×

Wir verwenden Cookies, um LingQ zu verbessern. Mit dem Besuch der Seite erklärst du dich einverstanden mit unseren Cookie-Richtlinien.


image

سلسلة المرأة, أنا مش شغالة البيت (2)

أنا مش شغالة البيت (2)

ما زلتُ أشعرُ بالرِّضا والإنجازِ

عندَما أوفِّرُ لزوجيَ الهدوءَ لينامَ وينالَ قسطًا منَ الرّاحةِ.

ما زلتُ أشعرُ بالسَّكينةِ عندَما يكونُ زوجي راضيًا عنّي.

ما زلتُ أعشقُ هذهِ التَّفاصيلَ، فهلْ أنا طبيعيَّةٌ أمْ أنَّ سوءًا مسَّني؟!

كلُّ ما سبقَ لا يعني أنَّني لا أعرفُ حقوقي،

ولا يعني إطلاقًا ألّا يكونَ لي إنجازاتٌ علميَّةٌ ومجتمعيَّةٌ"

وردَّ عليها زوجُها على حسابِهِ على العلنِ بالثَّناءِ والوفاءِ والامتنانِ والمودَّةِ لها،

وهوَ شيءٌ نشجِّعُه ما دامَ بأدبٍ

حتّى نُشيعَ النَّماذجَ الطَّيِّبةَ في هذا الوقتِ

الَّذي يشيعُ فيهِ نشرُ النَّماذجِ السَّلبيَّةِ،

وتنفيرُ الشَّبابِ والفتياتِ عنِ الزَّواجِ، وبناءِ حصنِ الأسرةِ.

محلُّ الشّاهدِ -يا كرام-

أنَّ الأختَ الفاضلةَ تعملُ ضمنَ مؤسَّسةِ الأسرةِ لأهدافٍ مشتركةٍ عظيمةٍ،

فتستمتعُ بأعمالِ البيتِ وتجدُ فيها ذاتَها.

ثاني الأسبابِ لتحوُّلِ عملِ البيتِ لمشكلةٍ: هوَ ضعفُ التَّربيةِ،

ستكونُ حلقتُنا القادمةُ عنِ التَّربيةِ بإذنِ اللهِ،

لكنْ نقولُ هنا في ما يتعلَّقُ بعملِ البيتِ:

منْ واجبِ الوالدَينِ أنْ يساعدا الولدَ على تحديدِ الأهدافِ،

وبناءِ الشَّخصيَّةِ، وتحمُّلِ المسؤوليَّةِ، ومعرفةِ الذّاتِ والهويَّةِ؛

أنتَ مسلمٌ تطيعُ اللهَ، تبرُّ والدَيكَ، وتُعينُهما وتبتغي بذلكَ الأجرَ والجنَّةَ.

يربِّيانِه على الانشغالِ بما ينفعُه وعدمِ الالتهاءِ بالتَّوافِهِ،

وكلُّ هذهِ التَّربيةِ بالفعلِ والقدوةِ قبلَ القولِ

وهيَ مسؤوليَّةُ الوالدَينِ المشتركةُ.

هؤلاءِ الأولادُ والبناتُ سيكونونَ عونًا لكِ في مهنةِ البيتِ،

رُبّوا منذُ نعومةِ أظفارِهِم على تحمُّلِ المسؤوليَّةِ،

ومعرفةِ ما لهُم وما عليهِم منَ العنايةِ بأنفسِهم ومتعلَّقاتِهم،

لكنَّهم لنْ يقوموا بهذا الواجبِ طواعيةً

إلّا إذا كنتِ أُمًّا مربِّيَةً متواصلةً تملئينَ عليهِم حياتَهم.

لا تتوقَّعي أنْ ترَيْ هذا النَّوعَ منَ الأولادِ

إنْ كانوا رُبّوا على يدِ الشَّغّالةِ، أوْ في الحضاناتِ،

بينَما أنتِ مُنشغلةٌ عنِ النَّجاحِ في الأساسيّاتِ، ومنْها رعايةُ الأسرةِ.

فالمرأةُ الَّتي لمْ تخترْ أنْ تكونَ مربِّيةً،

هيَ اختارَتْ بنفسِها أنْ تكونَ مجرَّدَ شغّالةٍ،

خاصَّةً إذا انضمَّ إلى تقصيرِها تقصيرُ الزَّوجِ.

الولدُ الَّذي لمْ تُغذِّهِ أمُّه بغذاءِ الرّوحِ والعقلِ،

ولمْ يجدِ الإشباعَ العاطفيَّ منها، وضَعُفَ التّواصلُ معَها،

بدلَ أنْ يشاركَ في مهنةِ البيتِ

سيلجأُ إلى الأكلِ الكثيرِ والنَّومِ الكثيرِ،

واتِّباعِ أهوائِه ورغباتِه والفيديوهاتِ السَّخيفةِ،

ويصبحُ متطلِّبًا مستهلِكًا، وحِملًا بدلَ أنْ يكونَ عونًا.

وهذا يأخذُنا إلى المشكلةِ الثّالثةِ، ألا وهي:

الاستكثارُ من َالاستهلاكيّاتِ والانغماسِ في الحياةِ المادِّيَّةِ،

وما ينتجُ منْها منْ متطلِّباتٍ منزليَّةٍ.

في [صحيحِ مسلمٍ]: «يا عائشةُ هلْ عندَكُم شيءٌ؟...

...قالَتْ: يا رسولَ اللهِ ما عندَنا شيءٌ، قالَ: فإنّي صائمٌ»،

هكذا، بكلِّ بساطةٍ!

تسيرُ الحياةُ بلا وجبةٍ لذلكَ اليومِ،

ولا تخربُ الدُّنيا إذا لمْ يكنْ هناكَ طبيخٌ جديدٌ،

بيتٌ تثورُ فيه مشكلةٌ لأجلِ طبخةٍ،

عادةً ما يكون بيتًا بلا هدفٍ عظيمٍ يعملُ لأجلِه جميعُهم.

المشكلةُ الرّابعةُ: ترفُّعُ الزَّوجِ عنْ عملِ البيتِ، وركِّزْ هنا في كلمةِ (ترفُّعٍ)،

فما هوَ أهمُّ منَ الجهدِ البدنيِّ الَّذي يضعُه هذا على المرأةِ، هوَ الأذى النَّفسيُّ

عندَما تحسُّ أنَّ زوجَها يرى منْ حقِّهِ أنْ يرميَ أغراضَه ويستعملَ مرافقَ البيتِ

ولا يكلِّفَ نفسَه بالمساعدةِ بالمرَّةِ، على اعتبارِ أنَّه واجبُ الزَّوجةِ.

بل نقولُ لهذا الزَّوجِ:

روى البخاريُّ أنَّ أمَّنا عائشةَ -رضيَ اللهُ عنْها- سُئلَتْ:

«ما كانَ النَّبيُّ -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يصنعُ في بيتِه؟ قالَتْ:

كانَ يكونُ في مهنةِ أهلِه -تعني خدمةَ أهلِه، فإذا حضرَتِ الصَّلاةُ خرجَ إلى الصَّلاةِ»

وفي الحديثِ الآخرِ قالَتْ عنْه -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-:

«ما كانَ إلّا بشرًا منَ البشرِ، كانَ يفلي ثوبَه -يعني ينظِّفُ ثوبَه،

ويحلبُ شاتَه، ويخدمُ نفسَه» [رواهُ البخاريُّ]،

هذا وهوَ أعظمُ رجالِ العالَمينَ.

ولنْ تكونَ أيُّها الزَّوجُ مشغولًا

بأعظمَ ممّا كانَ مشغولًا بهِ -صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِه وسلَّمَ،

ولمْ يفعلْها مرَّةً أوْ مرَّتينِ رفعًا للعتبِ،

بلْ كانَ هذا دأبًا له، «كانَ يكونُ في مهنةِ أهلِهِ»،

فهوَ - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- القائلُ:

«خيرُكم خيرُكُم لأهلِه، وأنا خيرُكُم لأهلي» [أخرجه التِّرمذيُّ].

فمهما كنتَ -أيُّها الزَّوجُ- مشغولًا

قُمْ بما تراهُ أدنى الأعمالِ في البيتِ إذا سَنحَتْ لكَ الفرصةُ

تطييبًا لخاطرِ زوجتِكَ، وتعليمًا لأبنائِكَ؛

ليعلَموا وتعلمَ زوجتُكَ أنَّكَ لا تترفَّعُ عنْ هذهِ الأعمالِ،

وإنَّما المسألةُ توزيعُ أدوارٍ ومسؤوليّاتٍ.

علَّقَتْ إحدى الأخواتِ على حلقةِ (البحثِ عنِ الذّاتِ) قائلةً:

"ما الذي يفرضُ على المرأةِ أساسًا أنْ تكونَ كلُّ أعمالِ البيتِ والأولادِ

-بل حتّى أحيانًا أهلِ الزَّوجِ- تقعُ على عاتقِ المرأةِ؟

أوَليسَ البيتُ والأولادُ منْ مسؤوليَّةِ المرأةِ والرَّجلِ على حدٍّ سواء؟"

فنقولُ -أيَّتُها الكريمةُ:

لا يفرِضُ الشَّرعُ على المرأةِ تحمُّلَ كلِّ شيءٍ -كما ذكرْنا،

وفي الوقتِ ذاتِه لا يصحُّ أنْ نقولَ

إنَّ البيتَ والأولادَ منْ مسؤوليَّةِ الزَّوجينِ على حدٍّ سواءٍ مناصفةً،

بلْ، ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]؛

فالأسرةُ حتّى تنشأَ وتستمرَّ لها متطلَّباتٌ واحتياجاتٌ:

النَّفقةُ، الحمايةُ، المسكنُ، التَّربيةُ، مهنةُ البيتِ...

النَّفقةُ والحمايةُ والمسكنُ على الزَّوجِ

التَّربيةُ مسؤوليَّةٌ مشتركةٌ،

طيِّبٌ مهنةٌ البيتِ على مَنْ؟ خاصَّةً والزَّوجُ ينفقُ ساعاتِ نهارِه في واجباتِه؟

فنقولُ: لذلكَ فإنَّما تؤدّي المرأةُ منْ أعمالِ البيتِ ما تستطيعُ،

ويكونُ الزَّوجُ عونًا لها فيهِ ويؤدّي لها ما لا تستطيعُ،

على وجهٍ تكونُ فيه المودَّةُ والسَّكينةُ والصُّحبةُ بالمعروفِ هيَ المحرِّكَ لكلٍّ منهُم.

ليسَ منْ مقصودِ الشَّريعةِ أنْ تشغلَ المرأةَ بمهنةِ البيتِ

كأنَّها عملٌ لازمٌ لها كالصَّلاةِ والصِّيامِ تأثمُ بتركِهِ،

إنَّما منْ مقصودِ الشَّريعةِ حصولُ الرِّعايةِ والعِشرةِ بالمعروفِ،

أنتِ في ذلكَ مديرةُ عمليّاتٍ تتابعينَ سيرَ الأمورِ داخلَ البيتِ بنفسِكِ،

منْ خلالِ أولادِكِ الَّذينَ همْ عونٌ لكِ...

المهمُّ في المحصِّلةِ: أنْ تحصلَ الرِّعايةُ بالحدِّ الأدنى -كما ذكرْنا،

لا وفقَ ثقافةِ الاستهلاكِ والاستكثارِ.

بِما سبقَ تفهمينَ -أيَّتُها الكريمةُ-

معنى قولِ جمهورِ الفقهاءِ: أنَّ مهنةَ المنزلِ ليسَتْ منْ عقدِ الزَّواجِ،

فعقدُ الزَّواجِ عندَهم على العلاقةِ الغريزيَّةِ الحلالِ بينَ الزَّوجينِ،

وعلى التَّربيةِ للأولادِ إنْ أنجبا،

وعقدُ الزَّواجِ عندَهُم لا يتضمَّنُ مهنةَ البيتِ كفرضِ عينٍ عليكِ أنتِ بذاتِكِ،

لكنَّهُم في الوقتِ ذاتِه لا يقولونَ للمرأةِ:

فليحصلْ بعدَ ذلكَ للبيتِ ما يحصلُ، ولا دخلَ لكِ بِه!

بلْ يعتبرونَ النُّصوصَ العامَّةَ في طاعةِ الزَّوجِ،

فما كانَ فيهِ منفعةٌ للمنزلِ والأسرةِ، ولا ضررَ على المرأةِ في القيامِ بِه ولا حرامَ،

فيصبحُ منْ حسنِ العشرةِ طاعةُ الزَّوجِ فيهِ.

طيِّب، إذا ضاقَتِ الحالةُ المادِّيَّةُ للأسرةِ،

واحتاجَتِ المرأةُ إلى العملِ لتساعدَ الزَّوجَ، وبإذنٍ -بلْ وأحيانًا- بضغطٍ منْهُ،

ألا يحمِّلُهُ ذلكَ مسؤوليَّةً أكبرَ في المشاركةِ في أعمالِ البيتِ؟

أمْ منْ حقِّهِ أنْ يقولَ لها: هذهِ مشكلتُكِ، دبري حالكِ!

ويتوقَّعُ منْها أنْ تؤدِّيَ الأدوارَ كلَّها

ولوْ على حسابِ صحَّتِها وقيامِها بالأساسيّاتِ منْ حقِّ نفسِها؟

بلْ نقولُ في هذهِ الحالةِ:

إنَّه منْ إحسانِها إلى زوجِها وبيتِها إنْ تحمَّلَتْ جزءًا منَ النَّفقةِ،

لأنَّه ليسَ واجبًا عليها أنْ تنفقَ على بيتِها -كما ذكرْنا،

فإنْ فعلَتْ ذلكَ فهوَ منْ تفضُّلِها عليهِ،

وعلى الزَّوجِ أنْ يُعينَها على تحقيقِ التَّوازنِ في حياتِها

بما يمكِّنُها منَ النَّجاحِ في الأساسيّاتِ،

وأنْ يقابلَ إحسانَها بالإحسانِ.

خامسُ مشاكلِ عملِ البيتِ:

عدمُ تمييزِ حدودِ الفضلِ والعدلِ.

الزَّواجُ والعلاقاتُ الأسريَّةُ -أيُّها الكرامُ- قائمةٌ في الإسلامِ على الفضلِ،

يعني الزِّيادةَ في العطاءِ منْ كلِّ طرفٍ للآخرِ عن الحدِّ الأدنى الواجبِ،

لا على الاكتفاءِ بالوقوفِ عندَ حدودِ العدلِ ورفضِ الزِّيادةِ عليْها،

فالإسلامُ لا يُعيِّنُ شُرطيًّا في البيتِ، ولا محاسِبًا، ولا قاضيًا ليقولَ

هذا واجبُكَ يا زوجُ، تعالَ رتِّبْ هنا!

هذا واجبُكِ يا زوجةُ، تعالَيِ اعملي هذا الشَّيءَ هناكَ!

لوائحُ وقوانينُ جافَّةٌ،

بلِ الإسلامُ يبني البيتَ على قواعدِ البرِّ والمودَّةِ والرَّحمةِ،

فيتسابقُ أفرادُه على خدمةِ بعضِهم البعض.

لكنْ في الوقتِ ذاتِه

الإسلامُ دينٌ يعالجُ الواقعَ بأدقِّ تفاصيلِه ومختلفِ حالاتِه،

فيراعي تقلُّباتِ مزاجِ الإنسانِ وفتورَ همَّتِهِ.

لذلكَ، صحيحٌ أنَّ كلًّا منَ الزَّوجِ والزَّوجةِ قدْ يقومُ بأعمالٍ هيَ فضلٌ،

لكنْ منَ الضَّروريِّ أنْ يكونَ معروفًا لدى الطَّرفينِ أنَّ هذا فضلٌ،

بحيثُ إذا انسحبَ منْه لظرفٍ ما كفتورِ همَّتِهِ،

أوْ كأنْ تؤثِّرَ أعمالُ فضلٍ كانَتْ تقومُ بها المرأةُ أوِ الرَّجلُ

على النَّجاحِ الأساسيِّ في العلاقةِ معَ اللهِ، أوْ في إعطاءِ النَّفسِ حقَّها،

فتوقَّفَ عنِ القيامِ بهذا الفضلِ،

فإنَّه لا يُلامُ ولا تُلامُ على أنَّهُ مقصِّرٌ أو مقصِّرةٌ،

وإذا حصلَ خلافٌ بينَهما

عادا للعدلِ الَّذي يحدِّدُ الحدَّ الأدنى منْ واجباتِ كلٍّ منهُما تجاهَ الآخرِ.

خدمةُ أهلِ الزَّوجِ هذهِ منَ الفضلِ،

إنْ قامَتْ بها زوجتُك فجزاها اللهُ خيرًا،

وإنِ امتنعَتْ فليسَ لكَ أنْ تغضبَ، ولا تلومَ، ولا تتَّهمَها بالتَّقصيرِ،

لأنَّهُ ليسَ واجبَها شرعًا، والشَّرعُ حاكمٌ عليكَ وعليها،

وإذا غضبْتَ فغضبُكَ غيرُ معتبَرٍ ولا يضرُّها عندَ ربِّها.

كذلكَ، هلْ يجبُ على الفتاةِ القيامُ بحاجاتِ إخوانِها الذُّكورِ؟

السُّؤالُ ناقصٌ مرَّةً أخرى، فإنْ كانَتِ التَّتمَّةُ:

إخوانِها الذُّكورِ الَّذينً يُمضونَ أوقاتَهم

على الـ(play station) والأرجيلةِ أوْ متابعةِ المبارياتِ

فالجوابُ قولًا واحدًا: لا وألفُ لا،

فالإسلامُ لمْ يجعلِ الأنثى خادمةً للذَّكرِ لذُكورتِه كما يتصوَّرُ البعض،

بلْ إنْ كانَتْ هيَ قائمةً بالأولويّاتِ وتحقيقِ الأهدافِ

كطلبِ العلمِ النّافعِ، ورعايةِ الصِّغارِ

لأصبحَ السُّؤالُ الَّذي ينبغي أنْ يُطرَحَ:

ألا يجبُ على أخيها -المتثاقلِ عنْ مسؤوليّاتِه ويعيشُ لشهواتِه-

أنْ يقومَ بشؤونِها، ويكفِيَها أعمالَ البيتِ، ويلبِّيَ حاجاتِها،

لتتمكَّنَ هيَ منْ أداءِ أعمالِها،

وإنْ كانَ هوَ ذا شنبٍ عريضٍ وعريضَ المنكبَينِ؟!

وإنْ كانَ إخوانُها قائمينَ بما عليهِم،

وأحبَّتْ أنْ تكوِيَ لهُم ملابسَ، أوْ تُهيِّئَ لهُم طعامًا

فهذا منَ الفضلِ والإحسانِ والمعروفِ

الَّذي يُطلَبُ -إنْ طُلبَ منْها- فضلًا لا أمرًا،

دونَ أنْ تُكلُّفَ منْ ذلكَ بما يشقُّ علَيها،

أوْ يشغلُها عنْ شأنِها الخاصِّ منْ عبادةٍ، أوْ طلبِ علمٍ، أو نحوَ ذلكَ.

وكذلكَ يُطلَبُ منَ الفتاةِ أنْ تُعينَ أمَّها في رعايةِ إخوتِها الصِّغارِ

الَّذينَ يَضيعونَ إذا لمْ يتلقَّوا الرِّعايةَ.

وهكذا تقومُ الحياةُ في الإسلامِ على الإحسانِ والبرِّ والفضلِ،

فإنْ حصلَ الخلافُ، فالعودةُ إلى حدودِ العدلِ.

عندَما يكونُ تفضُّلُكِ يؤذيكِ فإنَّك تعرفينَ كيفَ ترسمينَ الحدودَ فلا تضيعينَ،

فالمرأةُ ليسَتْ مطالَبةً أنْ تتفانى في خدمةِ الأسرةِ،

وتُغرِقَ في التَّفضُّلِ على الزَّوجِ والأولادِ أوْ إخوانِها،

على حسابِ نجاحِها في علاقتِها معَ ربِّها، وإعطاءِ نفسِها حقَّها،

بلْ: «فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه» [رواهُ البخاريُّ]،

فلا تخرجُ إلى دائرةِ التَّفضُّلِ ما لمْ تُحكِمْ دائرةَ أداءِ الواجباتِ.

والكلامُ ذاتُه نقولُه للرِّجالِ،

وكما أنَّ كثيرًا ممّا يُطلَبُ منَ المرأةِ هوَ أعمالُ فضلٍ لا توجبُها الشَّريعةُ علَيها،

فكذلكَ كثيرٌ منْ نفقاتِ الزَّوجِ علَيْها نفقاتُ فضلٍ لا توجِبُها الشَّريعةُ عليهِ،

فكمْ منَ امرأةٍ تظنُّ أنَّ منْ واجبِ زوجِها أنْ يوفِّرَ لها ما يمكِّنُها منْ مجاراةِ المظاهرِ

-كما يحصلُ في المناسباتِ مثلًا-

وليسَ هذا منْ واجبِه شرعًا، ولا يعتبرُ مقصِّرًا إنْ رفضَه.

فإنْ رضيَ الزَّوجانِ أنْ تسيرَ حياتُهُما بالفضلِ فبِها ونِعمَتْ،

وإنْ أصرّا على العدلِ، فليسَ منَ العدلِ أنْ يطالبَ أحدُهما بالفضلِ والآخرُ بالحدِّ الأدنى منَ العدلِ

وهذا مفتاحٌ مهمٌّ لمنْ يسعى في حلِّ مشاكلِ الأسرِ،

وإذا غفلَ عنْهُ كانَ سعيُه مرفوضًا منْ أحدِ الزَّوجينِ، إذْ يحسُّ بأنَّه مظلومٌ أو مظلومةٌ.

قد تعتبُ المرأةُ على زوجِها فتتوقَّفُ عنْ أعمالِ فضلٍ كانَتْ تعملُها،

وقدْ يفعلُ هوَ نفسَ الشَّيءِ،

فَهمُهُما لهذا التَّقسيمِ والحدودِ

يجعلُ ردَّةَ فعلِ الطَّرفِ الآخرِ -أقصاها- أنْ يكفَّ عنِ الفضلِ الَّذي كانَ يتفضَّلُ بهِ،

ولا يقصِّرَ في واجباتِ العدلِ،

وهوَ في ذلكَ غيرُ مسيءٍ، ولا لومَ عليهِ.

لكنَّ المشكلةَ أنَّ عدمَ فهمِهِما لهذهِ الحدودِ

يجعلُ ردَّةَ الفعلِ في تركِ واجباتِ العدلِ،

فيدخلُ كِلاهُما في حلقةٍ مُفرَغةٍ منَ التَّصعيدِ، وفي الفجورِ في الخصومةِ.

إذا فهمْنا هذا كلَّه -يا كرامُ-

أنَّ الإسلامَ يقومُ على التَّكاملِ لا الفرديَّةِ،

على التَّعاونِ لا الأنانيَّةِ،

وأنَّ الإسلامَ يجمعُ القلوبَ على الهدفِ الأعظمِ المشتركِ منْ تحقيقِ العبوديَّةِ للهِ،

ويُقيمُ الحياةَ الأُسريَّةَ على الفضلِ والعدلِ،

فإنَّنا سنفهمُ الوَصايا النَّبويَّةَ

الَّتي توصي أعضاءَ الفريقِ بعضَهم ببعضٍ،

وتقوّي مؤسَّسةَ الأسرةِ ضدَّ أيِّ غزوٍ خارجيٍّ.

نبيُّنا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- الَّذي قالَ:

«والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِهِ

لا تؤدّي المرأةُ حقَّ ربِّها حتّى تؤدِّيَ حقَّ زوجِها» [صحيحُ ابن حبان]،

هوَ نفسُه القائلُ: «استوْصوا بالنِّساءِ خيرًا» [رواهُ مسلمٌ].

نبيُّنا القائلُ للمرأةِ عنْ زوجِها:

«انظُري أينَ أنتِ منْه فإنَّما هوَ جنَّتُكِ ونارُكِ» [صحيح الجامع]،

هوَ أيضًا القائلُ: «خيرُكُم خيرُكُم لأهلِهِ» [رواهُ التِّرمذيُّ]؛

فجعلَ معيارَ الخيريَّةِ في الرِّجال خيريَّتَهم لنسائِهم،

هكذا الإسلامُ،

«إنَّ اللهَ أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه» [صحيحُ التِّرمذيِّ].

إذا فهمتِ هذا كلَّه

ستفهمينَ معنى قولِ نبيِّكِ -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ:

«إذا خطبَ إليكُم مَنْ ترضَوْنَ دينَه وخُلُقَه فزوِّجوهُ» [رواهَ التِّرمذيُّ]،

شخصٌ يشتركُ معكِ في الهدفِ الأعظمِ منْ تحقيقِ العبوديَّةِ للهِ،

وبالتّالي في الأولويَّاتِ، واحترامِ حدودِهِ فيها،

وتقاسمِ الأدوارِ وتحمُّلِ مسؤوليّاتِه فيها.

والشّابُّ سيفهمُ معنى قولِ نبيِّنا -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ:

«فاظْفَرْ بذاتِ الدّينِ تَرِبَتْ يداكَ» [رواهُ البخاريُّ]

ذاتُ الدّينِ الَّتي تشاركُكَ هذا كلَّه، لتقومَ البيوتُ على أساسٍ صحيحٍ.

وسنفهمُ معنى:

﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النّور: 54]

وكذلكَ معنى:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: 115].

والسَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ.

أنا مش شغالة البيت (2) I don't work at home (2)

ما زلتُ أشعرُ بالرِّضا والإنجازِ

عندَما أوفِّرُ لزوجيَ الهدوءَ لينامَ وينالَ قسطًا منَ الرّاحةِ.

ما زلتُ أشعرُ بالسَّكينةِ عندَما يكونُ زوجي راضيًا عنّي.

ما زلتُ أعشقُ هذهِ التَّفاصيلَ، فهلْ أنا طبيعيَّةٌ أمْ أنَّ سوءًا مسَّني؟!

كلُّ ما سبقَ لا يعني أنَّني لا أعرفُ حقوقي،

ولا يعني إطلاقًا ألّا يكونَ لي إنجازاتٌ علميَّةٌ ومجتمعيَّةٌ"

وردَّ عليها زوجُها على حسابِهِ على العلنِ بالثَّناءِ والوفاءِ والامتنانِ والمودَّةِ لها،

وهوَ شيءٌ نشجِّعُه ما دامَ بأدبٍ

حتّى نُشيعَ النَّماذجَ الطَّيِّبةَ في هذا الوقتِ

الَّذي يشيعُ فيهِ نشرُ النَّماذجِ السَّلبيَّةِ،

وتنفيرُ الشَّبابِ والفتياتِ عنِ الزَّواجِ، وبناءِ حصنِ الأسرةِ.

محلُّ الشّاهدِ -يا كرام-

أنَّ الأختَ الفاضلةَ تعملُ ضمنَ مؤسَّسةِ الأسرةِ لأهدافٍ مشتركةٍ عظيمةٍ،

فتستمتعُ بأعمالِ البيتِ وتجدُ فيها ذاتَها.

ثاني الأسبابِ لتحوُّلِ عملِ البيتِ لمشكلةٍ: هوَ ضعفُ التَّربيةِ،

ستكونُ حلقتُنا القادمةُ عنِ التَّربيةِ بإذنِ اللهِ،

لكنْ نقولُ هنا في ما يتعلَّقُ بعملِ البيتِ:

منْ واجبِ الوالدَينِ أنْ يساعدا الولدَ على تحديدِ الأهدافِ،

وبناءِ الشَّخصيَّةِ، وتحمُّلِ المسؤوليَّةِ، ومعرفةِ الذّاتِ والهويَّةِ؛

أنتَ مسلمٌ تطيعُ اللهَ، تبرُّ والدَيكَ، وتُعينُهما وتبتغي بذلكَ الأجرَ والجنَّةَ.

يربِّيانِه على الانشغالِ بما ينفعُه وعدمِ الالتهاءِ بالتَّوافِهِ،

وكلُّ هذهِ التَّربيةِ بالفعلِ والقدوةِ قبلَ القولِ

وهيَ مسؤوليَّةُ الوالدَينِ المشتركةُ.

هؤلاءِ الأولادُ والبناتُ سيكونونَ عونًا لكِ في مهنةِ البيتِ،

رُبّوا منذُ نعومةِ أظفارِهِم على تحمُّلِ المسؤوليَّةِ،

ومعرفةِ ما لهُم وما عليهِم منَ العنايةِ بأنفسِهم ومتعلَّقاتِهم،

لكنَّهم لنْ يقوموا بهذا الواجبِ طواعيةً

إلّا إذا كنتِ أُمًّا مربِّيَةً متواصلةً تملئينَ عليهِم حياتَهم.

لا تتوقَّعي أنْ ترَيْ هذا النَّوعَ منَ الأولادِ

إنْ كانوا رُبّوا على يدِ الشَّغّالةِ، أوْ في الحضاناتِ،

بينَما أنتِ مُنشغلةٌ عنِ النَّجاحِ في الأساسيّاتِ، ومنْها رعايةُ الأسرةِ.

فالمرأةُ الَّتي لمْ تخترْ أنْ تكونَ مربِّيةً،

هيَ اختارَتْ بنفسِها أنْ تكونَ مجرَّدَ شغّالةٍ،

خاصَّةً إذا انضمَّ إلى تقصيرِها تقصيرُ الزَّوجِ.

الولدُ الَّذي لمْ تُغذِّهِ أمُّه بغذاءِ الرّوحِ والعقلِ،

ولمْ يجدِ الإشباعَ العاطفيَّ منها، وضَعُفَ التّواصلُ معَها،

بدلَ أنْ يشاركَ في مهنةِ البيتِ

سيلجأُ إلى الأكلِ الكثيرِ والنَّومِ الكثيرِ،

واتِّباعِ أهوائِه ورغباتِه والفيديوهاتِ السَّخيفةِ،

ويصبحُ متطلِّبًا مستهلِكًا، وحِملًا بدلَ أنْ يكونَ عونًا.

وهذا يأخذُنا إلى المشكلةِ الثّالثةِ، ألا وهي:

الاستكثارُ من َالاستهلاكيّاتِ والانغماسِ في الحياةِ المادِّيَّةِ،

وما ينتجُ منْها منْ متطلِّباتٍ منزليَّةٍ.

في [صحيحِ مسلمٍ]: «يا عائشةُ هلْ عندَكُم شيءٌ؟...

...قالَتْ: يا رسولَ اللهِ ما عندَنا شيءٌ، قالَ: فإنّي صائمٌ»،

هكذا، بكلِّ بساطةٍ!

تسيرُ الحياةُ بلا وجبةٍ لذلكَ اليومِ،

ولا تخربُ الدُّنيا إذا لمْ يكنْ هناكَ طبيخٌ جديدٌ،

بيتٌ تثورُ فيه مشكلةٌ لأجلِ طبخةٍ،

عادةً ما يكون بيتًا بلا هدفٍ عظيمٍ يعملُ لأجلِه جميعُهم.

المشكلةُ الرّابعةُ: ترفُّعُ الزَّوجِ عنْ عملِ البيتِ، وركِّزْ هنا في كلمةِ (ترفُّعٍ)،

فما هوَ أهمُّ منَ الجهدِ البدنيِّ الَّذي يضعُه هذا على المرأةِ، هوَ الأذى النَّفسيُّ

عندَما تحسُّ أنَّ زوجَها يرى منْ حقِّهِ أنْ يرميَ أغراضَه ويستعملَ مرافقَ البيتِ

ولا يكلِّفَ نفسَه بالمساعدةِ بالمرَّةِ، على اعتبارِ أنَّه واجبُ الزَّوجةِ.

بل نقولُ لهذا الزَّوجِ:

روى البخاريُّ أنَّ أمَّنا عائشةَ -رضيَ اللهُ عنْها- سُئلَتْ:

«ما كانَ النَّبيُّ -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يصنعُ في بيتِه؟ قالَتْ:

كانَ يكونُ في مهنةِ أهلِه -تعني خدمةَ أهلِه، فإذا حضرَتِ الصَّلاةُ خرجَ إلى الصَّلاةِ»

وفي الحديثِ الآخرِ قالَتْ عنْه -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-:

«ما كانَ إلّا بشرًا منَ البشرِ، كانَ يفلي ثوبَه -يعني ينظِّفُ ثوبَه،

ويحلبُ شاتَه، ويخدمُ نفسَه» [رواهُ البخاريُّ]،

هذا وهوَ أعظمُ رجالِ العالَمينَ.

ولنْ تكونَ أيُّها الزَّوجُ مشغولًا

بأعظمَ ممّا كانَ مشغولًا بهِ -صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وصحبِه وسلَّمَ،

ولمْ يفعلْها مرَّةً أوْ مرَّتينِ رفعًا للعتبِ،

بلْ كانَ هذا دأبًا له، «كانَ يكونُ في مهنةِ أهلِهِ»،

فهوَ - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- القائلُ:

«خيرُكم خيرُكُم لأهلِه، وأنا خيرُكُم لأهلي» [أخرجه التِّرمذيُّ].

فمهما كنتَ -أيُّها الزَّوجُ- مشغولًا

قُمْ بما تراهُ أدنى الأعمالِ في البيتِ إذا سَنحَتْ لكَ الفرصةُ

تطييبًا لخاطرِ زوجتِكَ، وتعليمًا لأبنائِكَ؛

ليعلَموا وتعلمَ زوجتُكَ أنَّكَ لا تترفَّعُ عنْ هذهِ الأعمالِ،

وإنَّما المسألةُ توزيعُ أدوارٍ ومسؤوليّاتٍ.

علَّقَتْ إحدى الأخواتِ على حلقةِ (البحثِ عنِ الذّاتِ) قائلةً:

"ما الذي يفرضُ على المرأةِ أساسًا أنْ تكونَ كلُّ أعمالِ البيتِ والأولادِ

-بل حتّى أحيانًا أهلِ الزَّوجِ- تقعُ على عاتقِ المرأةِ؟

أوَليسَ البيتُ والأولادُ منْ مسؤوليَّةِ المرأةِ والرَّجلِ على حدٍّ سواء؟"

فنقولُ -أيَّتُها الكريمةُ:

لا يفرِضُ الشَّرعُ على المرأةِ تحمُّلَ كلِّ شيءٍ -كما ذكرْنا،

وفي الوقتِ ذاتِه لا يصحُّ أنْ نقولَ

إنَّ البيتَ والأولادَ منْ مسؤوليَّةِ الزَّوجينِ على حدٍّ سواءٍ مناصفةً،

بلْ، ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]؛

فالأسرةُ حتّى تنشأَ وتستمرَّ لها متطلَّباتٌ واحتياجاتٌ:

النَّفقةُ، الحمايةُ، المسكنُ، التَّربيةُ، مهنةُ البيتِ...

النَّفقةُ والحمايةُ والمسكنُ على الزَّوجِ

التَّربيةُ مسؤوليَّةٌ مشتركةٌ،

طيِّبٌ مهنةٌ البيتِ على مَنْ؟ خاصَّةً والزَّوجُ ينفقُ ساعاتِ نهارِه في واجباتِه؟

فنقولُ: لذلكَ فإنَّما تؤدّي المرأةُ منْ أعمالِ البيتِ ما تستطيعُ،

ويكونُ الزَّوجُ عونًا لها فيهِ ويؤدّي لها ما لا تستطيعُ،

على وجهٍ تكونُ فيه المودَّةُ والسَّكينةُ والصُّحبةُ بالمعروفِ هيَ المحرِّكَ لكلٍّ منهُم.

ليسَ منْ مقصودِ الشَّريعةِ أنْ تشغلَ المرأةَ بمهنةِ البيتِ

كأنَّها عملٌ لازمٌ لها كالصَّلاةِ والصِّيامِ تأثمُ بتركِهِ،

إنَّما منْ مقصودِ الشَّريعةِ حصولُ الرِّعايةِ والعِشرةِ بالمعروفِ،

أنتِ في ذلكَ مديرةُ عمليّاتٍ تتابعينَ سيرَ الأمورِ داخلَ البيتِ بنفسِكِ،

منْ خلالِ أولادِكِ الَّذينَ همْ عونٌ لكِ...

المهمُّ في المحصِّلةِ: أنْ تحصلَ الرِّعايةُ بالحدِّ الأدنى -كما ذكرْنا،

لا وفقَ ثقافةِ الاستهلاكِ والاستكثارِ.

بِما سبقَ تفهمينَ -أيَّتُها الكريمةُ-

معنى قولِ جمهورِ الفقهاءِ: أنَّ مهنةَ المنزلِ ليسَتْ منْ عقدِ الزَّواجِ،

فعقدُ الزَّواجِ عندَهم على العلاقةِ الغريزيَّةِ الحلالِ بينَ الزَّوجينِ،

وعلى التَّربيةِ للأولادِ إنْ أنجبا،

وعقدُ الزَّواجِ عندَهُم لا يتضمَّنُ مهنةَ البيتِ كفرضِ عينٍ عليكِ أنتِ بذاتِكِ،

لكنَّهُم في الوقتِ ذاتِه لا يقولونَ للمرأةِ:

فليحصلْ بعدَ ذلكَ للبيتِ ما يحصلُ، ولا دخلَ لكِ بِه!

بلْ يعتبرونَ النُّصوصَ العامَّةَ في طاعةِ الزَّوجِ،

فما كانَ فيهِ منفعةٌ للمنزلِ والأسرةِ، ولا ضررَ على المرأةِ في القيامِ بِه ولا حرامَ،

فيصبحُ منْ حسنِ العشرةِ طاعةُ الزَّوجِ فيهِ.

طيِّب، إذا ضاقَتِ الحالةُ المادِّيَّةُ للأسرةِ،

واحتاجَتِ المرأةُ إلى العملِ لتساعدَ الزَّوجَ، وبإذنٍ -بلْ وأحيانًا- بضغطٍ منْهُ،

ألا يحمِّلُهُ ذلكَ مسؤوليَّةً أكبرَ في المشاركةِ في أعمالِ البيتِ؟

أمْ منْ حقِّهِ أنْ يقولَ لها: هذهِ مشكلتُكِ، دبري حالكِ!

ويتوقَّعُ منْها أنْ تؤدِّيَ الأدوارَ كلَّها

ولوْ على حسابِ صحَّتِها وقيامِها بالأساسيّاتِ منْ حقِّ نفسِها؟

بلْ نقولُ في هذهِ الحالةِ:

إنَّه منْ إحسانِها إلى زوجِها وبيتِها إنْ تحمَّلَتْ جزءًا منَ النَّفقةِ،

لأنَّه ليسَ واجبًا عليها أنْ تنفقَ على بيتِها -كما ذكرْنا،

فإنْ فعلَتْ ذلكَ فهوَ منْ تفضُّلِها عليهِ،

وعلى الزَّوجِ أنْ يُعينَها على تحقيقِ التَّوازنِ في حياتِها

بما يمكِّنُها منَ النَّجاحِ في الأساسيّاتِ،

وأنْ يقابلَ إحسانَها بالإحسانِ.

خامسُ مشاكلِ عملِ البيتِ:

عدمُ تمييزِ حدودِ الفضلِ والعدلِ.

الزَّواجُ والعلاقاتُ الأسريَّةُ -أيُّها الكرامُ- قائمةٌ في الإسلامِ على الفضلِ،

يعني الزِّيادةَ في العطاءِ منْ كلِّ طرفٍ للآخرِ عن الحدِّ الأدنى الواجبِ،

لا على الاكتفاءِ بالوقوفِ عندَ حدودِ العدلِ ورفضِ الزِّيادةِ عليْها،

فالإسلامُ لا يُعيِّنُ شُرطيًّا في البيتِ، ولا محاسِبًا، ولا قاضيًا ليقولَ

هذا واجبُكَ يا زوجُ، تعالَ رتِّبْ هنا!

هذا واجبُكِ يا زوجةُ، تعالَيِ اعملي هذا الشَّيءَ هناكَ!

لوائحُ وقوانينُ جافَّةٌ،

بلِ الإسلامُ يبني البيتَ على قواعدِ البرِّ والمودَّةِ والرَّحمةِ،

فيتسابقُ أفرادُه على خدمةِ بعضِهم البعض.

لكنْ في الوقتِ ذاتِه

الإسلامُ دينٌ يعالجُ الواقعَ بأدقِّ تفاصيلِه ومختلفِ حالاتِه،

فيراعي تقلُّباتِ مزاجِ الإنسانِ وفتورَ همَّتِهِ.

لذلكَ، صحيحٌ أنَّ كلًّا منَ الزَّوجِ والزَّوجةِ قدْ يقومُ بأعمالٍ هيَ فضلٌ،

لكنْ منَ الضَّروريِّ أنْ يكونَ معروفًا لدى الطَّرفينِ أنَّ هذا فضلٌ،

بحيثُ إذا انسحبَ منْه لظرفٍ ما كفتورِ همَّتِهِ،

أوْ كأنْ تؤثِّرَ أعمالُ فضلٍ كانَتْ تقومُ بها المرأةُ أوِ الرَّجلُ

على النَّجاحِ الأساسيِّ في العلاقةِ معَ اللهِ، أوْ في إعطاءِ النَّفسِ حقَّها،

فتوقَّفَ عنِ القيامِ بهذا الفضلِ،

فإنَّه لا يُلامُ ولا تُلامُ على أنَّهُ مقصِّرٌ أو مقصِّرةٌ،

وإذا حصلَ خلافٌ بينَهما

عادا للعدلِ الَّذي يحدِّدُ الحدَّ الأدنى منْ واجباتِ كلٍّ منهُما تجاهَ الآخرِ.

خدمةُ أهلِ الزَّوجِ هذهِ منَ الفضلِ،

إنْ قامَتْ بها زوجتُك فجزاها اللهُ خيرًا،

وإنِ امتنعَتْ فليسَ لكَ أنْ تغضبَ، ولا تلومَ، ولا تتَّهمَها بالتَّقصيرِ،

لأنَّهُ ليسَ واجبَها شرعًا، والشَّرعُ حاكمٌ عليكَ وعليها،

وإذا غضبْتَ فغضبُكَ غيرُ معتبَرٍ ولا يضرُّها عندَ ربِّها.

كذلكَ، هلْ يجبُ على الفتاةِ القيامُ بحاجاتِ إخوانِها الذُّكورِ؟

السُّؤالُ ناقصٌ مرَّةً أخرى، فإنْ كانَتِ التَّتمَّةُ:

إخوانِها الذُّكورِ الَّذينً يُمضونَ أوقاتَهم

على الـ(play station) والأرجيلةِ أوْ متابعةِ المبارياتِ

فالجوابُ قولًا واحدًا: لا وألفُ لا،

فالإسلامُ لمْ يجعلِ الأنثى خادمةً للذَّكرِ لذُكورتِه كما يتصوَّرُ البعض،

بلْ إنْ كانَتْ هيَ قائمةً بالأولويّاتِ وتحقيقِ الأهدافِ

كطلبِ العلمِ النّافعِ، ورعايةِ الصِّغارِ

لأصبحَ السُّؤالُ الَّذي ينبغي أنْ يُطرَحَ:

ألا يجبُ على أخيها -المتثاقلِ عنْ مسؤوليّاتِه ويعيشُ لشهواتِه-

أنْ يقومَ بشؤونِها، ويكفِيَها أعمالَ البيتِ، ويلبِّيَ حاجاتِها،

لتتمكَّنَ هيَ منْ أداءِ أعمالِها،

وإنْ كانَ هوَ ذا شنبٍ عريضٍ وعريضَ المنكبَينِ؟!

وإنْ كانَ إخوانُها قائمينَ بما عليهِم،

وأحبَّتْ أنْ تكوِيَ لهُم ملابسَ، أوْ تُهيِّئَ لهُم طعامًا

فهذا منَ الفضلِ والإحسانِ والمعروفِ

الَّذي يُطلَبُ -إنْ طُلبَ منْها- فضلًا لا أمرًا،

دونَ أنْ تُكلُّفَ منْ ذلكَ بما يشقُّ علَيها،

أوْ يشغلُها عنْ شأنِها الخاصِّ منْ عبادةٍ، أوْ طلبِ علمٍ، أو نحوَ ذلكَ.

وكذلكَ يُطلَبُ منَ الفتاةِ أنْ تُعينَ أمَّها في رعايةِ إخوتِها الصِّغارِ

الَّذينَ يَضيعونَ إذا لمْ يتلقَّوا الرِّعايةَ.

وهكذا تقومُ الحياةُ في الإسلامِ على الإحسانِ والبرِّ والفضلِ،

فإنْ حصلَ الخلافُ، فالعودةُ إلى حدودِ العدلِ.

عندَما يكونُ تفضُّلُكِ يؤذيكِ فإنَّك تعرفينَ كيفَ ترسمينَ الحدودَ فلا تضيعينَ،

فالمرأةُ ليسَتْ مطالَبةً أنْ تتفانى في خدمةِ الأسرةِ،

وتُغرِقَ في التَّفضُّلِ على الزَّوجِ والأولادِ أوْ إخوانِها،

على حسابِ نجاحِها في علاقتِها معَ ربِّها، وإعطاءِ نفسِها حقَّها،

بلْ: «فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه» [رواهُ البخاريُّ]،

فلا تخرجُ إلى دائرةِ التَّفضُّلِ ما لمْ تُحكِمْ دائرةَ أداءِ الواجباتِ.

والكلامُ ذاتُه نقولُه للرِّجالِ،

وكما أنَّ كثيرًا ممّا يُطلَبُ منَ المرأةِ هوَ أعمالُ فضلٍ لا توجبُها الشَّريعةُ علَيها،

فكذلكَ كثيرٌ منْ نفقاتِ الزَّوجِ علَيْها نفقاتُ فضلٍ لا توجِبُها الشَّريعةُ عليهِ،

فكمْ منَ امرأةٍ تظنُّ أنَّ منْ واجبِ زوجِها أنْ يوفِّرَ لها ما يمكِّنُها منْ مجاراةِ المظاهرِ

-كما يحصلُ في المناسباتِ مثلًا-

وليسَ هذا منْ واجبِه شرعًا، ولا يعتبرُ مقصِّرًا إنْ رفضَه.

فإنْ رضيَ الزَّوجانِ أنْ تسيرَ حياتُهُما بالفضلِ فبِها ونِعمَتْ،

وإنْ أصرّا على العدلِ، فليسَ منَ العدلِ أنْ يطالبَ أحدُهما بالفضلِ والآخرُ بالحدِّ الأدنى منَ العدلِ

وهذا مفتاحٌ مهمٌّ لمنْ يسعى في حلِّ مشاكلِ الأسرِ،

وإذا غفلَ عنْهُ كانَ سعيُه مرفوضًا منْ أحدِ الزَّوجينِ، إذْ يحسُّ بأنَّه مظلومٌ أو مظلومةٌ.

قد تعتبُ المرأةُ على زوجِها فتتوقَّفُ عنْ أعمالِ فضلٍ كانَتْ تعملُها،

وقدْ يفعلُ هوَ نفسَ الشَّيءِ،

فَهمُهُما لهذا التَّقسيمِ والحدودِ

يجعلُ ردَّةَ فعلِ الطَّرفِ الآخرِ -أقصاها- أنْ يكفَّ عنِ الفضلِ الَّذي كانَ يتفضَّلُ بهِ،

ولا يقصِّرَ في واجباتِ العدلِ،

وهوَ في ذلكَ غيرُ مسيءٍ، ولا لومَ عليهِ.

لكنَّ المشكلةَ أنَّ عدمَ فهمِهِما لهذهِ الحدودِ

يجعلُ ردَّةَ الفعلِ في تركِ واجباتِ العدلِ،

فيدخلُ كِلاهُما في حلقةٍ مُفرَغةٍ منَ التَّصعيدِ، وفي الفجورِ في الخصومةِ.

إذا فهمْنا هذا كلَّه -يا كرامُ-

أنَّ الإسلامَ يقومُ على التَّكاملِ لا الفرديَّةِ،

على التَّعاونِ لا الأنانيَّةِ،

وأنَّ الإسلامَ يجمعُ القلوبَ على الهدفِ الأعظمِ المشتركِ منْ تحقيقِ العبوديَّةِ للهِ،

ويُقيمُ الحياةَ الأُسريَّةَ على الفضلِ والعدلِ،

فإنَّنا سنفهمُ الوَصايا النَّبويَّةَ

الَّتي توصي أعضاءَ الفريقِ بعضَهم ببعضٍ،

وتقوّي مؤسَّسةَ الأسرةِ ضدَّ أيِّ غزوٍ خارجيٍّ.

نبيُّنا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- الَّذي قالَ:

«والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِهِ

لا تؤدّي المرأةُ حقَّ ربِّها حتّى تؤدِّيَ حقَّ زوجِها» [صحيحُ ابن حبان]،

هوَ نفسُه القائلُ: «استوْصوا بالنِّساءِ خيرًا» [رواهُ مسلمٌ].

نبيُّنا القائلُ للمرأةِ عنْ زوجِها:

«انظُري أينَ أنتِ منْه فإنَّما هوَ جنَّتُكِ ونارُكِ» [صحيح الجامع]،

هوَ أيضًا القائلُ: «خيرُكُم خيرُكُم لأهلِهِ» [رواهُ التِّرمذيُّ]؛

فجعلَ معيارَ الخيريَّةِ في الرِّجال خيريَّتَهم لنسائِهم،

هكذا الإسلامُ،

«إنَّ اللهَ أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه» [صحيحُ التِّرمذيِّ].

إذا فهمتِ هذا كلَّه

ستفهمينَ معنى قولِ نبيِّكِ -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ:

«إذا خطبَ إليكُم مَنْ ترضَوْنَ دينَه وخُلُقَه فزوِّجوهُ» [رواهَ التِّرمذيُّ]،

شخصٌ يشتركُ معكِ في الهدفِ الأعظمِ منْ تحقيقِ العبوديَّةِ للهِ،

وبالتّالي في الأولويَّاتِ، واحترامِ حدودِهِ فيها،

وتقاسمِ الأدوارِ وتحمُّلِ مسؤوليّاتِه فيها.

والشّابُّ سيفهمُ معنى قولِ نبيِّنا -صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ:

«فاظْفَرْ بذاتِ الدّينِ تَرِبَتْ يداكَ» [رواهُ البخاريُّ]

ذاتُ الدّينِ الَّتي تشاركُكَ هذا كلَّه، لتقومَ البيوتُ على أساسٍ صحيحٍ.

وسنفهمُ معنى:

﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النّور: 54]

وكذلكَ معنى:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: 115].

والسَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ.