image

تاريخ × حدوتة, فتح الحيرة | سُمعة خالد بن الوليد تُرعب أعدائه و إستراتيجية ممتازة تمهد له الطريق لفتح العراق

في أول شهر ربيع الأول من العام الثاني عشر هجريا

تمكن جيش المسلمين من تحقيق الإنتصار الرابع في غضون شهرين

على جيش الإمبراطورية الفارسية في أرض أليس

و إستطاعوا خلال ذلك الإنتصار

توجيه ضربة قوية للغاية للبلاط الفارسي ...

فبالرغم من قدرة الإمبراطورية الساسانية على تجميع جيوش جديدة دائما في غضون بضعة أيام بعد كل معركة

إلا أن الهزيمة الأخيرة لهم و مقتل هذا العدد الهائل من الجنود

.. جعل الجميع في البلاط الفارسي يرغب في التأني و التفكير جيدا

قبل أن يتحرك مجددا لمواجهة خالد بن الوليد و جيش المسلمين

خالد رضي الله عنه كان يريد أن يستغل وقع الإنتصار المدوي في معركة أليس

ولذلك أمر جيش المسلمين أن يتحركوا فورا

و يتجهوا لمدينة أمغيشيا القريبة للغاية من أليس

... وكانت تلك المدينة احدى مدن العراق الكبرى

.. وكانت تنافس الحيرة في حجمها و عدد سكانها و في غنى و فخامة أسواقها

وكانت ارض اليس تقع بالقرب منها

... و تُعتبر بمثابة مخفر أمامي لمدينة أمغيشيا الكبرى ..

ومع وصول جيش المسلمين للمدينة

.. تفاجأوا بمدى ضخامة المدينة و فخامة مبانيها و كثرة ثرواتها

... و لكن مفاجأتهم الكبرى كانت في خلو أرضها من أي ساكن

فشباب و رجال المدينة كانوا قد ماتوا جميعا ضمن الجيش الفارسي في المعركة الأخيرة

بينما هجر الشيوخ و النساء و الأطفال المدينة و انتشروا في الريف المجاور

بعدما سمعوا بأنباء إقتراب جيش المسلمين منهم

فكانت المدينة تُعتبر غنيمة باردة للجيش المنتصر

و مليئة بالثروات و السفن التي قد يستخدمها جيش المسلمين للتنقل

و كما هو معتاد

قام خالد بن الوليد بتوزيع أربعة أخماس هذه الغنائم على الجيش

و أرسل الخمس للمدينة كحصة للدولة الإسلامية

و يُقال أن مقدار الغنائم التي حصل عليها المسلمون

المسلمون كان يعادل مقدار الغنائم التي حصلوا عليها في جميع المعارك الأربعة السابقة

و كان نصيب الفارس وحده حوالي 1500 درهما ...

فلما وصلت أخبار الإنتصار والغنائم لخليفة المسلمين في المدينة

.. فرح بشدة و جمع الناس و قال جملته المشهورة :

يا معشر قريش ..عدا أسدكم على الأسد ( يقصد ملك الفرس )

فغلبه على خراذيله

أعجزت النساء أن يُنشئن مثل خالد

في تلك الأثناء كانت الأوضاع متوترة للغاية في مدينة الحيرة ...

فبعد أن بلغتهم الأخبار بالهزائم المتتالية

في أرض كاظمة والمذار و الولجة و أليس

توقع الجميع أن يكونوا الهدف التالي لجيش المسلمين

بعد أن أصبحوا على بعد أيام قليلة من المدينة ...

ورغم أن الحيرة كان لها ملكا عربيا في ذلك الوقت .

إلا أن الحكم الفعلي للمدينة كان يرجع لحاكم فارسي يُدعى آزاذبه

و كان هذا الرجل قائدا لحاميتها

.. فأدرك هذا الحاكم ان عبء الدفاع عن المدينة يقع تحت مسؤوليته الآن ...

و كأي ابن بار للإمبراطورية الفارسية

الفارسية قرر أن يبذل كلَ جهدِه للدفاع عنها ..

ولذلك أخرج الحامية العسكرية من ثكناتها

وأقام معسكرا على ضواحي الحيرة ..

و من هناك أرسل إبنه مع مجموعة من الخيالة لإيقاف تقدم خالد بن الوليد و المسلمين

.. و أشار عليه أن يسد قناطر الفرات حتى يقطع الماء

و يمنع تقدم جيش المسلمين بالسفن التي حصلوا عليها في أمغيشيا ..

فانطلق بالفعل ابن آزاذبه مع مجموعة من الفرسان و عسكر عند فم فرات بادقلي

و أمر ببناء سد من التراب والقصب و فتح مسالك آخرى ليسلكها الماء فلما اكتمل بناء السد ..

أمر قوة من الفرسان أن تتقدم و تقيم بمنطقة المقر .. على فم نهر العتيق لتأمين المكان

في خلال تلك الأحداث

.. كان خالد بن الوليد قد انطلق من أمغيشيا قاصدا الحيرة

ولأنه كان لا يريد أن يتعطل في مسيرته

بسبب الأراضي الطينية و المياة المنتشرة فيها

والتي زادت بسبب فيضان نهري دجلة والفرات خلال شهور الربيع

إتخذ قرارا بأن يستخدم السفن لنقل جيشه والمعدات الثقيلة سريعا عبر النهر

على أن تسير الخيول بالقرب منها على الارض ...

ولكنه بمجرد أن بدأ مسيرته

حتى فوجئ بانخفاض مستوى المياة تدريجيا حتى ارتطمت السفن بقاع النهر

... فانتشر الذعر بين المسلمين ولم يدروا ما السبب لذلك

.. فأغلبهم كان يركب السفن لأول مرة في حياته ..

ولكن قام الملاحون من أهل البلاد بتفسير ذلك الأمر لهم

و أخبروا خالد رضي الله عنه بأن ذلك من فعل سد

قام الفرس ببناءه حتى يحول الماء طريقه

و يمنعوا المسلمين من السير بالسفن ...

فقرر خالد بن الوليد أن يتحرك فورا مع مجموعة من الفرسان

ليشن غارة على الفرس و يفتح السد

وتقدم فعلا بمحاذاة النهر

حتى وصل لمكان تواجد خيالة الفرس

و يبدو أن وصوله كان مفاجاة غير متوقعة لهم

فقبل ان يتمكنوا من تنظيم أنفسهم للدفاع

تمكن خالد و المسلمون من الانقضاض عليهم و استطاعوا قتلهم جميعا

و دون أن يرتاح

امر الفرسان ان يواصلوا التقدم سريعا للوصول الى مكان السد و هدمه

في تلك الأثناء

كان ابن آزادبه مطمئنا لوجود مجموعة من الفرسان

في منطقة المقر كخط دفاع أمامي لهم ..

وكان يعتقد أنه في حالة هجوم المسلمين عليهم هناك

فلابد لأحد من فرسانه أن يترك المكان و يتجه فورا إليه لإعلامه بوصولهم

فيستطيع عندئذ أن ينظم جماعته لصد تقدم المسلمين

فكان واثقا للغاية من نجاح خطته

و لجأ و من معه من الرجال للراحة

ولكن ما هي إلا لحظات حتى وصل خالد بن الوليد و معه فرسان المسلمين

و انقضوا سريعا عليهم يقتلونهم واحدا تلو الآخر

فسقط ابن آزادبه صريعا وعلامات الذهول على وجهه

و لم ينجو سوى عدد قليل للغاية من الفرسان والذين تمكنوا من الهرب

و اتجهوا فورا نحو الحيرة لإبلاغ آزادبه بما حل بهم .. .

بعد أن سيطر سيف الله المسلول على المكان

أمر بهدم السد و ردم المسالك الآخرى للمياه التي أقامها الفرس

فعاد الماء يجري في طريقه المعتاد في النهر

فأرسل أحد الفرسان إلى أصحابه و السفن ليلحقوا به

و إتخذ القرار بمواصلة التقدم نحو الحيرة ...

وصلت الأنباء سريعا لأزاذبه بمقتل ابنه و الفرسان

.. فكانت شديدة عليه

ورأى انه غير قادر على تحمل مسؤولية الدفاع عن الحيرة وحده

فقرر أن ينسحب و يترك هذه المهمة للعرب من أهل المدينة

.. و ما هي الا ساعات قليلة حتى اجتاز نهر الفرات متوجها الى المدائن عاصمة الدولة الساسانية

بعد التحاق جيش المسلمين بخالد رضي الله عنه

.. بدأ في التحرك فورا نحو الحيرة

.. ويبدو انه كان يتوقع ان تكون المقاومة شديدة عند المدينة

فقرر ان لا يقترب منها مباشرة وحرك جيشَه

وسار حتى وصل لمدينة الخورنق والتي تقع على بعد 3 اميال شمال غرب الحيرة

و من هناك

تحرك حتى وصل لمكان معسكر آزاذبه السابق و بدأ يقترب للحيرة من الخلف

و مع وصوله للمدينة .. تفاجأ بشدة عندما وجد أبواب المدينة مفتوحة أمامه

ورغم ان اهل الحيرة لم يهربوا منها إلا أنهم لم يقاوموا جيش المسلمين

فتركهم الجنود في حال سبيلهم و تغلغلوا داخل المدينة ..

وتعجب ابن الوليد من استسلام المدينة بتلك السهولة

و لكنه سرعان ما ادرك حقيقة الموقف

... فرغم ان الحيرة كانت مدينة مفتوحة و من السهل ضمها

إلا أن قلاع المدينة الأربعة كانت مُغلقة أمامه

.. فقد تمركز بداخل كل قلعه حامية قوية تحت قيادة أحد زعماء العرب

و كانوا على أتم الإستعداد للقتال و الدفاع عنها

قلاع الحيرة كانت في مواجهة بعضهم البعض

وكان بداخل كل قلعة قصر كبير تسمى القلعة على إسمه

فكانت القلعة الأولى تسمى بالقصر الأبيض

و يعيش بداخلها إياس بن قبيصة ملك العراق من العرب

.. و كانت القلعة الثانية تسمى بقصر العدسيين

وفيها زعيم يدعى عدي بن عدي

اما الثالثة فعرفت بإسم قصر بني مازن وفيها ابن آكال

أما القلعة الأخيرة فكان فيها زعيم مشهور يدعى عمرو بن عبد المسيح

فقرر خالد أن يقسم القوات

ويرسل كل جزء نحو احدى القلاع لضمها تحت قيادة قائد من المسلمين ..

فأرسل ضرار ابن الازور للقصر الأبيض ..

وضرار بن الخطاب لقصر العدسيين

العدسيين وضرار بن المقرن لقصر بني مازن

أما القصر الأخير فإختص له المثنى بن حارثة

و أمرهم بمهاجمة القلاع و ضمها

و لكنه شدد عليهم بأن يعرضوا اولا على حاميات القلاع و يخيروهم بين واحد من ثلاث :

اما الدخول في الاسلام او دفع الجزية مقابل الحماية او القتال ..

و اخبر قادته بأن يُمهلوهم يوما واحدا للتفكير بالأمر

... فتحركت القوات فورا من مكانها لتنفيذ هذه الأوامر

ولكن رغم ذلك

رفضت القلاع جميعا التسليم و صمموا على القتال ..

فبدأ المسلمون يومهم التالي بالهجوم

أول المهاجمين كان ضرار ابن الأزور بعدما شن مع المسلمين هجوما على القصر الأبيض ..

ولكن مع تقدمه أطلق رماة الأسهم من فوق الأسوار الأسهم على المسلمين

و استخدموا المنجنيق لرمي كرات من الطين عليهم

... فتقدم ضرار ومعه مجموعة مختارة من رماة الأسهم حتى أصبح قريبا من الأسوار

وأمر فورا بإطلاق دفعه واحدة من الأسهم بغزارة نحو رماة المنجنيق

فأصابتهم السهام جميعا و قتلوا فورا

و سقط معهم مجموعة من رماة الأسهم على الأسوار

فإضطرت فورا البقية للتراجع و التخلي عن موقعها

و انسحبوا جميعا بسرعة من أمام الأسوار

و نفس الحال كان بالنسبة لبقية القلاع

.. فلم يمض وقت طويل حتى طلب زعماء القلاع الأربعة التفاوض مع قائد جيش المسلمين

.. فاجتمع خالد بن الوليد مع كل قائد على حدة أولا

و بدأ بعدي بن عدي و لامه بشدة على الانحياز للفرس و قتال العرب من أبناء دمه .

فأخبره عدي أنه عربي الأب و اللسان مثلهم

.. فدعاه خالد بن الوليد للدخول في الإسلام

فإن رفض فعليه بالجزية مقابل الحماية

مع التمتع بأراضيهم و حرية دينهم

فإن رفض فلن يترك له مجالا إلا القتال والعداوة

فوافق عدي على دفع الجزية

فإستاء سيف الله المسلول

لأنه كان يرغب في إسلام أهل الحيرة

ولكنه كان قرارهم جميعا بعد الإجتماع معه ...

فصالحوه على مبلغ تراوح بين

الثمانين ألف ل مائة و تسعين ألف درهم حسب عدة روايات

و أهدوا له الهدايا

فلما أرسل تلك الهدايا لخليفة المسلمين بالمدينة

اعتبر أبو بكر الصديق رضي الله عنه تلك الهدايا جزء من الجزية للتخفيف على أهل الحيرة

وكانت الجزية على القادرين على القتال فقط و على حسب أحوالهم ..

و تم اعفاء النساء و الشيوخ و الأطفال منها

و في منتصف ربيع الاول من العام الثاني عشر هجريا

كتبت شروط المعاهدة وتم توقيع الإتفاقية و فُتحت ابواب القلاع

وضُمت أخيرا مدينة الحيرة

فتحققت المهمة التي أعطاها خليفة المسلمين لخالد بن الوليد

بعد أربعة معارك كبرى وعدة إشتباكات صغيرة في خلال شهرين ونصف ...

كان لفتح الحيرة أثرا كبيرا على الدولة الإسلامية في ذلك الوقت .

فهي كانت أول عاصمة من عواصم الأقاليم التي يحكمها الفرس تسقط في أيدي المسلمين

وكانت قاعدة تموينية كبيرة لهم

.. كما أن موقعها الاستراتيجي كان مميزا داخل العراق ..

فهي تعتبر على حدود الصحراء

ويمكن إعتبارها مركزا لإدارة العمليات في المستقبل

و طريق للإنسحاب وخط رجعة إذا لزم الأمر

ولذلك كان لابد للمسلمين من تأمين المناطق المحيطة بها

.. فقام خالد رضي الله عنه بإرسال الرسل لأمراء الأقاليم المحيطة به

وخيرهم بين الإسلام او دفع الجزية أو القتال

.فإختارت جميع الأقاليم دفع الجزية بعدما اطمئنت لحسن معاملتهم لأهل الحيرة

و قرروا العيش تحت حماية المسلمين و تم توقيع الاتفاقيات والعهود بشأن ذلك ..

في خلال تلك الأحداث

كانت أحوال الفرس تسوء كلما مر الوقت

فصغر سن الملك يزدجرد كان يمنعه من إحكام سيطرته على حكام الأقاليم كلها و توحيد الجيوش معا

و كانت مهمة قيادة الجيش العام في ذلك الوقت من نصيب بهمن جاذويه ..

فعمل هذا الرجل بكل طاقته لتنظيم الدفاع عن العاصمة الفارسية المدائن

.. فهو كان متأكدا من هجوم المسلمين عاجلا أم آجلا عليهم

و كان يرغب أن تكون الدفاعات محكمة عندما يأتون ...

وكان خالد يعلم ذلك الأمرجيدا

.. فبعد أن قام بتدمير أربعة جيوش كاملة

رأى أن الفرصة سانحة الآن لتأمين المناطق بين دجلة والفرات دون أن يلقى مقاومة من الجيوش الفارسية

فأرسل فرسانه لتلك المناطق لدعوة الأهالى للدخول في الإسلام او دفع الجزية

و أسند مهمة قيادتهم لأكفأ أمرائه

وهم ضرار بن الأزور و المثنى بن حارثة و القعقاع بن عمرو .. .. و في غضون شهر واحد فقط

كانت المنطقة الواقعة بين النهرين تحت سيطرته تماما

..فأصبح الطريق خاليا أمامه للتوجه نحو الشمال



Want to learn a language?


Learn from this text and thousands like it on LingQ.

  • A vast library of audio lessons, all with matching text
  • Revolutionary learning tools
  • A global, interactive learning community.

Language learning online @ LingQ

في أول شهر ربيع الأول من العام الثاني عشر هجريا

تمكن جيش المسلمين من تحقيق الإنتصار الرابع في غضون شهرين

على جيش الإمبراطورية الفارسية في أرض أليس

و إستطاعوا خلال ذلك الإنتصار

توجيه ضربة قوية للغاية للبلاط الفارسي ...

فبالرغم من قدرة الإمبراطورية الساسانية على تجميع جيوش جديدة دائما في غضون بضعة أيام بعد كل معركة

إلا أن الهزيمة الأخيرة لهم و مقتل هذا العدد الهائل من الجنود

.. جعل الجميع في البلاط الفارسي يرغب في التأني و التفكير جيدا

قبل أن يتحرك مجددا لمواجهة خالد بن الوليد و جيش المسلمين

خالد رضي الله عنه كان يريد أن يستغل وقع الإنتصار المدوي في معركة أليس

ولذلك أمر جيش المسلمين أن يتحركوا فورا

و يتجهوا لمدينة أمغيشيا القريبة للغاية من أليس

... وكانت تلك المدينة احدى مدن العراق الكبرى

.. وكانت تنافس الحيرة في حجمها و عدد سكانها و في غنى و فخامة أسواقها

وكانت ارض اليس تقع بالقرب منها

... و تُعتبر بمثابة مخفر أمامي لمدينة أمغيشيا الكبرى ..

ومع وصول جيش المسلمين للمدينة

.. تفاجأوا بمدى ضخامة المدينة و فخامة مبانيها و كثرة ثرواتها

... و لكن مفاجأتهم الكبرى كانت في خلو أرضها من أي ساكن

فشباب و رجال المدينة كانوا قد ماتوا جميعا ضمن الجيش الفارسي في المعركة الأخيرة

بينما هجر الشيوخ و النساء و الأطفال المدينة و انتشروا في الريف المجاور

بعدما سمعوا بأنباء إقتراب جيش المسلمين منهم

فكانت المدينة تُعتبر غنيمة باردة للجيش المنتصر

و مليئة بالثروات و السفن التي قد يستخدمها جيش المسلمين للتنقل

و كما هو معتاد

قام خالد بن الوليد بتوزيع أربعة أخماس هذه الغنائم على الجيش

و أرسل الخمس للمدينة كحصة للدولة الإسلامية

و يُقال أن مقدار الغنائم التي حصل عليها المسلمون

المسلمون كان يعادل مقدار الغنائم التي حصلوا عليها في جميع المعارك الأربعة السابقة

و كان نصيب الفارس وحده حوالي 1500 درهما ...

فلما وصلت أخبار الإنتصار والغنائم لخليفة المسلمين في المدينة

.. فرح بشدة و جمع الناس و قال جملته المشهورة :

يا معشر قريش ..عدا أسدكم على الأسد ( يقصد ملك الفرس )

فغلبه على خراذيله

أعجزت النساء أن يُنشئن مثل خالد

في تلك الأثناء كانت الأوضاع متوترة للغاية في مدينة الحيرة ...

فبعد أن بلغتهم الأخبار بالهزائم المتتالية

في أرض كاظمة والمذار و الولجة و أليس

توقع الجميع أن يكونوا الهدف التالي لجيش المسلمين

بعد أن أصبحوا على بعد أيام قليلة من المدينة ...

ورغم أن الحيرة كان لها ملكا عربيا في ذلك الوقت .

إلا أن الحكم الفعلي للمدينة كان يرجع لحاكم فارسي يُدعى آزاذبه

و كان هذا الرجل قائدا لحاميتها

.. فأدرك هذا الحاكم ان عبء الدفاع عن المدينة يقع تحت مسؤوليته الآن ...

و كأي ابن بار للإمبراطورية الفارسية

الفارسية قرر أن يبذل كلَ جهدِه للدفاع عنها ..

ولذلك أخرج الحامية العسكرية من ثكناتها

وأقام معسكرا على ضواحي الحيرة ..

و من هناك أرسل إبنه مع مجموعة من الخيالة لإيقاف تقدم خالد بن الوليد و المسلمين

.. و أشار عليه أن يسد قناطر الفرات حتى يقطع الماء

و يمنع تقدم جيش المسلمين بالسفن التي حصلوا عليها في أمغيشيا ..

فانطلق بالفعل ابن آزاذبه مع مجموعة من الفرسان و عسكر عند فم فرات بادقلي

و أمر ببناء سد من التراب والقصب و فتح مسالك آخرى ليسلكها الماء

فلما اكتمل بناء السد ..

أمر قوة من الفرسان أن تتقدم و تقيم بمنطقة المقر ..

على فم نهر العتيق لتأمين المكان

في خلال تلك الأحداث

.. كان خالد بن الوليد قد انطلق من أمغيشيا قاصدا الحيرة

ولأنه كان لا يريد أن يتعطل في مسيرته

بسبب الأراضي الطينية و المياة المنتشرة فيها

والتي زادت بسبب فيضان نهري دجلة والفرات خلال شهور الربيع

إتخذ قرارا بأن يستخدم السفن لنقل جيشه والمعدات الثقيلة سريعا عبر النهر

على أن تسير الخيول بالقرب منها على الارض ...

ولكنه بمجرد أن بدأ مسيرته

حتى فوجئ بانخفاض مستوى المياة تدريجيا حتى ارتطمت السفن بقاع النهر

... فانتشر الذعر بين المسلمين ولم يدروا ما السبب لذلك

.. فأغلبهم كان يركب السفن لأول مرة في حياته ..

ولكن قام الملاحون من أهل البلاد بتفسير ذلك الأمر لهم

و أخبروا خالد رضي الله عنه بأن ذلك من فعل سد

قام الفرس ببناءه حتى يحول الماء طريقه

و يمنعوا المسلمين من السير بالسفن ...

فقرر خالد بن الوليد أن يتحرك فورا مع مجموعة من الفرسان

ليشن غارة على الفرس و يفتح السد

وتقدم فعلا بمحاذاة النهر

حتى وصل لمكان تواجد خيالة الفرس

و يبدو أن وصوله كان مفاجاة غير متوقعة لهم

فقبل ان يتمكنوا من تنظيم أنفسهم للدفاع

تمكن خالد و المسلمون من الانقضاض عليهم و استطاعوا قتلهم جميعا

و دون أن يرتاح

امر الفرسان ان يواصلوا التقدم سريعا للوصول الى مكان السد و هدمه

في تلك الأثناء

كان ابن آزادبه مطمئنا لوجود مجموعة من الفرسان

في منطقة المقر كخط دفاع أمامي لهم ..

وكان يعتقد أنه في حالة هجوم المسلمين عليهم هناك

فلابد لأحد من فرسانه أن يترك المكان و يتجه فورا إليه لإعلامه بوصولهم

فيستطيع عندئذ أن ينظم جماعته لصد تقدم المسلمين

فكان واثقا للغاية من نجاح خطته

و لجأ و من معه من الرجال للراحة

ولكن ما هي إلا لحظات حتى وصل خالد بن الوليد و معه فرسان المسلمين

و انقضوا سريعا عليهم يقتلونهم واحدا تلو الآخر

فسقط ابن آزادبه صريعا وعلامات الذهول على وجهه

و لم ينجو سوى عدد قليل للغاية من الفرسان والذين تمكنوا من الهرب

و اتجهوا فورا نحو الحيرة لإبلاغ آزادبه بما حل بهم .. .

بعد أن سيطر سيف الله المسلول على المكان

أمر بهدم السد و ردم المسالك الآخرى للمياه التي أقامها الفرس

فعاد الماء يجري في طريقه المعتاد في النهر

فأرسل أحد الفرسان إلى أصحابه و السفن ليلحقوا به

و إتخذ القرار بمواصلة التقدم نحو الحيرة ...

وصلت الأنباء سريعا لأزاذبه بمقتل ابنه و الفرسان

.. فكانت شديدة عليه

ورأى انه غير قادر على تحمل مسؤولية الدفاع عن الحيرة وحده

فقرر أن ينسحب و يترك هذه المهمة للعرب من أهل المدينة

.. و ما هي الا ساعات قليلة حتى اجتاز نهر الفرات متوجها الى المدائن عاصمة الدولة الساسانية

بعد التحاق جيش المسلمين بخالد رضي الله عنه

.. بدأ في التحرك فورا نحو الحيرة

.. ويبدو انه كان يتوقع ان تكون المقاومة شديدة عند المدينة

فقرر ان لا يقترب منها مباشرة وحرك جيشَه

وسار حتى وصل لمدينة الخورنق والتي تقع على بعد 3 اميال شمال غرب الحيرة

و من هناك

تحرك حتى وصل لمكان معسكر آزاذبه السابق و بدأ يقترب للحيرة من الخلف

و مع وصوله للمدينة .. تفاجأ بشدة عندما وجد أبواب المدينة مفتوحة أمامه

ورغم ان اهل الحيرة لم يهربوا منها إلا أنهم لم يقاوموا جيش المسلمين

فتركهم الجنود في حال سبيلهم و تغلغلوا داخل المدينة ..

وتعجب ابن الوليد من استسلام المدينة بتلك السهولة

و لكنه سرعان ما ادرك حقيقة الموقف

... فرغم ان الحيرة كانت مدينة مفتوحة و من السهل ضمها

إلا أن قلاع المدينة الأربعة كانت مُغلقة أمامه

.. فقد تمركز بداخل كل قلعه حامية قوية تحت قيادة أحد زعماء العرب

و كانوا على أتم الإستعداد للقتال و الدفاع عنها

قلاع الحيرة كانت في مواجهة بعضهم البعض

وكان بداخل كل قلعة قصر كبير تسمى القلعة على إسمه

فكانت القلعة الأولى تسمى بالقصر الأبيض

و يعيش بداخلها إياس بن قبيصة ملك العراق من العرب

.. و كانت القلعة الثانية تسمى بقصر العدسيين

وفيها زعيم يدعى عدي بن عدي

اما الثالثة فعرفت بإسم قصر بني مازن وفيها ابن آكال

أما القلعة الأخيرة فكان فيها زعيم مشهور يدعى عمرو بن عبد المسيح

فقرر خالد أن يقسم القوات

ويرسل كل جزء نحو احدى القلاع لضمها تحت قيادة قائد من المسلمين ..

فأرسل ضرار ابن الازور للقصر الأبيض ..

وضرار بن الخطاب لقصر العدسيين

العدسيين وضرار بن المقرن لقصر بني مازن

أما القصر الأخير فإختص له المثنى بن حارثة

و أمرهم بمهاجمة القلاع و ضمها

و لكنه شدد عليهم بأن يعرضوا اولا على حاميات القلاع و يخيروهم بين واحد من ثلاث :

اما الدخول في الاسلام او دفع الجزية مقابل الحماية او القتال ..

و اخبر قادته بأن يُمهلوهم يوما واحدا للتفكير بالأمر

... فتحركت القوات فورا من مكانها لتنفيذ هذه الأوامر

ولكن رغم ذلك

رفضت القلاع جميعا التسليم و صمموا على القتال ..

فبدأ المسلمون يومهم التالي بالهجوم

أول المهاجمين كان ضرار ابن الأزور بعدما شن مع المسلمين هجوما على القصر الأبيض ..

ولكن مع تقدمه أطلق رماة الأسهم من فوق الأسوار الأسهم على المسلمين

و استخدموا المنجنيق لرمي كرات من الطين عليهم

... فتقدم ضرار ومعه مجموعة مختارة من رماة الأسهم حتى أصبح قريبا من الأسوار

وأمر فورا بإطلاق دفعه واحدة من الأسهم بغزارة نحو رماة المنجنيق

فأصابتهم السهام جميعا و قتلوا فورا

و سقط معهم مجموعة من رماة الأسهم على الأسوار

فإضطرت فورا البقية للتراجع و التخلي عن موقعها

و انسحبوا جميعا بسرعة من أمام الأسوار

و نفس الحال كان بالنسبة لبقية القلاع

.. فلم يمض وقت طويل حتى طلب زعماء القلاع الأربعة التفاوض مع قائد جيش المسلمين

.. فاجتمع خالد بن الوليد مع كل قائد على حدة أولا

و بدأ بعدي بن عدي و لامه بشدة على الانحياز للفرس و قتال العرب من أبناء دمه .

فأخبره عدي أنه عربي الأب و اللسان مثلهم

.. فدعاه خالد بن الوليد للدخول في الإسلام

فإن رفض فعليه بالجزية مقابل الحماية

مع التمتع بأراضيهم و حرية دينهم

فإن رفض فلن يترك له مجالا إلا القتال والعداوة

فوافق عدي على دفع الجزية

فإستاء سيف الله المسلول

لأنه كان يرغب في إسلام أهل الحيرة

ولكنه كان قرارهم جميعا بعد الإجتماع معه ...

فصالحوه على مبلغ تراوح بين

الثمانين ألف ل مائة و تسعين ألف درهم حسب عدة روايات

و أهدوا له الهدايا

فلما أرسل تلك الهدايا لخليفة المسلمين بالمدينة

اعتبر أبو بكر الصديق رضي الله عنه تلك الهدايا جزء من الجزية للتخفيف على أهل الحيرة

وكانت الجزية على القادرين على القتال فقط و على حسب أحوالهم ..

و تم اعفاء النساء و الشيوخ و الأطفال منها

و في منتصف ربيع الاول من العام الثاني عشر هجريا

كتبت شروط المعاهدة وتم توقيع الإتفاقية و فُتحت ابواب القلاع

وضُمت أخيرا مدينة الحيرة

فتحققت المهمة التي أعطاها خليفة المسلمين لخالد بن الوليد

بعد أربعة معارك كبرى وعدة إشتباكات صغيرة في خلال شهرين ونصف ...

كان لفتح الحيرة أثرا كبيرا على الدولة الإسلامية في ذلك الوقت .

فهي كانت أول عاصمة من عواصم الأقاليم التي يحكمها الفرس تسقط في أيدي المسلمين

وكانت قاعدة تموينية كبيرة لهم

.. كما أن موقعها الاستراتيجي كان مميزا داخل العراق ..

فهي تعتبر على حدود الصحراء

ويمكن إعتبارها مركزا لإدارة العمليات في المستقبل

و طريق للإنسحاب وخط رجعة إذا لزم الأمر

ولذلك كان لابد للمسلمين من تأمين المناطق المحيطة بها

.. فقام خالد رضي الله عنه بإرسال الرسل لأمراء الأقاليم المحيطة به

وخيرهم بين الإسلام او دفع الجزية أو القتال

.فإختارت جميع الأقاليم دفع الجزية بعدما اطمئنت لحسن معاملتهم لأهل الحيرة

و قرروا العيش تحت حماية المسلمين و تم توقيع الاتفاقيات والعهود بشأن ذلك ..

في خلال تلك الأحداث

كانت أحوال الفرس تسوء كلما مر الوقت

فصغر سن الملك يزدجرد كان يمنعه من إحكام سيطرته على حكام الأقاليم كلها و توحيد الجيوش معا

و كانت مهمة قيادة الجيش العام في ذلك الوقت من نصيب بهمن جاذويه ..

فعمل هذا الرجل بكل طاقته لتنظيم الدفاع عن العاصمة الفارسية المدائن

.. فهو كان متأكدا من هجوم المسلمين عاجلا أم آجلا عليهم

و كان يرغب أن تكون الدفاعات محكمة عندما يأتون ...

وكان خالد يعلم ذلك الأمرجيدا

.. فبعد أن قام بتدمير أربعة جيوش كاملة

رأى أن الفرصة سانحة الآن لتأمين المناطق بين دجلة والفرات دون أن يلقى مقاومة من الجيوش الفارسية

فأرسل فرسانه لتلك المناطق لدعوة الأهالى للدخول في الإسلام او دفع الجزية

و أسند مهمة قيادتهم لأكفأ أمرائه

وهم ضرار بن الأزور و المثنى بن حارثة و القعقاع بن عمرو ..

.. و في غضون شهر واحد فقط

كانت المنطقة الواقعة بين النهرين تحت سيطرته تماما

..فأصبح الطريق خاليا أمامه للتوجه نحو الشمال

×

We use cookies to help make LingQ better. By visiting the site, you agree to our cookie policy.