الرحلة الأولى
كان أبي تاجرا و عنده مال كثير، و قد مات و أنا ولد صغير.
فلما كبرت وضعت يدي على جميع ما ترك و عشت عيشة في غاية البذخ و الترف، و لم أنتبه لنفسي إلا بعد ضياع المال و الوقوع في بؤس الحال. ثم قمت فبعت الدار بما فيها من أثاث. و نويت على السفر، فاشتريت بضاعة و توجهت إلى مدينة البصرة فأخذت المركب مع جماعة من التجار و سرنا في البحر أياما إلى أن وصلنا إلى جزيرة كأنها روضة من رياض الجنة، فأرسى بنا صاحب المركب و نزل جميع من كان في المركب في تلك الجزيرة و عملوا لهم كوانين و أوقدوا فيها النار و إختلفت أشغالهم، فمنهم من صار يطبخ، و منهم من صار يغزل، و منهم من صار يتفرج؛ و كنت أنا من جملة المتفرجين في جوانب الجزيرة. فبينما نحن على تلك الحال و إذا بصاحب المركب يصيح بأعلى صوته: يا ركاب السلامة، أسرعوا و اطلعوا إلى المركب إن هذه التي أنتم عليها ما هي جزيرة و إنما هي سمكة كبيرة رست في وسط البحر، فتراكم عليها الرمل فصارت مثل الجزيرة و نبتت عليها الأشجار فلما أوقدتم عليها النار أحست بالسخونة فتحركت و هي الآن تنزل بكم في البحر فتغرقون فاطلبوا النجاة لأنفسكم قبل الهلاك. عندئذ أسرعنا إلى المركب فمن لحق به منا صعد و نجا، و من لم يلحقه أحاط به البحر و كنت من جملة من تخلف فأشرفت على الغرق. و لكني تعلقت بقطعة خشب كبيرة من القطع التي كنا نغزل عليها، فتشبثت بها و ركبتها و مكثت على ما أنا فيه إلى أن ألقت بي الأمواج على شاطئ جزيرة فيها فواكه كثيرة و عين ماء عذب، فإنتعشت نفسي و استعدت قوتي. و في أحد الأيام لاح لي شبح من بعيد فظننت أنه وحش أو دابة، فتمشيت نحوه و إذا هو فرس مربوطة على شاطئ البحر دنوت منها فصهلت و شبت فإرتعبت منها و أردت أن أرجع و إذا برجل يخرج من تحت الأرض و يصيح بي: من أنت؟ ثم أمسك بيدي و نزل بي إلى قاعة في سرداب تحت الأرض و سألني عن حالي فأخبرته بما كان من أمري، و سألته عن حاله فأخبرني أنهم جماعة متفرقون في هذه الجزيرة و هم سياس الملك المهرجان؛ و تحت أيديهم جميع خيوله، و في كل شهر عند ظهور القمر يأتون بالأفراس الجياد و يربطونها في ساحل الجزيرة و يختفون تحت الأرض حتى لا يراهم أحد. فيجئ حصان من خيول البحر على رائحة تلك الأفراس و يطلع على البر فيثب عليها و يقضي منها حاجته و الفرس تحمل و تلد مهرا أو مهرة ليس لها نظير على وجه الأرض و لا تقدر بثمن لأنها تصلح للصيد و الطراد في البر و البحر، و هذا وقت طلوع الحصان. و بعد أن إنتهى الرجل و أصحابه من مهمتهم قاموا و ركبوا الخيول، و أخذوني معهم إلى مدينة الملك المهرجان و أعلموه بقصتي فطلبني و أكرمني و جعلني عنده عاملا في ميناء البحر، و كاتبا على كل مركب عبر إلى البر و بقيت عنده مدة طويلة. و خلال عملي كنت أسأل التجار و المسافرين و البحريين عن مدينة بغداد لعل أحدا يخبرني عنها، فأروح معه و أعود إلى بلادي فلم يعرفها أحد. و رأيت في مملكة المهرجان جزيرة يقال لها كابول يسمع فيها ضرب الدفوف و الطبول طول الليل، و رأيت في البحر سمكة طولها 100 ذراع، و رأيت أيضا سمكا وجهه مثل وجه البوم، و رأيت كثيرا من العجائب و الغرائب. و لم أزل أتفرج على تلك الجزائر و ما فيها إلى أن رأيت يوما مركبا يقبل نحو الشاطئ، فلما وصل إلى ميناء المدينة و رسى نزل الريس و أطلع البحرية جميع ما كان في ذلك المركب إلى البر، فسألت الريس إن كان بقي في مركبه شئ فقال: نعم، معي بضائع و لكن صاحبها غرق في بعض الجزائر و نحن قادمون و في نيتنا أن نبيع بضائعه و نأخذ ثمنها لنوصله إلى أهله في بغداد، فسألت الريس عن اسم صاحب البضائع فقال: اسمه السندباد البحري، فلما سمعته ينطق باسمي أمعنت النظر فيه فعرفته و قلت يا ريس إعلم إني أنا السندباد البحري و هذه البضائع التي معك بضائعي و رزقي، ثم حكيت له قصتي منذ أن خرجت معه من بغداد إلى أن وصلنا تلك الجزيرة عند ذلك تحقق الريس و التجار من صدقي، فعرفوني و هنئوني بالسلامة؛ ثم أعطوني البضائع فأخرجت منها هدية نفيسة و طلعت بها إلى الملك، فأعلمته بوصول المركب الذي كنت فيه و أخبرته أن بضائعي وصلت كاملة و أن هذه الهدية منها. فتعجب الملك من ذلك و ظهر له صدقي في جميع ما قلته، فأكرمني و قدم لي هدايا ثمينة و بعد أن بعت البضائع و اشتريت بضاعة من تلك المدينة و شحنتها إلى المركب، إستأذنت الملك في السفر فودعته و نزلت المركب و سافرنا إلى أن وصلنا بالسلامة إلى ميناء البصرة.