×

We use cookies to help make LingQ better. By visiting the site, you agree to our cookie policy.


image

طريق الحياة, ٩ - العمل والحياة

٩ - العمل والحياة

إن الله لمصدر الحياة و النور و السعادة للعالمين، تنبثق منه البركات لجميع مخلوقاته كما تنبثّ من الشمس أشعتها المنعشة و كما تنفجر من العين مياهها الحية، و عندما تملأ حياء الله قلب الإنسان تفيض منه حاملة المحبة و البركة للآخرين أيضًا SC 58.1 اغتبط المسيح أن يفدى الإنسان الهالك و تهلل أن يرفعه إلى الله، و لم يحسب حياته ثمينة عنده لإنجاز هذا العمل، بل بذلها “و احتمل الصليب مستهينًا بالخزي” و هكذا الملائكة أيضًا، فانهم يسعون دائمًا في إسعاد الآخرين، و في عملهم هذا يجدون لذة و سرورًا، فالخدمة التي يحسبها كل محب لذاته بالعمل المشين له، خدمة التعساء الذين هم دونه أخلافًا و مقامًا، إنما هي الخدمة التي يقوم بها ملائكة الله الاطهار، و روح المحبة الذي يقومون به بفرح و ابتهاج SC 58.2 متى حلت محبة المسيح في القلب تكون فيه كالمسك الذي لا تخفى رائحة بائعه بل تفوح منه فتنعش كل من يقاربه، و متى ساد روح المسيح في القلب يكون فيه كالعين في القفر تفيض مياهها لتنعش المعي و تولد فيه الشوق إلى الاستقاء من ينبوع الحياة الأبدية SC 59.1 من مظاهر المحبة ليسوع أن يسعى المحب في النسج على منواله فيعمل عمله في إسعاد الناس، و من خصائصها أن تبدي العطف و الشفقة و المؤاساة لكل من تشمله العناية الإلهية الأبوية SC 59.2 لم يعش المخلص على الأرض عيشة الدعة و الراحة و لم ينهمك في خدمة نفسه، بل كانت حياته إجهادًا دائمًا و نضالاً دائبًا لخلاص المنكوبين الهالكين و لم يعرف من المذود إلى الجلجثة إلا التضحية و إنكار النفس، فلم يطلب يومًا العفو من واجب مضنٍ، و لم يحاول التخلص من وعثاء سفر، و لم يهرب من عمل شاق، إذ انه “لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم و ليبذل نفسه فدية عن كثيرين” متى ٢٠ : ٢٨، فالخدمة كانت غاية حياته العظمى و الوحيدة، و ما عداها كان ثانويًا و مما يستخدم في سبيل بلوغ الغاية المنشودة، و لم يكن من شيء ليشبع نفسه و يروي ظمأه كعمل مشيئة الآب، حتى أن حياته خلت من الاثرة و محبة الذات خلوًّا تامًا مطلقًا SC 59.3 كل من يقبل نعمة المسيح فمثله يكون على استعداد للقيام بأية تضحية حتى يتسنى لجميع الذين مات عنهم يسوع أن يشتركوا في قبول الهبة السماوية، و انه يسعى أيضًا إلى جعل العالم، بفضل حياته فيه، احسن مما كان عليه، فمثل هذه الخدمة هي من الأثمار الطيبة التي يأتي بها المتجدد الحقيقي الذي إذ اقبل إلى المسيح تولدت في نفسه الرغبة في المناداة بالصديق الحميم الذي وجده و في إعلان الحق الذي خلصه و قدسه و الذي لا يمكن إخفاؤه في قلبه، لان الذي قد لبى برّ المسيح و امتلأ قلبه من فرح الروح لا يستطيع السكوت عما اختبره بعد أن ذاق و عرف “ما أطيب الرب”، كما فعل فليبس الذي إذ وجد المسيح ذهب توًّا و فتش عن نثنائيل و دعاه قائلاً : تعال و انظر” و كذلك يحاول كل متجدد أن يعرض على الناس فضائل المسيح و أن يعرّفهم بغنى العالم غير المنظور و هو في ذلك يشتاق اشتياقًا عظيمًا إلى أن يرى الجميع فيه “حمل الله الذي يرفع خطية العالم” SC 59.4 لا شك في أن كل مسعى نبذله لإسعاد الآخرين يعود علينا بالبركات المضاعفة حسب قصد الله من إشراك الإنسان معه في إنجاز عمل الفداء، لأنه تعالى قد وهب للناس أن يصيروا شركاء الطبيعة الإلهية “و أن يعملوا، هم في دورهم، على إشراك بني جنسهم في هذه البركة. إن هذا لأسمى شرف و اعظم فرح يستطيع الله القدير أن يجود بهما على المخلوقات، فالذين يساهمون الله في أعمال المحبة هم إليه اقرب المقربين SC 60.1 كان من الممكن أن يسند الله الكرازة بالإنجيل إلى الملائكة السماوية و أن يكل اليهم أمر توزيع بركات المحبة، أو أن يستخدم وسيلة أخرى من الوسائل المتوفرة لديه لإنجاز مقاصده، و لكنه تعالى، اختارهم أن يكونوا هم العاملين معه و مع المسيح و الملائكة ليكون لهم أيضًا نصيب وافر من البركات و الأفراح و الرفعة التي تنجم عن هذه الخدمة الجليلة SC 60.2 و من بركات الشركة في آلام المسيح أنها تولد في قلب الشعور بروح المسيح، فالتضحية في الخدمة تقوّي الإنسان على الجود و الإحسان و توثق حلفه مع فادي الانام الذي افتقر و هو الغني لكي يستغني البشر بفقره، و ما لم يتم هكذا قصد الله في خلق الإنسان لا تكون الحياة بركة لصاحبها SC 60.3 إن خصصت نفسك لعمل كلّ ما يريده المسيح من تلاميذه، و سعيت إلى ربح النفوس الهالكة، لا بد من أن تشعر بحاجة إلى اختبار انجع و معرفة أوسع، لأنك تجوع و تعطش إلى البرّ و تتوسل إلى الله أن يقوّي إيمانك و يسقيك جرعات أغزر من ينبوع الخلاص، و أما المقاومة و الصعاب التي تلا قيها فإنها تقودك إلى درس كلمة الله و إلى المداومة على الصلاة فتنمو في نعمة المسيح و معرفته و تسعد باختبارات ثمينة غنية SC 60.4 إن التضحية في العمل لأجل الغير، التضحية الخالية من الاثرة، لتكسب الأخلاق عمقًا و ثباتًا و جمالاً مسيحيًا، و تملأ القائم بها سلامًا و سعادة، و ترفع الأماني و تطهرها و لا تترك مجالاً للتراخي و الإهمال، لأنه من شأن الفضائل المسيحية أن تنمي قوى ممارسها و تمنحه بصيرة ثاقبة و إيمانًا وطيدًا متزايدًا و قدرةً مقتدرةً في الصلاة، فالروح القدس، إذ يعزف على أوتار النفس يخرج منها نغمًا يتجاوب مع النغمة الإلهية، و أولئك الذين يقفون حياتهم على السعي إلى نفع الآخرين إنما هم في الواقع يعملون على خلاص انفسهم SC 60.5 على أن الطريقة المثلى للنمو في النعمة هي أن نشتغل بإخلاص في العمل المفروض علينا، و أن نبذل قصارى جهدنا لمساعدة من هم في حاجة إلى معونتنا، فإنما تتزايد قوتنا، بالمران و العمل، لان النشاط هو من مستلزمات الحياة و ضروراتها، فأولئك الذين يسعون إلى المحافظة على الحياة المسيحية بقبولهم البركات التي تأتيهم عن طريق وسائط النعمة، دون أن يعملوا شيئًا لأجل المسيح، مثلهم كمثل من يحاول أن يأكل دون أن يشتغل أو يعمل. فهذه الحالة، تأثيرها الروحي كتأثيرها الطبيعي، لأن الإنسان الذي يرفض أن يستخدم أعضاءه لا بد من أن يفقد القدرة على استعمالها، و لذلك فان المسيحي الذي لا يستخدم القوى المعطاة له من الله لا يتوقف فقط عن النمو بل هو يفقد القوة التي كانت له SC 61.1 و قد جعل الله كنيسة المسيح أداة لتخليص البشر، و وكل إليها مهمة تبليغ الإنجيل في كل أنحاء العالم، فهذه المسؤولية ملقاة على عاتق المسيحيين أجمعين، و يتعين على كل إنسان أن يعمل على تحقيق هذه المهمة بحسب ما يتيسر له من الفرص و المواهب، لان المحبة التي أعلنها لنا المسيح، تجعلنا مديونين لكل الذين لم يعرفوا المخلص بعد، إذ أن الله قد وهبنا نورًا، لا لكي نستأثر به لأنفسنا، بل لنضيء به على الآخرين SC 61.2 فلو أن اتباع المسيح كانوا متنبهين لواجبهم و حريصين على أداء مهمتهم، لكان الذين يقومون اليوم بنشر رسالة الإنجيل في البلاد الوثنية يُعدّون بالألوف بدلاً من الآحاد القلائل الذين يعملون اليوم، و لكان أولئك الذين لا يستطيعون أن يندمجوا في سلك العمل التبشيري بأنفسهم يخدمون قضية المسيح بأموالهم، و عطفهم، و صلواتهم، و لوجدنا في البلدان المسيحية، غيرة اكثر و اجتهادًا لربح النفوس SC 61.3 و لسنا في حاجة إلى أن نذهب إلى تلك الأقطار الوثنية البعيدة لنخدم المسيح، أو نغادر محيطنا الضيق الذي نعيش فيه، إن كان هو المكان الذي يجب علينا أن نعمل فيه، فنستطيع أن نخدم و نحن في المحيط العائلي، و في الكنيسة، و نستطيع أن نخدم أيضًا بين من نخالطهم و نزاملهم و نعمل معهم SC 62.1 قضى مخلصنا الشطر الأكبر من حياته، و هو يعمل في حانوت نجار بمدينة الناصرة، و قد كانت الملائكة تخدمه، و هو يسير جنبًا إلى جنب مع الفلاحين و العمال الذين لم يلقوا عليه بالاً و لم يعيروه التفاتًا، و كان يؤدي رسالته بكل صبر و أمانة في حرفته المتواضعة، كما كان يؤديها و هو يشفي مريضًا، أو و هو يمشي على بحر الجليل الهائج المائج، و هكذا يوكن لكل إنسان أن يكون في خدمة يسوع، وهو يمارس أوضع الحرف و احقر الأعمال SC 62.2 و لذلك يقول الرسول، “ما دُعي كل واحد فيه أيها الإخوة، فليلبث في ذلك مع الله”، ١ كورنثوس ٧ : ٢٤، فالتاجر يستطيع أن يدير عمله بكيفية تمجد سيده، إذا راعى الأمانة في شغله و جعل ديانته تتخلل كل معاملاته، و اظهر روح المسيح في كل تصرفاته، و الصانع يمكنه أن يكون مجدّا و أمينًا، ممثلاً سيده الذي كان يكدح، مؤديًا رسالته في ابسط الأعمال و اصغرها، و هكذا يجب على كل من يسمي اسم المسيح، أن يؤدي عمله، على الوجه الذي يقود الآخرين إلى تمجيد خالقهم و فاديهم SC 62.3 غير أن الكثيرين يعتذرون عن تقديم خدماتهم للمسيح، بحجة انهم ليسوا كغيرهم ممن خصهم الله بمزايا عظمى، و مواهب ممتازة، حتى لقد ساد عند بعضهم الاعتقاد بأن التكريس للخدمة يستلزم كفاءات نادرة و مؤهلات خاصة لا تتوفر إلا في فئة قليلة من الناس الذين خصهم الله دون سواهم بالمساهمة في الخدمة و الجزاء، و لكن هذه الفكرة لا تتوفر و المثل الذي ضربه المسيح، إذ أوضح “أن رب البيت دعا عبيده، و أسند إلى كل واحد منهم عمله الخاص”، مرقس ١٣ : ٣٤ SC 62.4 فان كان لنا روح المحبة، يمكن أن نؤدي احقر واجبات الحياة، “من القلب كما للرب”، كولوسي ٣ : ٢٣، و إذا كانت محبة الله في قلوبنا، فإنها تتجلى في حياتنا، فتنبعث منا رائحة المسيح الزكية، و يكون تأثيرها في الآخرين عاملاً على رفعتهم و إسعادهم SC 63.1 فما عليك أن تنتظر حتى تتهيأ لك فرص عظيمة، تحصل على مواهب خارقة العادة لكي تستطيع أن تخدم الله، و لا يجب أن تكون مشغولاً بما يفتكر به العالم عنك، لأنه إذا كانت حياتك تشهد بطهارة إيمانك، و إخلاص بواعثك، و شدة رغبتك في خدمة الناس و نفعهم، فان جهودك لن تضيع هباءً SC 63.2 و هكذا يستطيع افقر إنسان و احقر مخلوق من تلاميذ يسوع أن يكون بركة للآخرين، و قد لا يشعر بانه يأتي عملاً يذكر في هذه الحياة، و مع ذلك فانه بتأثيره الخفي يحدث نتائج بعيدة المدى، إذ تتبارك، بسبب حياته و قدوته جموع غفيرة من الناس، و ربما يظل غير شاعر بمثل هذا التأثير في حياة الآخرين حتى ذلك اليوم الذي يكافأ من الله، فأمثال هذا لا يشغلون انفسهم بمدى النجاح الذي يمكن أن يصيبوه، و إنما هم يسيرون في هذه الحياة قُدُمًا، مؤدين عملهم في هدوء و أمانة، بحسب الدعوة التي دعوا إليها، فهؤلاء لن يضيعوا حياتهم سدى، بل هم سيظلون في نمو مطرد حتى يصبحوا مشابهين لصورة المسيح و مثاله، و إذ هم عاملون مع الله في هذه الحياة، فهم بذلك إنما يهيئون انفسهم لذلك العمل الأسمى، و الفرح الخالص المعدَّين لهم في الحياة الأخرى SC 63.3 كثيرة هي الطرق التي بها يطلب الله أن يقودنا إلى معرفته، و إلى الوئام و الشركة معه، فهذه الطبيعة التي تناجي مدركاتنا اناء الليل و أطراف النهار تؤثر في كل قلب مفتوح و تهمس في كل أذن صاغية مخبرة بمحبة صانعها و معلنة مجده، فكأني بالحقول الخضراء و الأشجار الباسقة، و بالسحب المارة و الغيوث السارة، و بخرير السيل و جمال السماء و هي تحدثنا عن خالقها و تدعونا إلى التعرف به SC 64.1 لقد مثل مخلصنا تعاليمه بما في الطبيعة، و قارن الحقائق الأبدية الثمينة التي نطق بها بالأشجار و الأطيار و بزهور الوهاد و كروم النجاد، و بالبحيرات الرائقة و السماوات الرائعة، و ألحقها بحوادث الحياة العادية و أحوالها اليومية لكيلا تغرب عن ذاكرة سامعيه بل يتعظوا بها وسط انهماكات الحياة و أتعابها الكثيرة SC 65.1 يريد الله أن يستمع أولاده بحسن صنعته و يبتهجوا بالجمال البسيط المحتشم الذي زين به مسكننا الأرضي هذا، لان الله يحب الجمال، و لا سيما جمال الأخلاق الذي يفضله على كل زينة خارجية مهما كانت، و يشتاق إلى أن برانا مرتدين جمالاً كجمال الزهور الهادي العجيب SC 65.2 لو تأملنا أعمال الله لتعلمنا منها دروسًا ثمينة في الطاعة له و الاتكال عليه، من كل ما في الطبيعة من الأجرام الفلكية الكبيرة التي على مدى الأجيال تتبع مداراتها المتسعة المعينة لها، و كل ما في الكون من ذرات صغيرة أيضًا، تطيع إرادة خالقها وهو يعتني بها و يقوم بحاجتها، و إن الذي يحمل العوالم الكثيرة السابحة في الفضاء الفسيح، هو الذي يعتني أيضًا بالعصافير التي تغرّد تمجيدًا لخالقها بلا خوف أو وجل، وهو الذي يهيمن على العامل إذ يخرج لعمله اليومي كما يهيمن عليه في المخدع و في أثناء رقاده و حين قيامه من النوم، و انه لا يفتأ يراقب الغني إذ يولم في قصره الولائم الفاخرة كما يراقب الفقير إذ يجمع أولاده حول مائدته الحقيرة ليقاسمهم خبزه الحاف، فليس من دمعة تذرف إلا و يراها الله، و ليس من ابتسامة إلا و يلاحظها بشوق و اهتمام SC 65.3 لو آمنا بهذه القدرة و وثقنا بهذه العناية لطرحنا عنا كل اهتمام زائد و لأبعدنا عنا كل خيبة أمل، بل و تركنا جميع أمورنا صغيرة أكانت أم كبيرة، بين يدي القدير الذي لا تحيره كثرة العناية و لا يثقله تعب الرعاية، و لكنا نمتع نفوسنا بالراحة التي طالما اشتقنا إليها SC 65.4 إذ تبتهج مداركك بجمال الأرض الخلاَّب اجتهد أن تتصوَّر في مخيلتك الأرض الجديدة التي لا تشوبها خطية و لا تمتد إليها سلطة الموت و لا يظهر عليها ظل اللعنة، ثم إذا بلغت الحد في تصوّرك اعلم أنها ستكون اجمل و امجد بكثير من كل تصوّراتك، لأنك لا تستطيع أن ترى الآن، مع تنوّع عطايا الله، إلا لمحة خاطفة من مجده السني، كما هو مكتوب “ما لم ترَ عين و لم تسمع أذن و لم يخطر على بال إنسان ما اعده الله للذين يحبونه”، ١ كورنثوس ٢ : ٩ SC 66.1 قد يفصح الشعراء في وصف جمال الطبيعة و يبالغ العلماء في الكلام عن غرائبها، و أما الذي يتمتع بها تمتعًا مشبعًا فهو المؤمن لأنه يرى فيها عمل يد أبيه و يميز دلائل حبه تعالى في زهورها و أشجارها و أثمارها. و أما الذي لا يميز محبة الله في النجاد و الوهاد، و في الأنهر و الأبحر، فلا يعرف معناها و لا تناجيه بما تكنه له من محبة و عناية SC 66.2 يكلمنا الله أيضًا في عنايته بنا و يناجينا بفعل روحه القدوس فينا، فان حوادث الحياة و التقلبات التي نشاهدها من يوم إلى يوم، لو فطنا لها، لتعلمنا عن محبة بارينا، كما انشد المرنم في ذلك واصفًا العناية الإلهية الدائمة قائلاً، “امتلأت الأرض من رحمة الرب” و “من كان حكيما يحفظ هذا و يتعقل مراحم الرب” مزمور ٣٣ : ٥ و ٧ و ١ : ٤٣ SC 66.3 يخاطبنا الله كذلك في كلمته المنزلة، و فيها يعلن صفاته بصيغة واضحة جلية إذ يعرفنا فيها بأعماله العظيمة في فداء الإنسان و يسرد أمامنا تاريخ الآباء و الأنبياء القديسين الذين كانوا تحت الآلام مثلنا و جاهدوا في أحوال كأحوالنا الصعبة، و ولوا هاربين منهزمين مثلنا، ثم عادوا و تشجعوا و انتصروا بنعمة الله، و نحن إذ نراهم نتشجع أيضًا في سعينا وراء البر، و إذ نقرأ عن اختباراتهم الثمينة و تمتعهم بالنور و المحبة و البركة، و عن العمل الذي قاموا به بنعمة الله و عن الروح الذي اظهروه، يضطرم في قلوبنا لهيب الاشتياق إلى أن نقتدي بهم و أن نكون مثلهم و أن نسير مع الله كما ساروا معه SC 66.4 قال يسوع عن كتب العهد القديم أنها “هي التي تشهد لي”، يوحنا ٥ : ٣٩، و ما قاله عن العهد العتيق يصدق بالأحرى عن كتب العهد الجديد، لان الكتاب المقدس كله لا يخبرنا إلا بالفادي الذي بدونه يكون الجنس البشري الهالك عديم الأمل في الحياة الأبدية. إن المسيح هو موضوع إعلان الله، فمن الكلمة الأولى، “في البدء خلق الله السموات و الأرض” إلى الأخيرة في الرؤيا “ها أنا آتي سريعًا” لا تقرأ إلا عن أعماله و لا تسمع إلا صوته، فإذا أردت أن تتعرَّف بيسوع عليك بقراءة الكتب المقدسة SC 66.5 املأ قلبك إذن بكلمة الله، لأنها الماء الحي الذي يروي لظى عطشك كما و أنها الخبز الحي من السماء الذي يشبع فرط جوعك، و لقد صرح يسوع بذلك قائلاً “إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان و تشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم” يوحنا ٦ : ٥٤، ثم اردف موضحًا معناه “الكلام الذي أكلمكم به هو روح و حياة”، عدد ٦٣، فكما أن أجسادنا تتغذى و تبنى مما تتعاطاه من مأكل و مشروب، كذلك أرواحنا أيضًا، فإنها تستمد قوة و شجاعة مما نتأمل فيه من الأمور الروحية الأبدية SC 67.1 إن موضوع الفداء العجيب لموضوع “تشتهي الملائكة أن تطَّلع عليه” وهو سيكون موضوع دراسة المفديين و موضوع ترنمهم و تهللهم مدى الدهور الأبدية. إذن أفليس هو الآن جديرا بالتفكير العميق و الاعتبار الجدي الدقيق؟ بلى، لان محبة المسيح و رحمته و تضحيته العظيمة من اجلنا لتستلزم أعمق التأمل و أوفر التفكير، بل و يجب أن نطيل التبصر في صفات فادينا و شفيعنا و نديم النظر في رسالة ذاك الذي أتى ليخلص شعبه من خطاياهم فان التأمل في هذه المواضيع السماوية يقوي محبتنا و يزيد إيماننا و يملأنا ثقة و محبة، فتصعد صلواتنا إذ ذاك مقبولة عند الله لأنها تصدر عن ذهن مستنير و عاطفة مضطرمة و ثقة ثابتة بيسوع و اختبار حي في قوّته القادرة أن تخلص “إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله” SC 67.2 عندما نتأمل مليًا في كمالات المخلص يتولد فينا شوق شديد إلى تغيير كامل و تجديد شامل لنشترك في قداسته و طهارته، ذلك لأننا نزداد جوعًا و عطشًا إلى التشبه به، حتى إذا صار الفادي الموضوع الشاغل في أفكارنا نلهج به في كلامنا و نظهره للعالم في حياتنا و أعمالنا SC 69.1 هذا و ليست الكتب المقدسة للعلماء فقط، بل قد خصصت أيضًا لعامة الناس و جاءت فيها الحقائق العظمى بشأن الخلاص واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار حتى لا يخطئ احد الطريق و لا يضلّ عن سواء السبيل إلاّ من استقلَّ برأيه و حاد عمدًا عن مشيئة الله المعلنة الجلية SC 69.2 يجب ألا نكتفي من شهادة إنسان ما بما يقول الكتاب المقدس، بل يجب أن نطالع كلمة الله بأنفسنا، لان اتكالنا على دراسة غيرنا يفلّ نشاطنا و يميت مواهبنا و يضعف فينا القوى العقلية الثمينة التي لا تنمو إلا باستخدامها في مواضيع سامية يتطلب استيعابها مجهودًا عظيمًا متوصلاً، و إذا حدث ذلك نفشل في إدراك معنى كلمة الله، أن العقل إذا استعمل في درس مواضيع الكتب المقدسة و في مقابلة الآية بالآية و مقارنة الروحيات بالروحيات ليتَّسع اتساعًا عجيبًا بينًا SC 69.3 ليس ما يقوّي الإدراك مثل درس كلمة الله، و ليس ما يرفع الأفكار و يكسب العقل حذاقة مثل التأمل في الحقائق الكتابية العميقة المهذبة، فلو درس الإنسان الكلمة كما يجب لوجد فيها سعة عقل و سمو أخلاق و ثبات عزم قلما نراها في هذه الأيام SC 69.4 على أن الفائدة من قراءة الكتاب المقدس قراءة عاجله بدون ترو ضئيلة جدًا، فقد يقرأ المرء الكتاب كله، من التكوين إلى الرؤيا، و لا يرى شيئًا من جماله و لا يسير شبرًا من غوره، و أما إذا أطال التأمل في آية واحدة فقط إلى أن أدرك معناها و فهم مغزاها في تدبير الخلاص فيستفيد اكثر بكثير مما لو تلا فصولاً عديدة دون هدف و لا منفعة، إذن خذ كتابك معك و اقرأ فيه كلما وجدت لذلك فرصة سانحة، و استذكر آياته التي تقرأها، لأنه من الممكن أن يتأمل في الآيات و انت ماشٍ في الشارع فتثبتها في ذاكرتك SC 69.5 إننا لن نصير ذوي حكمة إلا إذا اعرنا الكتاب المقدس التفاتًا جديًا و درسناه دراسة مصحوبة بالصلاة، لأنه، و إن كان في الكتاب فصول لا يخطئ احد في فهمها إلا أن فيه أيضًا فصولاً ذات معنى عميق بعيد الغور، لا يسهل فهمها لأول وهلة، فيجب إذن مقارنة الآيات بالآيات مع توخي الدقة في البحث و التعميق في التفكير و الصلاة، و بذلك تعود علينا دراسة الكتاب المقدس بالخير العميم و النفع الجزيل، فكما يبحث المعدّن عن الأحجار الثمينة في جوف الأرض، هكذا يجب أن ننقب في كلمة الله عن كنز ثمين حتى نجد فيها حقائق ذات قيمة عظمى مما قد أخفي عن عيون كثيرين من الذين يقرؤون الكتاب قراءة عجلى، فان كلمة الوحي إذا وعيناها في قلوبنا و تدبرناها كانت بمثابة جداول تتدفق من ينبوع الحياة SC 70.1 و حذار من الإقدام على دراسة الكتاب دون أن تستعين بالصلاة، فقبل أن تتصفحه يجب أن تطلب الاستشارة من الروح القدس، و متى طلبت فلا بد من أن تنال، فان يسوع حين رأى نثنائيل مقبلاً إليه قال عنه “هو ذا إسرائيلي حقًا لا غش فيه، فقال له نثنائيل من أين تعرفني، أجاب يسوع و قال له قبل أن دعاك فيلبس و انت تحت التينة رأيتك” يوحنا ١ : ٤٧ و ٤٨، فيسوع الذي رأى نثنائيل وهو يصلي تحت التينة يراك أيضًا و انت تصلي في مخدعك إن كنت تتلمس منه النور لمعرفة الحق بل إن ملائكة النور انفسهم سيرافقونك و يأخذون بيدك إن كنت تطلب الهداية و الإرشاد بروح الاتضاع و الانقياد SC 70.2 إن عمل الروح القدس هو أن يعظم المخلص و يمجده إذ ان الروح هو الذي يقدم لنا المسيح و برّه و خلاصه كما قال يسوع عنه “ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي و يخبركم” يوحنا ١٦ : ١٤، فإنما روح الحق دون سواه هو المعلم المؤثر الفعّال الذي يستطيع أن يعلمنا الحق الإلهي SC 70.3 فيا لعظم تقدير الله لجنسنا البشري، إذ أعطانا ابنه ليبذل حياته لأجلنا و وهبنا الروح القدس ليكون معلمنا و مرشدًا لنا SC 71.1 اقرب ما دمت إلى مخلصي القدير مع أن قلبي معه في طريقه يسير لما رأيت أولاً جماله القدسي سقيت كأس حبه فانتعشت نفسي يا طيب ساعات بها أخلو مع الحبيب SC 71.2 يجري حديثي معه سرًا و لا رقيب SC 71


٩ - العمل والحياة

إن الله لمصدر الحياة و النور و السعادة للعالمين، تنبثق منه البركات لجميع مخلوقاته كما تنبثّ من الشمس أشعتها المنعشة و كما تنفجر من العين مياهها الحية، و عندما تملأ حياء الله قلب الإنسان تفيض منه حاملة المحبة و البركة للآخرين أيضًا SC 58.1 اغتبط المسيح أن يفدى الإنسان الهالك و تهلل أن يرفعه إلى الله، و لم يحسب حياته ثمينة عنده لإنجاز هذا العمل، بل بذلها “و احتمل الصليب مستهينًا بالخزي” و هكذا الملائكة أيضًا، فانهم يسعون دائمًا في إسعاد الآخرين، و في عملهم هذا يجدون لذة و سرورًا، فالخدمة التي يحسبها كل محب لذاته بالعمل المشين له، خدمة التعساء الذين هم دونه أخلافًا و مقامًا، إنما هي الخدمة التي يقوم بها ملائكة الله الاطهار، و روح المحبة الذي يقومون به بفرح و ابتهاج SC 58.2 متى حلت محبة المسيح في القلب تكون فيه كالمسك الذي لا تخفى رائحة بائعه بل تفوح منه فتنعش كل من يقاربه، و متى ساد روح المسيح في القلب يكون فيه كالعين في القفر تفيض مياهها لتنعش المعي و تولد فيه الشوق إلى الاستقاء من ينبوع الحياة الأبدية SC 59.1 من مظاهر المحبة ليسوع أن يسعى المحب في النسج على منواله فيعمل عمله في إسعاد الناس، و من خصائصها أن تبدي العطف و الشفقة و المؤاساة لكل من تشمله العناية الإلهية الأبوية SC 59.2 لم يعش المخلص على الأرض عيشة الدعة و الراحة و لم ينهمك في خدمة نفسه، بل كانت حياته إجهادًا دائمًا و نضالاً دائبًا لخلاص المنكوبين الهالكين و لم يعرف من المذود إلى الجلجثة إلا التضحية و إنكار النفس، فلم يطلب يومًا العفو من واجب مضنٍ، و لم يحاول التخلص من وعثاء سفر، و لم يهرب من عمل شاق، إذ انه “لم يأتِ ليُخدم بل ليخدم و ليبذل نفسه فدية عن كثيرين” متى ٢٠ : ٢٨، فالخدمة كانت غاية حياته العظمى و الوحيدة، و ما عداها كان ثانويًا و مما يستخدم في سبيل بلوغ الغاية المنشودة، و لم يكن من شيء ليشبع نفسه و يروي ظمأه كعمل مشيئة الآب، حتى أن حياته خلت من الاثرة و محبة الذات خلوًّا تامًا مطلقًا SC 59.3 كل من يقبل نعمة المسيح فمثله يكون على استعداد للقيام بأية تضحية حتى يتسنى لجميع الذين مات عنهم يسوع أن يشتركوا في قبول الهبة السماوية، و انه يسعى أيضًا إلى جعل العالم، بفضل حياته فيه، احسن مما كان عليه، فمثل هذه الخدمة هي من الأثمار الطيبة التي يأتي بها المتجدد الحقيقي الذي إذ اقبل إلى المسيح تولدت في نفسه الرغبة في المناداة بالصديق الحميم الذي وجده و في إعلان الحق الذي خلصه و قدسه و الذي لا يمكن إخفاؤه في قلبه، لان الذي قد لبى برّ المسيح و امتلأ قلبه من فرح الروح لا يستطيع السكوت عما اختبره بعد أن ذاق و عرف “ما أطيب الرب”، كما فعل فليبس الذي إذ وجد المسيح ذهب توًّا و فتش عن نثنائيل و دعاه قائلاً : تعال و انظر” و كذلك يحاول كل متجدد أن يعرض على الناس فضائل المسيح و أن يعرّفهم بغنى العالم غير المنظور و هو في ذلك يشتاق اشتياقًا عظيمًا إلى أن يرى الجميع فيه “حمل الله الذي يرفع خطية العالم” SC 59.4 لا شك في أن كل مسعى نبذله لإسعاد الآخرين يعود علينا بالبركات المضاعفة حسب قصد الله من إشراك الإنسان معه في إنجاز عمل الفداء، لأنه تعالى قد وهب للناس أن يصيروا شركاء الطبيعة الإلهية “و أن يعملوا، هم في دورهم، على إشراك بني جنسهم في هذه البركة. إن هذا لأسمى شرف و اعظم فرح يستطيع الله القدير أن يجود بهما على المخلوقات، فالذين يساهمون الله في أعمال المحبة هم إليه اقرب المقربين SC 60.1 كان من الممكن أن يسند الله الكرازة بالإنجيل إلى الملائكة السماوية و أن يكل اليهم أمر توزيع بركات المحبة، أو أن يستخدم وسيلة أخرى من الوسائل المتوفرة لديه لإنجاز مقاصده، و لكنه تعالى، اختارهم أن يكونوا هم العاملين معه و مع المسيح و الملائكة ليكون لهم أيضًا نصيب وافر من البركات و الأفراح و الرفعة التي تنجم عن هذه الخدمة الجليلة SC 60.2 و من بركات الشركة في آلام المسيح أنها تولد في قلب الشعور بروح المسيح، فالتضحية في الخدمة تقوّي الإنسان على الجود و الإحسان و توثق حلفه مع فادي الانام الذي افتقر و هو الغني لكي يستغني البشر بفقره، و ما لم يتم هكذا قصد الله في خلق الإنسان لا تكون الحياة بركة لصاحبها SC 60.3 إن خصصت نفسك لعمل كلّ ما يريده المسيح من تلاميذه، و سعيت إلى ربح النفوس الهالكة، لا بد من أن تشعر بحاجة إلى اختبار انجع و معرفة أوسع، لأنك تجوع و تعطش إلى البرّ و تتوسل إلى الله أن يقوّي إيمانك و يسقيك جرعات أغزر من ينبوع الخلاص، و أما المقاومة و الصعاب التي تلا قيها فإنها تقودك إلى درس كلمة الله و إلى المداومة على الصلاة فتنمو في نعمة المسيح و معرفته و تسعد باختبارات ثمينة غنية SC 60.4 إن التضحية في العمل لأجل الغير، التضحية الخالية من الاثرة، لتكسب الأخلاق عمقًا و ثباتًا و جمالاً مسيحيًا، و تملأ القائم بها سلامًا و سعادة، و ترفع الأماني و تطهرها و لا تترك مجالاً للتراخي و الإهمال، لأنه من شأن الفضائل المسيحية أن تنمي قوى ممارسها و تمنحه بصيرة ثاقبة و إيمانًا وطيدًا متزايدًا و قدرةً مقتدرةً في الصلاة، فالروح القدس، إذ يعزف على أوتار النفس يخرج منها نغمًا يتجاوب مع النغمة الإلهية، و أولئك الذين يقفون حياتهم على السعي إلى نفع الآخرين إنما هم في الواقع يعملون على خلاص انفسهم SC 60.5 على أن الطريقة المثلى للنمو في النعمة هي أن نشتغل بإخلاص في العمل المفروض علينا، و أن نبذل قصارى جهدنا لمساعدة من هم في حاجة إلى معونتنا، فإنما تتزايد قوتنا، بالمران و العمل، لان النشاط هو من مستلزمات الحياة و ضروراتها، فأولئك الذين يسعون إلى المحافظة على الحياة المسيحية بقبولهم البركات التي تأتيهم عن طريق وسائط النعمة، دون أن يعملوا شيئًا لأجل المسيح، مثلهم كمثل من يحاول أن يأكل دون أن يشتغل أو يعمل. فهذه الحالة، تأثيرها الروحي كتأثيرها الطبيعي، لأن الإنسان الذي يرفض أن يستخدم أعضاءه لا بد من أن يفقد القدرة على استعمالها، و لذلك فان المسيحي الذي لا يستخدم القوى المعطاة له من الله لا يتوقف فقط عن النمو بل هو يفقد القوة التي كانت له SC 61.1 و قد جعل الله كنيسة المسيح أداة لتخليص البشر، و وكل إليها مهمة تبليغ الإنجيل في كل أنحاء العالم، فهذه المسؤولية ملقاة على عاتق المسيحيين أجمعين، و يتعين على كل إنسان أن يعمل على تحقيق هذه المهمة بحسب ما يتيسر له من الفرص و المواهب، لان المحبة التي أعلنها لنا المسيح، تجعلنا مديونين لكل الذين لم يعرفوا المخلص بعد، إذ أن الله قد وهبنا نورًا، لا لكي نستأثر به لأنفسنا، بل لنضيء به على الآخرين SC 61.2 فلو أن اتباع المسيح كانوا متنبهين لواجبهم و حريصين على أداء مهمتهم، لكان الذين يقومون اليوم بنشر رسالة الإنجيل في البلاد الوثنية يُعدّون بالألوف بدلاً من الآحاد القلائل الذين يعملون اليوم، و لكان أولئك الذين لا يستطيعون أن يندمجوا في سلك العمل التبشيري بأنفسهم يخدمون قضية المسيح بأموالهم، و عطفهم، و صلواتهم، و لوجدنا في البلدان المسيحية، غيرة اكثر و اجتهادًا لربح النفوس SC 61.3 و لسنا في حاجة إلى أن نذهب إلى تلك الأقطار الوثنية البعيدة لنخدم المسيح، أو نغادر محيطنا الضيق الذي نعيش فيه، إن كان هو المكان الذي يجب علينا أن نعمل فيه، فنستطيع أن نخدم و نحن في المحيط العائلي، و في الكنيسة، و نستطيع أن نخدم أيضًا بين من نخالطهم و نزاملهم و نعمل معهم SC 62.1 قضى مخلصنا الشطر الأكبر من حياته، و هو يعمل في حانوت نجار بمدينة الناصرة، و قد كانت الملائكة تخدمه، و هو يسير جنبًا إلى جنب مع الفلاحين و العمال الذين لم يلقوا عليه بالاً و لم يعيروه التفاتًا، و كان يؤدي رسالته بكل صبر و أمانة في حرفته المتواضعة، كما كان يؤديها و هو يشفي مريضًا، أو و هو يمشي على بحر الجليل الهائج المائج، و هكذا يوكن لكل إنسان أن يكون في خدمة يسوع، وهو يمارس أوضع الحرف و احقر الأعمال SC 62.2 و لذلك يقول الرسول، “ما دُعي كل واحد فيه أيها الإخوة، فليلبث في ذلك مع الله”، ١ كورنثوس ٧ : ٢٤، فالتاجر يستطيع أن يدير عمله بكيفية تمجد سيده، إذا راعى الأمانة في شغله و جعل ديانته تتخلل كل معاملاته، و اظهر روح المسيح في كل تصرفاته، و الصانع يمكنه أن يكون مجدّا و أمينًا، ممثلاً سيده الذي كان يكدح، مؤديًا رسالته في ابسط الأعمال و اصغرها، و هكذا يجب على كل من يسمي اسم المسيح، أن يؤدي عمله، على الوجه الذي يقود الآخرين إلى تمجيد خالقهم و فاديهم SC 62.3 غير أن الكثيرين يعتذرون عن تقديم خدماتهم للمسيح، بحجة انهم ليسوا كغيرهم ممن خصهم الله بمزايا عظمى، و مواهب ممتازة، حتى لقد ساد عند بعضهم الاعتقاد بأن التكريس للخدمة يستلزم كفاءات نادرة و مؤهلات خاصة لا تتوفر إلا في فئة قليلة من الناس الذين خصهم الله دون سواهم بالمساهمة في الخدمة و الجزاء، و لكن هذه الفكرة لا تتوفر و المثل الذي ضربه المسيح، إذ أوضح “أن رب البيت دعا عبيده، و أسند إلى كل واحد منهم عمله الخاص”، مرقس ١٣ : ٣٤ SC 62.4 فان كان لنا روح المحبة، يمكن أن نؤدي احقر واجبات الحياة، “من القلب كما للرب”، كولوسي ٣ : ٢٣، و إذا كانت محبة الله في قلوبنا، فإنها تتجلى في حياتنا، فتنبعث منا رائحة المسيح الزكية، و يكون تأثيرها في الآخرين عاملاً على رفعتهم و إسعادهم SC 63.1 فما عليك أن تنتظر حتى تتهيأ لك فرص عظيمة، تحصل على مواهب خارقة العادة لكي تستطيع أن تخدم الله، و لا يجب أن تكون مشغولاً بما يفتكر به العالم عنك، لأنه إذا كانت حياتك تشهد بطهارة إيمانك، و إخلاص بواعثك، و شدة رغبتك في خدمة الناس و نفعهم، فان جهودك لن تضيع هباءً SC 63.2 و هكذا يستطيع افقر إنسان و احقر مخلوق من تلاميذ يسوع أن يكون بركة للآخرين، و قد لا يشعر بانه يأتي عملاً يذكر في هذه الحياة، و مع ذلك فانه بتأثيره الخفي يحدث نتائج بعيدة المدى، إذ تتبارك، بسبب حياته و قدوته جموع غفيرة من الناس، و ربما يظل غير شاعر بمثل هذا التأثير في حياة الآخرين حتى ذلك اليوم الذي يكافأ من الله، فأمثال هذا لا يشغلون انفسهم بمدى النجاح الذي يمكن أن يصيبوه، و إنما هم يسيرون في هذه الحياة قُدُمًا، مؤدين عملهم في هدوء و أمانة، بحسب الدعوة التي دعوا إليها، فهؤلاء لن يضيعوا حياتهم سدى، بل هم سيظلون في نمو مطرد حتى يصبحوا مشابهين لصورة المسيح و مثاله، و إذ هم عاملون مع الله في هذه الحياة، فهم بذلك إنما يهيئون انفسهم لذلك العمل الأسمى، و الفرح الخالص المعدَّين لهم في الحياة الأخرى SC 63.3 كثيرة هي الطرق التي بها يطلب الله أن يقودنا إلى معرفته، و إلى الوئام و الشركة معه، فهذه الطبيعة التي تناجي مدركاتنا اناء الليل و أطراف النهار تؤثر في كل قلب مفتوح و تهمس في كل أذن صاغية مخبرة بمحبة صانعها و معلنة مجده، فكأني بالحقول الخضراء و الأشجار الباسقة، و بالسحب المارة و الغيوث السارة، و بخرير السيل و جمال السماء و هي تحدثنا عن خالقها و تدعونا إلى التعرف به SC 64.1 لقد مثل مخلصنا تعاليمه بما في الطبيعة، و قارن الحقائق الأبدية الثمينة التي نطق بها بالأشجار و الأطيار و بزهور الوهاد و كروم النجاد، و بالبحيرات الرائقة و السماوات الرائعة، و ألحقها بحوادث الحياة العادية و أحوالها اليومية لكيلا تغرب عن ذاكرة سامعيه بل يتعظوا بها وسط انهماكات الحياة و أتعابها الكثيرة SC 65.1 يريد الله أن يستمع أولاده بحسن صنعته و يبتهجوا بالجمال البسيط المحتشم الذي زين به مسكننا الأرضي هذا، لان الله يحب الجمال، و لا سيما جمال الأخلاق الذي يفضله على كل زينة خارجية مهما كانت، و يشتاق إلى أن برانا مرتدين جمالاً كجمال الزهور الهادي العجيب SC 65.2 لو تأملنا أعمال الله لتعلمنا منها دروسًا ثمينة في الطاعة له و الاتكال عليه، من كل ما في الطبيعة من الأجرام الفلكية الكبيرة التي على مدى الأجيال تتبع مداراتها المتسعة المعينة لها، و كل ما في الكون من ذرات صغيرة أيضًا، تطيع إرادة خالقها وهو يعتني بها و يقوم بحاجتها، و إن الذي يحمل العوالم الكثيرة السابحة في الفضاء الفسيح، هو الذي يعتني أيضًا بالعصافير التي تغرّد تمجيدًا لخالقها بلا خوف أو وجل، وهو الذي يهيمن على العامل إذ يخرج لعمله اليومي كما يهيمن عليه في المخدع و في أثناء رقاده و حين قيامه من النوم، و انه لا يفتأ يراقب الغني إذ يولم في قصره الولائم الفاخرة كما يراقب الفقير إذ يجمع أولاده حول مائدته الحقيرة ليقاسمهم خبزه الحاف، فليس من دمعة تذرف إلا و يراها الله، و ليس من ابتسامة إلا و يلاحظها بشوق و اهتمام SC 65.3 لو آمنا بهذه القدرة و وثقنا بهذه العناية لطرحنا عنا كل اهتمام زائد و لأبعدنا عنا كل خيبة أمل، بل و تركنا جميع أمورنا صغيرة أكانت أم كبيرة، بين يدي القدير الذي لا تحيره كثرة العناية و لا يثقله تعب الرعاية، و لكنا نمتع نفوسنا بالراحة التي طالما اشتقنا إليها SC 65.4 إذ تبتهج مداركك بجمال الأرض الخلاَّب اجتهد أن تتصوَّر في مخيلتك الأرض الجديدة التي لا تشوبها خطية و لا تمتد إليها سلطة الموت و لا يظهر عليها ظل اللعنة، ثم إذا بلغت الحد في تصوّرك اعلم أنها ستكون اجمل و امجد بكثير من كل تصوّراتك، لأنك لا تستطيع أن ترى الآن، مع تنوّع عطايا الله، إلا لمحة خاطفة من مجده السني، كما هو مكتوب “ما لم ترَ عين و لم تسمع أذن و لم يخطر على بال إنسان ما اعده الله للذين يحبونه”، ١ كورنثوس ٢ : ٩ SC 66.1 قد يفصح الشعراء في وصف جمال الطبيعة و يبالغ العلماء في الكلام عن غرائبها، و أما الذي يتمتع بها تمتعًا مشبعًا فهو المؤمن لأنه يرى فيها عمل يد أبيه و يميز دلائل حبه تعالى في زهورها و أشجارها و أثمارها. و أما الذي لا يميز محبة الله في النجاد و الوهاد، و في الأنهر و الأبحر، فلا يعرف معناها و لا تناجيه بما تكنه له من محبة و عناية SC 66.2 يكلمنا الله أيضًا في عنايته بنا و يناجينا بفعل روحه القدوس فينا، فان حوادث الحياة و التقلبات التي نشاهدها من يوم إلى يوم، لو فطنا لها، لتعلمنا عن محبة بارينا، كما انشد المرنم في ذلك واصفًا العناية الإلهية الدائمة قائلاً، “امتلأت الأرض من رحمة الرب” و “من كان حكيما يحفظ هذا و يتعقل مراحم الرب” مزمور ٣٣ : ٥ و ٧ و ١ : ٤٣ SC 66.3 يخاطبنا الله كذلك في كلمته المنزلة، و فيها يعلن صفاته بصيغة واضحة جلية إذ يعرفنا فيها بأعماله العظيمة في فداء الإنسان و يسرد أمامنا تاريخ الآباء و الأنبياء القديسين الذين كانوا تحت الآلام مثلنا و جاهدوا في أحوال كأحوالنا الصعبة، و ولوا هاربين منهزمين مثلنا، ثم عادوا و تشجعوا و انتصروا بنعمة الله، و نحن إذ نراهم نتشجع أيضًا في سعينا وراء البر، و إذ نقرأ عن اختباراتهم الثمينة و تمتعهم بالنور و المحبة و البركة، و عن العمل الذي قاموا به بنعمة الله و عن الروح الذي اظهروه، يضطرم في قلوبنا لهيب الاشتياق إلى أن نقتدي بهم و أن نكون مثلهم و أن نسير مع الله كما ساروا معه SC 66.4 قال يسوع عن كتب العهد القديم أنها “هي التي تشهد لي”، يوحنا ٥ : ٣٩، و ما قاله عن العهد العتيق يصدق بالأحرى عن كتب العهد الجديد، لان الكتاب المقدس كله لا يخبرنا إلا بالفادي الذي بدونه يكون الجنس البشري الهالك عديم الأمل في الحياة الأبدية. إن المسيح هو موضوع إعلان الله، فمن الكلمة الأولى، “في البدء خلق الله السموات و الأرض” إلى الأخيرة في الرؤيا “ها أنا آتي سريعًا” لا تقرأ إلا عن أعماله و لا تسمع إلا صوته، فإذا أردت أن تتعرَّف بيسوع عليك بقراءة الكتب المقدسة SC 66.5 املأ قلبك إذن بكلمة الله، لأنها الماء الحي الذي يروي لظى عطشك كما و أنها الخبز الحي من السماء الذي يشبع فرط جوعك، و لقد صرح يسوع بذلك قائلاً “إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان و تشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم” يوحنا ٦ : ٥٤، ثم اردف موضحًا معناه “الكلام الذي أكلمكم به هو روح و حياة”، عدد ٦٣، فكما أن أجسادنا تتغذى و تبنى مما تتعاطاه من مأكل و مشروب، كذلك أرواحنا أيضًا، فإنها تستمد قوة و شجاعة مما نتأمل فيه من الأمور الروحية الأبدية SC 67.1 إن موضوع الفداء العجيب لموضوع “تشتهي الملائكة أن تطَّلع عليه” وهو سيكون موضوع دراسة المفديين و موضوع ترنمهم و تهللهم مدى الدهور الأبدية. إذن أفليس هو الآن جديرا بالتفكير العميق و الاعتبار الجدي الدقيق؟ بلى، لان محبة المسيح و رحمته و تضحيته العظيمة من اجلنا لتستلزم أعمق التأمل و أوفر التفكير، بل و يجب أن نطيل التبصر في صفات فادينا و شفيعنا و نديم النظر في رسالة ذاك الذي أتى ليخلص شعبه من خطاياهم فان التأمل في هذه المواضيع السماوية يقوي محبتنا و يزيد إيماننا و يملأنا ثقة و محبة، فتصعد صلواتنا إذ ذاك مقبولة عند الله لأنها تصدر عن ذهن مستنير و عاطفة مضطرمة و ثقة ثابتة بيسوع و اختبار حي في قوّته القادرة أن تخلص “إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله” SC 67.2 عندما نتأمل مليًا في كمالات المخلص يتولد فينا شوق شديد إلى تغيير كامل و تجديد شامل لنشترك في قداسته و طهارته، ذلك لأننا نزداد جوعًا و عطشًا إلى التشبه به، حتى إذا صار الفادي الموضوع الشاغل في أفكارنا نلهج به في كلامنا و نظهره للعالم في حياتنا و أعمالنا SC 69.1 هذا و ليست الكتب المقدسة للعلماء فقط، بل قد خصصت أيضًا لعامة الناس و جاءت فيها الحقائق العظمى بشأن الخلاص واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار حتى لا يخطئ احد الطريق و لا يضلّ عن سواء السبيل إلاّ من استقلَّ برأيه و حاد عمدًا عن مشيئة الله المعلنة الجلية SC 69.2 يجب ألا نكتفي من شهادة إنسان ما بما يقول الكتاب المقدس، بل يجب أن نطالع كلمة الله بأنفسنا، لان اتكالنا على دراسة غيرنا يفلّ نشاطنا و يميت مواهبنا و يضعف فينا القوى العقلية الثمينة التي لا تنمو إلا باستخدامها في مواضيع سامية يتطلب استيعابها مجهودًا عظيمًا متوصلاً، و إذا حدث ذلك نفشل في إدراك معنى كلمة الله، أن العقل إذا استعمل في درس مواضيع الكتب المقدسة و في مقابلة الآية بالآية و مقارنة الروحيات بالروحيات ليتَّسع اتساعًا عجيبًا بينًا SC 69.3 ليس ما يقوّي الإدراك مثل درس كلمة الله، و ليس ما يرفع الأفكار و يكسب العقل حذاقة مثل التأمل في الحقائق الكتابية العميقة المهذبة، فلو درس الإنسان الكلمة كما يجب لوجد فيها سعة عقل و سمو أخلاق و ثبات عزم قلما نراها في هذه الأيام SC 69.4 على أن الفائدة من قراءة الكتاب المقدس قراءة عاجله بدون ترو ضئيلة جدًا، فقد يقرأ المرء الكتاب كله، من التكوين إلى الرؤيا، و لا يرى شيئًا من جماله و لا يسير شبرًا من غوره، و أما إذا أطال التأمل في آية واحدة فقط إلى أن أدرك معناها و فهم مغزاها في تدبير الخلاص فيستفيد اكثر بكثير مما لو تلا فصولاً عديدة دون هدف و لا منفعة، إذن خذ كتابك معك و اقرأ فيه كلما وجدت لذلك فرصة سانحة، و استذكر آياته التي تقرأها، لأنه من الممكن أن يتأمل في الآيات و انت ماشٍ في الشارع فتثبتها في ذاكرتك SC 69.5 إننا لن نصير ذوي حكمة إلا إذا اعرنا الكتاب المقدس التفاتًا جديًا و درسناه دراسة مصحوبة بالصلاة، لأنه، و إن كان في الكتاب فصول لا يخطئ احد في فهمها إلا أن فيه أيضًا فصولاً ذات معنى عميق بعيد الغور، لا يسهل فهمها لأول وهلة، فيجب إذن مقارنة الآيات بالآيات مع توخي الدقة في البحث و التعميق في التفكير و الصلاة، و بذلك تعود علينا دراسة الكتاب المقدس بالخير العميم و النفع الجزيل، فكما يبحث المعدّن عن الأحجار الثمينة في جوف الأرض، هكذا يجب أن ننقب في كلمة الله عن كنز ثمين حتى نجد فيها حقائق ذات قيمة عظمى مما قد أخفي عن عيون كثيرين من الذين يقرؤون الكتاب قراءة عجلى، فان كلمة الوحي إذا وعيناها في قلوبنا و تدبرناها كانت بمثابة جداول تتدفق من ينبوع الحياة SC 70.1 و حذار من الإقدام على دراسة الكتاب دون أن تستعين بالصلاة، فقبل أن تتصفحه يجب أن تطلب الاستشارة من الروح القدس، و متى طلبت فلا بد من أن تنال، فان يسوع حين رأى نثنائيل مقبلاً إليه قال عنه “هو ذا إسرائيلي حقًا لا غش فيه، فقال له نثنائيل من أين تعرفني، أجاب يسوع و قال له قبل أن دعاك فيلبس و انت تحت التينة رأيتك” يوحنا ١ : ٤٧ و ٤٨، فيسوع الذي رأى نثنائيل وهو يصلي تحت التينة يراك أيضًا و انت تصلي في مخدعك إن كنت تتلمس منه النور لمعرفة الحق بل إن ملائكة النور انفسهم سيرافقونك و يأخذون بيدك إن كنت تطلب الهداية و الإرشاد بروح الاتضاع و الانقياد SC 70.2 إن عمل الروح القدس هو أن يعظم المخلص و يمجده إذ ان الروح هو الذي يقدم لنا المسيح و برّه و خلاصه كما قال يسوع عنه “ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي و يخبركم” يوحنا ١٦ : ١٤، فإنما روح الحق دون سواه هو المعلم المؤثر الفعّال الذي يستطيع أن يعلمنا الحق الإلهي SC 70.3 فيا لعظم تقدير الله لجنسنا البشري، إذ أعطانا ابنه ليبذل حياته لأجلنا و وهبنا الروح القدس ليكون معلمنا و مرشدًا لنا SC 71.1 اقرب ما دمت إلى مخلصي القدير مع أن قلبي معه في طريقه يسير لما رأيت أولاً جماله القدسي سقيت كأس حبه فانتعشت نفسي يا طيب ساعات بها أخلو مع الحبيب SC 71.2 يجري حديثي معه سرًا و لا رقيب SC 71