فتح دمشق | حين إتحدت ألوية المسلمين ونجح خالد بن الوليد في دخول دمشق بعد حصار إستمر أربعة أشهر كاملة (1)
في اواخر شهر ذي القعدة من العام الثالث عشر هجريا
كتب المسلمون انتصارا حربيا رائعا على القوات البيزنطية
بالقرب من مدينة بيسان
بعد أن قاموا بتنفيذ الخطة العسكرية المحكمة التي وضعها خالد بن الوليد رضي الله عنه على أكمل وجه
و كنتيجة لذلك
فرت القوات البيزنطية من إقليم الأردن بعد ان تكبدت خسائر جسيمة في تلك المعركة
... وظل المسلمون بقيادة أبي عبيدة بن الجراح بالإقليم لمدة ثلاثة أشهر
و قاموا بعقد الصلح مع أهله و أبرموا العديد من الاتفاقيات مع مختلف المدن
فقاموا بعقد الصلح مع أهل بيسان و طبرية و غيرهما
و لم تتبقى مدينة بالاقليم لم تصالح المسلمين
ماعدا بعض المدن على الساحل الغربي مثل مدن صور و عكا و حيفا
ولذلك رأى أبو عبيدة أن الوضع حينئذ قد أصبح ممهدا أمام المسلمين للتوجه نحو دمشق
والالتحاق بلواء يزيد بن ابي سفيان هناك لفرض الحصار عليها وضمها
في خلال إنشغال المسلمين بعقد الصلح بإقليم الأردن
كانت الأنباء قد وصلت إلى هرقل بهزيمة الروم الساحقة في المعركة السابقة أمام المسلمين
فعقد الرجل اجتماعا ضم عدد كبير من الفرسان و أهم القادة بالجيش البيزنطي
و اشتد غضبه بسبب فشل الجميع في التعامل مع المسلمين حتى الآن
فقد هزموا في جميع المواضع التي واجهوهم فيها حتى هذه اللحظة
وأخذ يصيح فيهم و يطلب الاستماع لمقترحاتهم حول كيفية تخطي تلك الهزائم
و بينما كان الجميع يتناقش في ذلك الأمر
أقبل وفد من أهالي قيسارية و ايلياء او القدس و أخبروه انهم مازالوا على عهدهم بالولاء له
و كراهيتهم للعرب القادمين من شبه الجزيرة العربية
.. و طلبوا منه المدد و أن يساعدهم في مواجهة المسلمين
فاستجاب لهم هرقل و بدأ على الفور في وضع خطة جديدة للتصدي للمسلمين
مدينة دمشق كانت تُسمى فيحاء الشام
فقد كانت حاضرة متألقة تحتوى على كل مظاهر الجمال و الثروات المختلفة
وكانت تتوسط بقعة واسعة مليئة بالأشجار والزرع والأنهار تسمى بالغوطة
وتقع تحديدا إلى الجنوب من جبل قاسيون
و كان يحيط بالمدينة سور ضخم يبلغ ارتفاعه احد عشر مترا من كل الجهات
وحول هذا السور
كان هناك خندق ضخم ملئ بالمياه يقترب من السور في بعض الأماكن و يبتعد عنها في بعض الاماكن الآخرى لمسافة قد تصل إلى 20 متر
.. و إلى الشمال منها كان هناك نهرا ليس له أهمية عسكرية
وكان هناك حوالي ستة أبواب هامة منتشرة بالسور تؤدي إلى المدينة
أكبرها على الإطلاق هو باب الجابية في الغرب و الباب الشرقي
وكان هناك سوق كبير يمتد بطول المسافة بين هذين البابين
.. وكانت كل الأبواب حول المدينة مصفحة بالحديد الثقيل ..
وقد حاول جيش المسلمين كثيرا اقتحام تلك الأسوار في مرات عديدة من قبل
.. فقد حاصروها عندما آتى خالد بن الوليد من العراق
و فكوا الحصار عنها سريعا عندما توجهوا لفتح مدينة بصرى
.. ثم عادوا وحاصروها من جديد قبل أن يرفعوا الحصار مرة آخرى لملاقاة الروم في أجنادين
وعادوا بعد ذلك مرة آخرى لحصارها قبل أن يتوجهوا مجددا إلى مدينة فحل و يقضوا على جيش الروم هناك
ولذلك عندما فرغ أبو عبيدة من اجراء معاهدات الصلح مع أهالي المدن في إقليم الأردن
كان في غاية التصميم على التوجه إلى دمشق وضمها بنجاح في تلك المرة
وبالفعل عندما وصل إلى المدينة
أصدر الأوامر سريعا بالسيطرة على غوطة دمشق و ما حولها من أماكن
فقد كان يريد تضييق الخناق على المعتصمين بالأسوار
و قطع الإمدادات عنهم حتى يضطروا للإستسلام
فانتشر المسلمون و سيطروا على غوطة دمشق و ما حولها من أراضي
والتي كانت خالية من جميع السكان بعد أن لجأوا جميعا إلى أسوار المدينة للإحتماء بها
ولأنه كان يتوقع وصول القوات البيزنطية لدعم أهالي دمشق من جهة حمص
.. أرسل أبو عبيدة قوتين من رجال المسلمين حتى تكون خط دفاع أول لهم أمام الروم
و تقطع الطريق أمام وصولهم إلى دمشق
فاستقرت القوة الأولى بقيادة ابي الدرداء عند سفح جبل قاسيون
.. و استقرت القوة الثانية بقيادة ذي الكلاع الحميري على بعد 45 كيلومترا من دمشق في اتجاه حمص
وبعدها قام أبو عبيدة بتقسيم الجيش الإسلامي إلى عدة ألوية
و أسند مهمة قيادتهم إلى أهم رجاله
و أمرهم بحصار جميع أبواب مدينة دمشق الصالحة للحصار
فنزل هو عند باب الجابية في غرب المدينة كما فعل في السابق
و نزل خالد بن الوليد عند الباب الشرقي كما اعتاد كذلك أمام دير على مسافة ميل منه
.. أما يزيد بن أبي سفيان
فقد نزل بين الباب الصغير و باب كيسان او باب يونس كما عرف عندئذ في الجنوب
أما بالنسبة لشمال السور .. فقد استقر عمرو بن العاص بلوائه على باب الفراديس و نزل شرحبيل بن حسنة على باب توما
و كانت تعليمات ابو عبيدة واضحة للجميع و تضمنت ما يلي
على الجميع اقامة المعسكر خارج مدى السهام التي تٌطلق من الحصن
مراقبة الأبواب باستمرار وصد اي قوة بيزنطية تخرج لمقاومة المسلمين
تقديم النبالة للاشتباك مع نبالة الروم الذين يظهرون من فتحات الحصن
وبالفعل ما ان تلقت ألوية المسلمين تلك التعليمات
انتشر الجميع .. ونصبت الخيام و اغلقت جميع طرق الرئيسية والطرق الجانبية للهرب
.. وبدأ الحصار الأخير لدمشق
استمر الحصار لمدة ثلاثة أسابيع كاملة .. دون أن تحدث أي اشتباكات كبرى بين الطرفين
فقد اقتصرت المواجهة على رمايات النبالة خلال النهار
وكان المسلمون مصممين على استكمال الحصار حتى النهاية ..
وفي خلال تلك الفترة
كان خالد بن الوليد يقيم بالقرب من دير للنصاري أمام الباب الشرقي كما اعتاد في كل مرة كان يحاصر فيها المدينة
و كان معه قوة احتياطية تقدر ب400 فارس جاهزة لدعم القوة الرئيسية أمام الباب الشرقي في أي وقت
والتي كلف رافع بقيادتها
ولكن ما ان مرت تلك الاسابيع الثلاثة
حتى تحقق ما توقعه ابي عبيدة من قبل
.. فقد جاءت الأخبار في اليوم العاشر من شهر رجب
أن هناك قوة كبيرة من الروم تتقدم بسرعة من اتجاه حمص
.. و كانت هذه القوة على وشك الاشتباك مع القوة التي أرسلها أبو عبيدة كخط دفاع أولي من تلك الجهة
و في الحال انطلق خالد بن الوليد بعد سماعه لتلك الأنباء و اجتمع مع أبي عبيدة
.. و اتفق القائدان على ارسال خمسة آلاف فارس تحت قيادة البطل المغوار ضرار بن الأزور
لدعم القوة المرابطة في منطقة بيت لاهية
وأمروه بأن يتسلم القيادة هناك و يتصدى للقوة البيزنطية الآتية من حمص
و عينوا رافع كنائب له
.. و حذر خالد ضرار من التهور أو الاندفاع واخبره
ان يطلب التعزيزات إذا ما رأى ان القوات القادمة كبيرة في العدد عليهم ..
فاستجاب له ضرار و انطلق مع فرسان المسلمين على الفور
واستطاعوا الوصول لدعم اخوانهم قبل وصول القوات البيزنطية إلى المكان
وظل الجميع يترقب العدو
في صباح اليوم التالي .. بدأت القوة البيزنطية تظهر في المنطقة
فانتظر المسلمون توغلهم حتى اقترب رأس الجيش من موضع الكمين
.. و في اللحظة المناسبة
اطلق ضرار اشارة الهجوم
.. فاندفع المسلمون من على رأس الهضبة و هجموا على جيش الروم في الحال
... ولكن لدهشتهم الشديدة كان جيش الروم يتوقع ذلك الهجوم
فقد نجحوا في ترتيب الصفوف سريعا لمواجهة المسلمين و اصبح القتال جبهيا بين الطرفين
واستطاع الروم صد هجمات المسلمين بنجاح
والذي وضح لهم تفوق الروم العددي عليهم
.. ولكن يبدو أن ضرار لم يعبأ بالفرق بين الجيشين
.. فقد استمر في الهجوم عليهم حتى تقدم كثيرا و ابتعد عن رجاله
.. فاستغل البيزنطيون تلك الفرصة و استطاعوا اصابته بسهم في كتفه الأيمن
ورغم انه حاول القتال بعد ذلك
إلا انهم تجمعوا عليه و استطاعوا اصابته و أسره
.. و تم نقله إلى مؤخرة الجيش ...
فكان اسر ضرار ذا وقع سئ على المسلمين
.. ولكن رافع كان خير خلف له
.. فتسلم القيادة من بعده و حاول شن العديد من الهجمات لاسترداد ضرار
ولكنها باءت جميعا بالفشل
و استمر القتال و ايقن رافع انه لن يستطيع التعامل بمفرده مع تلك القوة
فقام بإرسال رسالة سريعا مع احد الفرسان إلى جيش المسلمين بالشام
ليطلب المدد كما اتفقوا من قبل
فوصلت الرسالة إلى خالد بن الوليد في ساعة العصر تقريبا ..
و ادرك مدى الخطر الذي تتعرض له القوات الإسلامية هناك و حاجتها للإنقاذ سريعا
و هذا يتطلب تدخله السريع و التوجه نحوهم بفرسان المسلمين
فلو تركهم دون مساعدة ربما تدمر تلك القوة بالكامل
و يتوجه الروم بعد ذلك نحوه و ينجحوا في مساعدة اهل دمشق ويفتكوا بالمسلمين
و لكنه في نفس الوقت إن ترك الحصار و توجه نحوهم برجاله سريعا
.. فسينقص من عدد القوات المحاصرة للباب الشرقي
و ربما تستغل حامية الروم بالمدينة تلك الفرصة و تهجم على من تبقى منهم بعد رحيله و تفتك بهم ..
وادرك ان الحل الوحيد للخروج من ذلك المأزق
هو بأن يرسل المدد إلى قوات المسلمين المشتبكة مع الروم
ولكن مع اخفاء تحرك الجيش من أمام دمشق
ولذلك .. قرر بأن يغامر و يحرك فرسان المسلمين على مجموعات صغيرة من مكانهم
دون أن يلاحظ أحد ذلك حتى ولو استغرق ذلك وقتا طويلا
و سلم قيادة الفرسان على الباب الشرقي إلى ميسرة بن مسروق
و انتظر حتى منتصف الليل
و انطلق في وقت بينه و بين الفجر مع من تبقى من رجاله في الظلام نحو المسلمين في بيت لاهية
وصل خالد في صباح اليوم التالي على رأس قوة مكونة من 4 الاف فارس لمكان القتال
و رأى مدى التعب والانهاك الذي اصاب المسلمون هناك
و الذين حاولوا الصمود قدر الامكان امام هجمات جيش الروم
فأصدر خالد الاوامر و اعاد تنظيم القوات سريعا ضمن صفوف جيشه
و لما تأكد من اصطفاف الجميع
.. أطلق إشارة الهجوم
اندفع المسلمون من جديد وهم في حالة من الحماس بوصول خالد بن الوليد إليهم نحو جيش الروم
والتحموا معهم سريعا بعنف
واستطاعوا الضغط عليهم بنجاح
و بدأ الجميع في البحث عن ضرار بن الازور ..
ولكنهم لم يجدوا له أي اثر
و علم المسلمون من بعض العرب
ان حوالي مائة من الروم قد قرروا نقل ضرار بن الأزور كأسير إلى هرقل ملك الروم وتقديمه كهدية له
... فغضب خالد بن الوليد من ذلك الأمر
و اصدر الأوامر سريعا إلى رافع بأن يأخذ مائة من الفرسان
و ينطلقوا بأقصى سرعة لديهم لقطع الطريق على رجال الروم و استرداد ضرار مهما كلف الأمر
.. فلم يضيع رافع الوقت و انطلق في الحال لتنفيذ أوامر قائده
... و ترك المسلمون يواصلون الضغط و الهجوم على القوات البيزنطية.
انطلق فرسان المسلمين تحت قيادة رافع سريعا ووصلوا إلى طريق حمص بعد بضعة ساعات .. و وصلوا إلى نقطة لم تصل إليها القوات البيزنطية بعد
فأقاموا لهم الكمين و انتظروهم
و بالفعل بعد وقت قصير
.. وصل رجال الروم الى المكان واندهشوا بشدة من هجوم المسلمين المفاجئ عليهم
فتم الفتك بالعديد منهم و تم أسر البقية
ونجح رافع في تحرير ضرار بن الأزور و انطلق عائدا نحو جيش المسلمين من جديد ...
و في تلك الأثناء
كان جيش المسلمين قد شد من الهجوم على الروم و ازداد تراجع الروم حتى اختل توازنهم و فقدوا الثقة في أنفسهم
.. فقرروا الانسحاب فورا نحو مدينة حمص
فلم يعطيهم خالد بن الوليد الفرصة
وامر بإرسال كتيبة من الفرسان تحت قيادة السمط بن الأسود لمطاردتهم
على أن يعود هو لاستكمال الحصار أمام دمشق قبل أن يحاول الروم هناك الخروج ومقاتلة المسلمين خارج الأسوار
.. فانطلقت الكتيبة بقيادة السمط بن الأسود
و استمروا في مطاردة الجميع حتى وصلوا إلى حمص
.. وتفاجأ المسلمون عندما وجدوا الروم قد تخلوا عنها و لجأوا إلى حصنها
.. و انتشر الفزع وسط اهالي المدينة بعد تخلي الروم عنهم
.. فحاولوا الاتصال بابن الأسود و أخبروه ان لا نية لهم في قتاله
وانهم على استعداد لعقد معاهدة سلام و اطعام اي جندي مسلم يقيم بالمدينة
فتبادل معهم الفارس المسلم الرسائل الودية و اعطاهم الأمان
.. ثم عاد بسلام إلى جيش المسلمين المرابط امام دمشق
استمر الحصار على مدينة دمشق لفترة من الزمن
و حتى يقطع ابو عبيدة الطريق على الروم و يمنعهم من تكرار محاولة الهجوم عليهم
ارسل المزيد من الدعم إلى قوات ابي الدرداء و ذي الكلاع المقيمة بالقرب منهم
فأصاب الذعر أهالي دمشق بسبب تأخر وصول الامدادات وازداد التوتر بينهم
وبدأ الحديث ينتشر عن إمْكانِيّة عقد الصلح مع المسلمين.
ولكن كان هناك خِلاف بين من يقيم بالمدينة عن هوية قائد المسلمين الذين سيحاولون الاتصال به
... فأبو عبيدة بن الجراح كان القائد المفضل عند الحامية البيزنطية بالمدينة للتواصل معه و عقد الصلح
.. فقد كان أحب اليهم من خالد بن الوليد والذي اشتهر بغُلظته و شدته على الروم..
أما اهالي دمشق المسالمون
فقد تقربوا من خالد بن الوليد و توددوا اليه
و كان هناك تواصل بينهم وبينه من خلال أسقف المدينة
والذي تقابل عدة مرات من قبل مع خالد بن الوليد خلال عمليات الحصار السابقة
.. فنشأت بينهما علاقة صداقة و وعده خالد من قبل بأن يحفظ العهد
ولذلك كان من الطبيعي أن يقف أسقف المدينة على السور و يدعو خالد إليه للتشاور في كثير من الأحيان
و ذات يوم قال الأسقف لخالد
يا أبا سليمان ..
إن أمركم مقبل و لي عليك وعد
فصالحني عن هذه المدينة
فطلب خالد من رجاله دواة و قرطاس و كتب له هذا العهد
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما اعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها
أعطاهم أمانا على أنفسهم و أموالهم و كنائسهم
و سور مدينتهم لا يُهدم