معركة الفراض | إختبار شديد للمسلمين في آخر معارك خالد بن الوليد بالعراق !! - Battle of Firaz
بعد عودة خالد بن الوليد من جديد إلى العراق من مدينة دومة الجندل
تمكن في أقل من شهر واحد
من سحق أربعة جيوش كاملة للفرس و العرب في أربعة معارك فاصلة
.. فبعد أن قام قادتُه بالقضاء على الجيوش الفارسية بنجاح
و السيطرة على مدن الحصيد و الخنافس حسب الخطة التي وضعها لهم
.. تقدم مع ألوية الجيش الخاصة به ونجح في القضاء على الجيوش العربية و بقية الجيوش الفارسية
في مدن المصيخ والثني و الزميل بإستخدام مناورة و تكتيك رائع
.. و واصل بعدها تقدمه حتى وصل لمدينة الرضاب و سيطر عليها
بعد ان فر منها العرب و تركوا له المدينة خالية
و يبدو أن سيف الله المسلول كان في طريق العودة من جديد إلى الحيرة
عندما وصلته اخبار جديدة في مدينة الفراض والتي استدعت تدخله السريع
فقد نما إلى علمه بأن هناك قوات كبيرة تتكون من الفرس و العرب و الروم ولأول مرة تتوافد إلى المدينة
بعد أن اتحدوا و كانوا في غاية التصميم على القضاء عليه
مدينة الفراض كانت على الحدود بين الشام و العراق
و لأن الشام كان يقع تحت سيطرة الروم البيزنطيين
فكان من الطبيعي أن تتواجد بها حامية قوية للروم بالإضافة لحامية آخرى من الفرس
و يبدو أن توغل خالد رضي الله عنه و وصوله إلى مدينة الرضاب
الرضاب قد أثار إستياء الروم بشدة نظرا لتوغله في أراضي تقع تحت نطاق سلطتها
و سلطة الغساسنة التابعين لهم
و لذلك قررت الحامية البيزنطية بالمدينة أن تضع الخلاف مع الحامية الفارسية جانبا
و أن يتحدا معا ولاول مرة من أجل القضاء على المسلمين
.. ولم تكتفي الحامية بذلك فقط
.. فقد قام الروم والفرس بمكاتبة بعض القبائل العربية التي تتبعهم
و طلبوا منهم أن ينضموا لهم سريعا بمدينة الفراض
فلم تكذب هذه القبائل العربية الخبر
و أسرع المقاتلون من قبائل تغلب و إياد و النمر
و انضموا جميعا إلى القوات البيزنطية و الفارسية بالمدينة ... وصل خالد رضي الله عنه إلى المدينة في شهر رمضان من العام الثاني عشر هجريا
... ونظرا لإنشغاله بالأعداء و بالخطر الذي يُحيق بهم
..قرر أن يفطر ومن معه من المسلمين
فقد كان الموقف مهيبا على الطرفين
فالمسلمون تحت قيادة خالد
قد تمركزوا جنوب نهر الفرات بإتجاه صحراء الشام.
.. و القوات المجتمعة من الروم والفرس و العرب تمركزت على شمال النهر
و لا توجد معلومات مؤكدة عن أعداد كل جيش
خاصة الجيش الإسلامي
ولكن بما أن الألوية التي صاحبت خالد في مهمته
للسيطرة على مدن المصيخ و الثني و الزميل كانت تبلغ خمسه عشر الف مقاتل
و لم تتكبد الخسائر خلال مسيرتها
.. فقد قدر الباحثون عدد الجيش الإسلامي بخمسة عشر ألف مقاتل في ذلك اليوم
تزيد أو تقل بعدد بسيط
... أما بالنسبة للجيش الآخر .. فقد اختلفت الكتابات حول عدده
.. فالمؤرخون الأوائل لم يذكروا صراحة عدد جيوش الروم والفرس و العرب في بداية القتال,
ولكن حسب نتائج المعركة فيما بعد
بعد فقد أشاروا إلى ان العدد كان أكثر من مائة ألف مقاتل ...
و عارض ذلك الرأي بعض المُحدثين
و أشاروا لعدم إمكانية تجمع هذا الكم من المقاتلين على أطراف الإمبراطورية الفارسية
بينما كانت العاصمة الخاصة بهم مُهددة
ويمكن أن يكون ذلك الرأي صحيحا لو كان التجمع من الجنود الفارسيين فقط
ولكن نظرا لأن موقع مدينة الفراض على الحدود بين أكبر إمبراطوريتين في ذلك الوقت
.. فقد كان من الطبيعي أن تتمركز حامية قوية من كل طرف من الروم و الفرس بالمدينة لحماية الحدود الخاصة بهم
.. و بما أن التجمع كان خليطا من القوات البيزنطية و الفارسية و المقاتلين من قبائل إياد و تغلب و النمر
فإمكانية تجميع هذا العدد الهائل كانت مٌتاحة في ذلك الوقت
.. كما أن كتابات المؤرخين الأوائل
قد اعتمدت على روايات بعض الأشخاص ممن شهدوا تلك الواقعة
و لذلك لا يوجد أدنى شك أن أعداد الروم و الفرس و العرب
كانت أكثر بعدة أضعاف من عدد جيش المسلمين في ذلك اليوم ...
ظل كل طرف يترقب الطرف الآخر على الجهات المتضادة من النهر
لمدة ستة أسابيع كاملة
دون أن يعبر أيا منهما إلى الآخر
وكانت القوات المشتركة تزيد في العدد يوما بعد يوم .
وكان كل جيش لا يرغب في عبور النهر حتى لا يخسر أفضلية الثبات و الإستعداد الخاصة به
... ولكن يبدو أن الروم والفرس والعرب قد سأموا الإنتظار و أرادوا أن ينهوا الأمر بعد تلك المدة
و لذلك في اليوم الخامس عشر من شهر ذي القعدة في العام الثاني عشر هجريا
تقدم قائد الجيوش المشتركة ونادي على المسلمين و قال
قال أما أن تعبروا إلينا أو نعبر إليكم
فصاح خالد من مكانه و قال بل تعبروا إلينا
... فقد كان لا يرغب على الإطلاق ان يخسر أفضلية المكان وكان يريد أن يستدرجهم حيث يريد
فطلب منه قائد الجيش الآخر ان يتراجع بجيشه حتى تعبر جميع القوات و يتقاتلوا بعد ذلك
ولكن خالد رفض آيضا ان يتراجع
ولكنه أعطاه كلمته بأنه سيترك القوات تعبر في سلام دون أن يتعرض لها
... فلم يجد القائد الآخر مفرا سوى الموافقة على كلام خالد
وأعطى الأوامر للجميع بعبور النهر
... فبدأت هذه الأعداد الهائلة من الجنود تعبر النهر و هي في خطر كبير
ولكن خالد أبقى على وعده لقائد الجيش الآخر و ترك قوات الأعداء تعبر في سلام
و لم يتعرض لها حتى أكتمل عبورها جميعا ....
تغير الوضع في مدينة الفراض و أصبح الجيشان في مواجهة بعضهما البعض و على وشك القتال
... فظل المسلمين ثابتين في مكانهم
بينما أصبح الروم والفرس والعرب في مواجهتهم و النهر من خلفهم
و لم يكن هناك أي مجال للرجعة ...
... ونادي القائد على القوات المشتركة وأمرهم بالتميز
حتى تقاتل كل فئة مع أفرادها و يعرفوا جيدا من يستميت ومن يتقاعس في القتال
.. فبدأت الصفوف تتحرك و تعيد ترتيب نفسها
حتى أصبح العرب يقاتلون جنبا إلى جنب و كذلك الحال بالنسبة للروم و الفرس
و بعد دقائق بسيطة من الترقب .. انطلقت إشارة القتال
تقدم كل جيش من مكانه واندفع سريعا حتى التحم مع الطرف الآخر
..و لم يكن هناك أي نزال او قتال قبل بدء المعركة كما حدث في السابق
فكان كل طرف يرغب سريعا في الإنتهاء من أمر المعركة و بسط السيطرة على المكان
و رغم كثرة عدد الجيوش المشتركة
.. إلا وأنهم على عكس المتوقع لم يستطيعوا إختراق صفوف المسلمين رغم محاولتهم العديدة
فإستمر القتال شديدا بين الطرفين
و كان يبدو أنه سيستغرق الكثير من الوقت حتى ينتهي
و لم يلاحظ أي شخص من الروم والفرس والعرب
ما كان يفعله فرسان المسلمين خلال القتال ....
فحسب أوامر خالد بن الوليد
كان فرسان المسلمين في الصفوف الخلفية
يستغلون إنشغال الجميع في المقدمة
و يقومون بالإلتفاف شيئا فشيئ خلف الجيوش المعادية لهم
.. وإستمر الحال على ذلك حتى نجح فرسان المسلمين في الإلتفاف بالكامل حول جيش الأعداء
و سيطروا على الجسور الواصلة بين طرفي النهر
و في هذه اللحظة
أصدر خالد بن الوليد الأمر لفرسانه بالإنقضاض على جيش الأعداء من كل جهة ....
فتقدم فرسان المسلمين سريعا
و قاموا بتوجيه الرماح نحو الروم و الفرس و العرب من كل جانب
.. و بدأووا في عزل أفراد الجيش تحت ضغط الرماح في مجموعات صغيرة
حتى يٌكملوا الدائرة عليهم
فينقضوا عندئذ عليهم و يخترقوهم بالرماح
وبعد سقوط من في الدائرة
.. يٌعيدون الكرة من جديد على مجموعة آخرى
حتى يٌبيدوها بالكامل
... فكان الأمر شديدا على جموع الروم و الفرس و العرب
وبدأ ضعاف النفوس في الفرار سريعا من المكان نحو النهر ...
ولكن أثناء محاولتهم للهرب
.. تصدى لهم فرسان المسلمين على الجسر و قاموا بقتلهم فورا .
.. فحاول البعض الآخر الهروب من خلال النهر
ولكن كان رماة الأسهم في إنتظارهم و أغرقوهم خلال عبورهم ...
فكان الأمر كارثيا على جيش الروم والفرس المُشترك
و حسب روايات الأوائل
و قتل منهم في ذلك اليوم ما يقرب من المائة ألف مقاتل خلال الإشتباك و المطاردة التي حدثت بعد إنتهاء المعركة .
أقام خالد عشرة أيام كاملة في الفراض
بعد إنتهاء المعركة ليشرف بنفسه على عمليات المطاردة و إستقرار الوضع في المنطقة
وبعد أن اطمئن و سيطر على المكان
أمر الجيش أن يعود مجددا نحو الحيرة مركز العمليات بالعراق.
وقام بتقسيم القوات إلى ثلاث فرق
فكانت المقدمة تحت قيادة عاصم بن عمرو التميمي
و من خلفها القوة الرئيسية للجيش و اخيرا المؤخرة بقيادة شجرة بن الأعز
.. و كان الجميع يعلم بأن خالد بن الوليد سيكون ضمن أفراد المؤخرة
حتى يطمئن على تنفيذ الجميع لأوامره بالتحرك السليم
... و فعلا انطلقت كل فرقة وراء الآخرى في طريق العودة للحيرة
ولكن لم يعلم أحد أن سيف الله المسلول كان في نيته أمر آخر
فخالد بن الوليد كان قد إتخذ القرار بأن يعود سريعا إلى مكة
لأداء فريضة الحج في سرية تامة مع بعض من أصحابه ..
فقد كان الوقوف بعرفات بعد أسبوعين من تاريخ خروجه من الفراض
و أراد أن يؤدي الفريضة و يشكر الله على الإنتصارات التي حققها وفتح العراق
ولكنه أراد أن يخفي خبر خروجه عن الجيش حتى لا يسبب إرتباكا بين صفوف الجيش
فلم يعلم بذلك سوى قائد المؤخرة فقط
و رغم ان الفراض كانت تبعد حوالي 1600 كيلومترا عن مكة,
.. إلا أن خالد استطاع قطع تلك المسافة في أقل من أسبوعين
بعدما سلك طريقا غير معتاد و في غاية الغرابة
وقام بالفعل بأداء فريضة الحج وهو متخفي في عمامته
ولم يدرك الخليفة او أي أحد ممن أدى فريضة الحج أن قائد جيش المسلمين بالعراق بينهم
وعندما إنتهى خالد و من معه من الفريضة بسلام
انطلقوا سريعا نحو مدينة الحيرة على الفرس الخاص به
و نجحوا في الوصول إليها مع وصول آخر كتيبة من مؤخرة الجيش و اندمجوا معها
حتى ظن الجميع أنهم لم يفارقوهم لحظة ...
كان هذا التصرف محط إنتقاد لخالد من عدة أشخاص فيما بعد
بعد و على رأسهم خليفة المسلمين أبو بكر الصديق رضي الله عنه
فخروجه و تركه للجيش في منطقة معادية
كان من الممكن أن يسبب خطرا كبيرا عليهم إذا ما إنتشر الأمر
.. وبالغ البعض و اتهموه بالغرور وبالتسبب في مغامرة بدون مبرر
.. ولكن أعتقد أن شخصية خالد المحنكة ...
لم تكن لتغامر أبدا بالجيش دون حساب
فكان هذا التصرف ينبع من ثقته برجاله و قادته
فهو كان يعلم أن الجيش يضم رجالا أمثال
المثنى بن حارثة و القعقاع بن عمرو و اخيه عاصم
و عدي بن حاتم الطائي و غيرهم من الرجال
التي أصقلتهم التجارب و الحروب المختلفة
وأثبتوا أكثر من مرة كفائتهم وحسن إدارتهم للأمور ...
ولكن على كل الحال
علم أبو بكر الصديق رضي الله عنه بذلك و إستاء بشدة
فأرسل له رسالة تنهاه بشده عن تكرار ذلك ألأمر مرة آخرى ..
.. و لم يكن ذلك كل ما جاء بخطابه لخالد بن الوليد رضي الله عنه
... فقد كانت تلك الرسالة تتضمن أمرا مفاجئا و عاجل التنفيذ لقائد جيش المسلمين بالعراق
.... فقد جاء الأمر صريحا له
بضرورة ترك العراق
!! و التوجه سريعا لنجدة المسلمين بالشام