ الْمَاءِ، وَلَكِنَّ مُعْظَمَ هٰذَا الْمَاءِ - حَوَالَيْ ٩٧٪ مِنْهُ - يُوجَدُ فِي الْمُحِيطَاتِ. وَهُوَ مَاءٌ شَدِيدُ الْمُلُوحَةِ، إِذَا مَا اسْتُعْمِلَ لِلشُّرْبِ أَوِ الزِّرَاعَةِ أَوِ الصِّنَاعَةِ. وَنِسْبَةُ ٣٪ فَقَطْ مِنْ مِيَاهِ الْعَالَمِ عَذْبَةٌ. وَبِحُلُولِ عَامِ ٢٠٠٠م تَضَاعَفَ احْتِيَاجُ الْعَالَمِ لِلْمَاءِ الْعَذْبِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي ثَمَانِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، وَلَكِنَّ سَتَبْقَى هُنَاكَ كَمِّيَّاتٌ كَافِيَةٌ مِنْهُ تُلْبِي احْتِيَاجَاتِ الْبَشَرِ.
كَمِّيَّاتُ الْمَاءِ الْمَوْجُودَةُ عَلَى الْأَرْضِ فِي هٰذِهِ الْأَيَّامِ هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي السَّابِقِ، وَالَّتِي سَتَظَلُّ وَتَبْقَى لِلْمُسْتَقْبَلِ. وَكُلُّ قَطْرَةِ مَاءِ نَقُومُ بِاسْتِعْمَالِهَا، سَوْفَ تَجِدُ طَرِيقَهَا إِلَى الْمُحِيطَاتِ، وَهُنَاكَ تَتَبَخَّرُ بِفِعْلِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ، ثُمَّ تَعُودُ فَتَسْقُطُ عَلَى الْأَرْضِ ثَانِيَةً عَلَى هَيْئَةِ مَطَرٍ، وَهَكَذَا يُسْتَعْمَلُ الْمَاءُ ثُمَّ يُعَادُ اسْتِعْمَالُهُ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِنْفَادُهُ أَوْ فَنَاؤُهُ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. وَبِالرَّغْمِ مِنْ وُجُودِ كَمِّيَّاتٍ وَفِيرَةٍ مِنَ الْمَاءِ الْعَذْبِ فِي الْعَالَمِ، فَإِنَّ بَعْضَ الْمَنَاطِقِ تُعَانِي نَقْصَ الْمَاءِ؛ فَالْمَطَرُ لَا يَسْقُطُ بِالنِّسْبَةِ نَفْسِهَا عَلَى أَنْحَاءِ الْأَرْضِ، إِذْ إِنَّ بَعْضَ الْمَنَاطِقِ تَكُونُ جَافَّةً جِدًّا عَلَى الدَّوَامِ، بَيْنَمَا يَكُونُ بَعْضُهَا الْآخَرُ مَطِيرًا جِدًّا.