×

We use cookies to help make LingQ better. By visiting the site, you agree to our cookie policy.


image

طريق الحياة, ٧ - متجددون في المسيح

٧ - متجددون في المسيح

“إذًا، إن كان احد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هو ذا الكل قد صار جديدًا”، ٢ كورنثوس ٥ : ١٧ SC 44.1 قد لا يستطيع شخص أن يعرف تمامًا الوقت الذي بدأ فيه أن يتجدد، و قد لا يستطيع أيضًا أن يحدد المكان أو الظروف التي لابست عملية التجديد و لكن هذا لا يعني انه غير متجدد، فقد قال المسيح لنيقوديموس، “الريح تهبُّ حيث تشاء و تسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتي و لا إلى أين تذهب. هكذا كل من ولد من الروح”، يوحنا ٣ : ٨، و كما أن الروح لا ترى بالعين بل تعرف بتأثيرها و قوّتها، فكذلك عمل روح الله في قلب الإنسان، فهذه القوة المجددة، التي لا يمكن أن ترى بالعين البشرية، تولد في النفس حياة روحية، و تجعل من الإنسان مخلوقًا جديدًا على صورة الله، و فيما يكون عمل الروح في الداخل سرّيًا خفيًا، إذا بتأثيره في الحياة الخارجية يبدو ظاهرًا جليًا، و كل تجديد يتم في قلب الإنسان بفعل الروح القدس، تتجلى آثاره للعيان، فلئن كان عمل الروح فينا غير منظور، إلا أن حياتنا تنبئ به، و أعمالنا تدل عليه، و إذا حل في قلوبنا روح المسيح، فلا بد من أن يكون فرق واضح بين ما كنا عليه، و بين ما صرنا إليه، غير أن المصادفات، صالحة كانت أم طالحة، لا تكشف القناع عن حقيقة أخلاق الإنسان، و إنما يعلنها اتجاه حياته الدائم و أعماله و كلماته المعتادة SC 44.2 نعم، قد يستطيع الإنسان أن يبدو للناس في مظهر حسن لائق دون أن يكون متجددا بنعمة الله، وقد ينشئ حب النفوذ و الرغبة في إعجاب الغير نظامًا جميلاً في حياته، و قد يؤدي به الاعتداد بالذات إلى تجنب الشر و شبه الشر، “و قد يجود البخيل”، فكيف إذن، و الحالة هذه، نستطيع أن نحكم في أننا قد تجددنا أم لا؟ SC 45.1 و لكن لمن القلب؟ و في من نفكر و عمن نتحدث؟ و بمن نتعلق حبًا و اشتياقًا، و لأجل من نبذل أقصى الجهود؟ لأننا إن كنا للمسيح فبه نلهج و اسمه نذكر و له نقف جميع ما لنا، و أننا لنشتاق إذ ذاك إلى أن نكون مثله، و نقتفي آثاره، و نمتلئ من روحه، و نطلب رضاه في كل شيء SC 45.2 فكل الذين يصيرون في المسيح خليقة جديدة “يظهرون في حياتهم أثمار الروح، التي هي، “محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف صلاح، إيمان، وداعة، تعفف”، غلاطية ٥ : ٢٢ و ٢٣، فلا يعودون يسلكون حسب شهواتهم السابقة، بل بإيمان ابن الله يتبعون خطواته، و يحملون صفاته و سجاياه، و يطهرون انفسهم كما هو طاهر، حتى لقد تراهم، فإذا هم يحبون ما كانوا يكرهون، و يكرهون ما كانوا يحبون، فالداعر الفاجر تراه و إذا هو قديس طاهر، و المتكبر الفخور تراه فإذا هو متواضع شكور، و مدمن الخمر تراه فإذا هو قد طرح الشر جانبًا، و حوَّل اهتمامه إلى إنسان “القلب الخفي”، “و زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو قدام الله كثير الثمن”، ١ بطرس ٣ : ٣ و ٤ SC 45.3 فليس من دليل على التوبة الصحيحة، إلا إذا شمل الحياة كلها تغيير فعلي و إصلاح حقيقي، فإذا قام الخاطئ بردّ ما ارتهنه، و تعويض ما استلبه و الاعتراف بما اقترفه و ارتكبه، و اظهر محبته لله، و لأخيه الإنسان، ليعلم انه قد انتقل من الموت إلى الحياة SC 45.4 و عندما نأتي إلى المسيح، كخطاة و أثمة، و نحظى بنعمة الغفران، تتفجر في قلوبنا ينابيع المحبة، فيصبح نيره هينًا، و حمله خفيفًا، ، يصير الواجب لذة، و تصبح التضحية غبطة و مسرة، و نرى الطريق الذي كان يبدو لنا مظلمًا مخيفًا، فإذا هو قد اصبح مزدانًا بشمس البرّ، و مغمورًا بأشعتها الجميلة SC 46.1 يتجلى في تبّاع المسيح سمو صفاته و كمال سجاياه، فهو سرَّ بان يفعل مشيئة الله، و لذلك ملكت حياته المحبة لله و الغيرة على مجده، بل زانت المحبة جميع أعماله و حلت كل تصرفاته، و ليست المحبة إلا من الله، فلا يستطيع قلب الخاطئ أن ينشئها و لا أن يحويها، إنما هي تسود فقط في القلب الذي يملك فيه يسوع، فنحن نحبه، لأنه هو احبنا أولاً، و المحبة مبدأ العمل في كل متجدد بنعمة الله، تلطف سجاياه، و تقمع أهواءه، و تملك براعته و تستأصل عداوته، و ترقق عواطفه، فهذه المحبة، إن عززتها النفس، تزين الحياة و تؤثر تأثيرًا جميلاً في كل من يراها SC 46.2 يتعرض أولاد الله، و لا سيما حديثو الإيمان منهم، لغلطتين يجب أن يكونوا على حذر منهما، أولاهما، و قد تقدم الكلام فيها، غلطة الاعتماد على جهودهم ظنًا منهم انهم يصيرون على وئام مع الله بأعمالهم، و الحقيقة هي أن الذي يطلب أن يتقدس بحفظ ناموس الله يطلب المستحيل، فالأعمال التي يقوم بها الإنسان بدون المسيح تتلوَّث بالاثرة و الخطية، لان التقديس إنما هو بالإيمان بنعمة المسيح وحدها SC 46.3 و أما الغلطة الثانية فهي نقيضة الأولى، ولا تقلّ عنها خطرًا، و هي زعم بعضهم أن الإيمان بالمسيح قد حرر المؤمن من واجب الطاعة لناموس الله، و انه ليس للأعمال شأن في الفداء لان الإنسان يصير شريكًا في نعمة المسيح بالإيمان فقط SC 46.4 و لكن الطاعة هنا ليست مجرد إذعان، ظاهري، بل هي خدمة المحبة، فان ناموس الله يعبر عن صفات الله، و قد تجسم في هذا الناموس مبدأ المحبة، و لذلك هو أساس حكم الله في السماء و على الأرض، فإذا كانت قلوبنا قد تجددت على صورة الله و استقرَّت المحبة الإلهية في النفس، أفلا يتمثل ناموسه في حياتنا؟ و متى ساد مبدأ المحبة في القلب و تجدد الإنسان حسب صورة خالقه فقد تم الوعد الذي جاء في العهد الجديد القائل : “اجعل نواميسي في قلوبهم و اكتبها في أذهانهم”، عبرانين ١٠ : ١٦. و إذا كان الناموس مسطورًا على القلب أفلا يكيف الحياة؟ فالطاعة المبنية على خدمة المحبة و الولاء، هي علامة التلمذة الحقيقية الفارقة. لذلك يقول الكتاب “فان هذه محبة الله أن نحفظ وصاياه”، ١ يوحنا ٥ : ٣ “فمن قال قد عرفته و هو لا يحفظ وصاياه، فهو كاذب و ليس الحق فيه” ١ يوحنا ٢ : ٤. فالإيمان إذن لا يحرر الإنسان من واجب الطاعة، بل بالحري هو الإيمان و الإيمان وحده الذي يجعله شريكًا في النعمة التي تقدره على تقديم الطاعة الكاملة SC 46.5 على أن الخلاص لا يصير حقًا لنا بالطاعة، إنما الخلاص هبة مجانية نتقبله من الله بالإيمان، و ما الطاعة إلا ثمرة الإيمان لذلك يقول الرسول، “تعلمون أن ذلك أظهر لكي يرفع خطايانا و ليس فيه خطية، كل من يثبت فيه لا يخطئ، كل من يخطئ لم يبصره و لا عرفه”، ١ يوحنا ٣ : ٥ و ٦. فالطاعة إذن هي العلامة الفارقة، لان الذي يثبت في المسيح و تملك المحبة في قلبه تكون أمياله و أعماله مطابقة لإرادة الله المعلنة في وصايا شريعته المقدسة، “أيها الأولاد، لا يضلكم احد، من يفعل البر فهو بار كما أن ذاك بار”، ١ يوحنا ٣ : ٧، و أما مقياس البر فهو ناموس الله الذي انزله على جبل سيناء SC 47.1 إذن، فالإيمان المزعوم الذي يحرر الناس من التزامات الطاعة لناموس الله، ليس هو في الحقيقة إيمانًا، بل تصلفًا و تطاولاً، و صحيح أن الرسول بولس يقول : “بالنعمة انتم مخلصون بالإيمان”، افسس ٢ : ٨، و لكن يجب ألا يغرب عن بالنا أن “الإيمان أيضًا إن لم يكن له أعمال فهو ميت في ذاته”، يعقوب ٢ : ١٧، و لقد اكد يسوع نفسه وجوب الطاعة للناموس إذ قال عن نفسه قبل مجيئه إلى هذه الأرض، “أن افعل مشيئتك يا الهي سررت، و شريعتك في وسط أحشائي”، مزمور ٤٠ : ٨. و قال أيضًا قبل صعوده “أنا قد حفظت وصايا أبي و اثبت في محبته” : يوحنا ١٥ : ١٠، و كذلك يقول الروح القدس على لسان يوحنا “بهذا نعرف أننا قد عرفناه، أن حفظنا وصاياه. من قال قد عرفته و هو لا يحفظ وصاياه فهو كاذب و ليس الحق فيه... و من قال انه ثابت فيه ينبغي انه كما سلك ذاك، هكذا يسلك هو أيضًا”، ١ يوحنا ٢ : ٣ ـ ٦، و قوله على لسان الرسول بطرس ‘فان المسيح أيضا تألم لأجلنا، تاركًا لنا مثالاً لكي تتبعوا خطواته”، ١ بطرس ٢ : ٢١ SC 47.2 يتبين من هذا أن الطاعة الكاملة للناموس الإلهي، لا تزال هي شرط التمتع بالحياة الأبدية، كما كانت في عهد أبوينا الأولين، و هما في جنة عدن، لأنه لو كان شرط آخر للحصول على الحياة الأبدية، دون الطاعة الكاملة لله، لظل باب الخطية مفتوحًا على الدوام تتدفق منه سيول البؤس و الشقاء، مما يقضي على سعادة الكون باسره SC 48.1 لقد كان في مقدور آدم، قبل السقوط، أن يصوغ سجايا بارة بالطاعة لناموس الله، و لكنه عصى فسقط، و بخطيته سقطنا نحن أيضًا، و لا نستطيع أن نغير طبيعتنا فنصير أبرارًا، و لا يمكننا، و نحن نجسون، أن نؤدي الطاعة الكاملة لناموس مقدس، و ليس لنا برّ ذاتي نوفي مطاليب العدالة الحقة، و لكن المسيح قد فتح لنا باب النجاة إذ قد عاش على الأرض فتعرّض لكل ما نتعرّض له نحن من تجارب الحياة و شدائدها، و انتصر، فقد عاش بلا خطية ثم مات لأجلنا، و هو مستعد لان يحمل عنا خطايانا و يهبنا برّه، فإذا انت سلمته نفسك و قبلته فاديًا و مخلصًا لك حسبت بارًا كأنك لم تخطئ قط، إذ أن صفاته قد حسبت لك فصارت صفاتك SC 48.2 و فضلاً عن ذلك، فان المسيح يغير القلب و يحل فيه بالإيمان، فعليك أن تحتفظ بصلتك بالمسيح، بالإيمان، و تعمل على إخضاع إرادتك له إخضاعًا مستمرًا، و ما دمت تفعل ذلك، فانه يعمل فيك أن تريد أن تعمل من اجل المسرّة، حتى تستطيع أن تقول، “فما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله، الذي احبني، و اسلم نفسه لأجلي”، غلاطية ٢ : ٢٠، و لذلك قال المسيح لتلاميذه، “لان لستم انتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم”، متى ١٠ : ٢٠، و إذ يكون المسيح عاملاً فيك، تستطيع أن تظهر روحه، و أن تعمل أعماله، أعمال البر الفضلى التي هي الطاعة المثلى SC 48.3 و إذن، فليس لنا في انفسنا ما يحملنا على التفاخر، أو يسوّغ لنا التعاظم لان أساس رجائنا، إنما هو بر المسيح المحسوب لنا و ما يعمله الروح فينا و بنا SC 49.1 و إذا نتكلم عن الإيمان يجب أن يكون في فكرنا التمييز بين الإيمان الحقيقي و مجرد التصديق لان الشيطان نفسه لا يستطيع أن ينكر وجود الله، و لا أن يتجاهل قدرته أو يكذب صدق أقواله، كما اثبت ذلك الرسول يعقوب في قوله “الشياطين يؤمنون و يقشعرون” يعقوب ٢ : ١٩. إلا أن إيمان الشياطين ليس إيمانًا للخلاص إذ ليس فيه خضوع لإرادة الله، و أما الإيمان الذي يحدو بالإنسان إلى تسليم قلبه لله و الاتكال عليه فهو الإيمان الصحيح، “الإيمان العامل بالمحبة” الذي يجدد في صاحبه صورة الله حتى أن القلب، الذي في حالة عدم تجدده ليس خاضعًا لناموس الله، لأنه أيضًا لم يستطع، اصبح يبتهج بالشريعة قائلاً مع المرنم “كم أحببت شريعتك، اليوم كله هي لهجي” مزمور ١١٩ : ٩٧، و هكذا “يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح” رومية ٨ : ١ و ٤ SC 49.2 و بين المؤمنين قوم يعرفون محبة المسح الصفوح و يرغبون في أن يكونوا أولادًا لله، غير انهم يشعرون بان حياتهم مليئة بالنقائص و العيوب مما يحملهم على الارتياب من انهم تجددوا بالروح القدس، فلأمثال هؤلاء أقول، لماذا التخاذل؟ لأننا كثيرًا ما نلتزم بعد قبولنا المسيح أن نبادر إليه و نرتمي عند قدميه معترفين بدموع سخية بخطايانا و تقصيراتنا، و لكن علينا أن لا نيأس، لان الله، و إن كان العدو قد غلبنا، لا يرفضنا و لا يهملنا و لا يتركنا، فالمسيح عن يمين الاب يشفع فينا، و قد قال يوحنا الحبيب في هذا “يا أولادي اكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا، و إن اخطأ احد فلنا شفيع عند الاب يسوع المسيح البار”، ١ يوحنا ٢ : ١. لنذكر أيضًا كلمات يسوع، “الاب نفسه يحبكم”، يوحنا ١٦ : ٢٧، و هو يريد أن يردك إليه و يطبع على حياتك صورته و قداسته. فإذا كنت تسلم نفسك له لا بد من أن يكمل العمل الصالح الذي ابتدأه فيك، فلنصلّ بأكثر لجاجة و لنؤمن إيمانًا راسخًا، و كلما شعرنا بضعفنا فلنزدد ثقة بقدرة الفادي و لنرتجِ الله لأننا بعد نحمده خلاص وجهنا و الهنا. مزمور ٤٣ : ٥ SC 49.3 اننا، كلما دنونا من يسوع. ازددنا شعورًا بما فينا من نقائص و عيوب، إذ نرى انفسنا على حقيقتها في ضوء الكمال الإلهي، و ما الشعور بالنقص إلا الدليل على أن القلب قد بدا يزايله الغرور، و أن الضمير قد بدا يستيقظ من سباته و يبعث من موته، بفعل الروح القدس SC 50.1 و لن تتأصل في قلوبنا محبة يسوع، ما لم نتحقق من اثميتنا، و ندرك خطأنا، و لن نعجب بكمال الله و جماله، ما لم تكن قلوبنا متحدة بنعمته. فان كنا لم نرَ بعد نقصنا الروحي، و لم ندرك ضعفنا الأدبي، فما ذلك إلا الدليل البيّن على أننا لم نعرف المسيح بعد، و لم نجتلِ محاسنه و مزاياه SC 50.2 فكلما قلّ تقديرنا لأنفسنا، ازداد تقديرنا لطهارة المخلص و جماله الذين لا حد لهما، و إننا إذ ندرك خطأنا و اثميتنا، نلجأ إلى ذاك الذي يستطيع أن يعفو و يصفح، و إذ نشعر بقصورنا و عجزنا، فانه لا يني عن إعلان ذاته بقوة، و كلما شعرنا بالحاجة إليه، و إلى كلمته، تجلت لنا بأكثر وضوح، صفاته الجليلة، و انطبعت في قلوبنا صورته الجميلة SC 50.3


٧ - متجددون في المسيح

“إذًا، إن كان احد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هو ذا الكل قد صار جديدًا”، ٢ كورنثوس ٥ : ١٧ SC 44.1 قد لا يستطيع شخص أن يعرف تمامًا الوقت الذي بدأ فيه أن يتجدد، و قد لا يستطيع أيضًا أن يحدد المكان أو الظروف التي لابست عملية التجديد و لكن هذا لا يعني انه غير متجدد، فقد قال المسيح لنيقوديموس، “الريح تهبُّ حيث تشاء و تسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتي و لا إلى أين تذهب. هكذا كل من ولد من الروح”، يوحنا ٣ : ٨، و كما أن الروح لا ترى بالعين بل تعرف بتأثيرها و قوّتها، فكذلك عمل روح الله في قلب الإنسان، فهذه القوة المجددة، التي لا يمكن أن ترى بالعين البشرية، تولد في النفس حياة روحية، و تجعل من الإنسان مخلوقًا جديدًا على صورة الله، و فيما يكون عمل الروح في الداخل سرّيًا خفيًا، إذا بتأثيره في الحياة الخارجية يبدو ظاهرًا جليًا، و كل تجديد يتم في قلب الإنسان بفعل الروح القدس، تتجلى آثاره للعيان، فلئن كان عمل الروح فينا غير منظور، إلا أن حياتنا تنبئ به، و أعمالنا تدل عليه، و إذا حل في قلوبنا روح المسيح، فلا بد من أن يكون فرق واضح بين ما كنا عليه، و بين ما صرنا إليه، غير أن المصادفات، صالحة كانت أم طالحة، لا تكشف القناع عن حقيقة أخلاق الإنسان، و إنما يعلنها اتجاه حياته الدائم و أعماله و كلماته المعتادة SC 44.2 نعم، قد يستطيع الإنسان أن يبدو للناس في مظهر حسن لائق دون أن يكون متجددا بنعمة الله، وقد ينشئ حب النفوذ و الرغبة في إعجاب الغير نظامًا جميلاً في حياته، و قد يؤدي به الاعتداد بالذات إلى تجنب الشر و شبه الشر، “و قد يجود البخيل”، فكيف إذن، و الحالة هذه، نستطيع أن نحكم في أننا قد تجددنا أم لا؟ SC 45.1 و لكن لمن القلب؟ و في من نفكر و عمن نتحدث؟ و بمن نتعلق حبًا و اشتياقًا، و لأجل من نبذل أقصى الجهود؟ لأننا إن كنا للمسيح فبه نلهج و اسمه نذكر و له نقف جميع ما لنا، و أننا لنشتاق إذ ذاك إلى أن نكون مثله، و نقتفي آثاره، و نمتلئ من روحه، و نطلب رضاه في كل شيء SC 45.2 فكل الذين يصيرون في المسيح خليقة جديدة “يظهرون في حياتهم أثمار الروح، التي هي، “محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف صلاح، إيمان، وداعة، تعفف”، غلاطية ٥ : ٢٢ و ٢٣، فلا يعودون يسلكون حسب شهواتهم السابقة، بل بإيمان ابن الله يتبعون خطواته، و يحملون صفاته و سجاياه، و يطهرون انفسهم كما هو طاهر، حتى لقد تراهم، فإذا هم يحبون ما كانوا يكرهون، و يكرهون ما كانوا يحبون، فالداعر الفاجر تراه و إذا هو قديس طاهر، و المتكبر الفخور تراه فإذا هو متواضع شكور، و مدمن الخمر تراه فإذا هو قد طرح الشر جانبًا، و حوَّل اهتمامه إلى إنسان “القلب الخفي”، “و زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو قدام الله كثير الثمن”، ١ بطرس ٣ : ٣ و ٤ SC 45.3 فليس من دليل على التوبة الصحيحة، إلا إذا شمل الحياة كلها تغيير فعلي و إصلاح حقيقي، فإذا قام الخاطئ بردّ ما ارتهنه، و تعويض ما استلبه و الاعتراف بما اقترفه و ارتكبه، و اظهر محبته لله، و لأخيه الإنسان، ليعلم انه قد انتقل من الموت إلى الحياة SC 45.4 و عندما نأتي إلى المسيح، كخطاة و أثمة، و نحظى بنعمة الغفران، تتفجر في قلوبنا ينابيع المحبة، فيصبح نيره هينًا، و حمله خفيفًا، ، يصير الواجب لذة، و تصبح التضحية غبطة و مسرة، و نرى الطريق الذي كان يبدو لنا مظلمًا مخيفًا، فإذا هو قد اصبح مزدانًا بشمس البرّ، و مغمورًا بأشعتها الجميلة SC 46.1 يتجلى في تبّاع المسيح سمو صفاته و كمال سجاياه، فهو سرَّ بان يفعل مشيئة الله، و لذلك ملكت حياته المحبة لله و الغيرة على مجده، بل زانت المحبة جميع أعماله و حلت كل تصرفاته، و ليست المحبة إلا من الله، فلا يستطيع قلب الخاطئ أن ينشئها و لا أن يحويها، إنما هي تسود فقط في القلب الذي يملك فيه يسوع، فنحن نحبه، لأنه هو احبنا أولاً، و المحبة مبدأ العمل في كل متجدد بنعمة الله، تلطف سجاياه، و تقمع أهواءه، و تملك براعته و تستأصل عداوته، و ترقق عواطفه، فهذه المحبة، إن عززتها النفس، تزين الحياة و تؤثر تأثيرًا جميلاً في كل من يراها SC 46.2 يتعرض أولاد الله، و لا سيما حديثو الإيمان منهم، لغلطتين يجب أن يكونوا على حذر منهما، أولاهما، و قد تقدم الكلام فيها، غلطة الاعتماد على جهودهم ظنًا منهم انهم يصيرون على وئام مع الله بأعمالهم، و الحقيقة هي أن الذي يطلب أن يتقدس بحفظ ناموس الله يطلب المستحيل، فالأعمال التي يقوم بها الإنسان بدون المسيح تتلوَّث بالاثرة و الخطية، لان التقديس إنما هو بالإيمان بنعمة المسيح وحدها SC 46.3 و أما الغلطة الثانية فهي نقيضة الأولى، ولا تقلّ عنها خطرًا، و هي زعم بعضهم أن الإيمان بالمسيح قد حرر المؤمن من واجب الطاعة لناموس الله، و انه ليس للأعمال شأن في الفداء لان الإنسان يصير شريكًا في نعمة المسيح بالإيمان فقط SC 46.4 و لكن الطاعة هنا ليست مجرد إذعان، ظاهري، بل هي خدمة المحبة، فان ناموس الله يعبر عن صفات الله، و قد تجسم في هذا الناموس مبدأ المحبة، و لذلك هو أساس حكم الله في السماء و على الأرض، فإذا كانت قلوبنا قد تجددت على صورة الله و استقرَّت المحبة الإلهية في النفس، أفلا يتمثل ناموسه في حياتنا؟ و متى ساد مبدأ المحبة في القلب و تجدد الإنسان حسب صورة خالقه فقد تم الوعد الذي جاء في العهد الجديد القائل : “اجعل نواميسي في قلوبهم و اكتبها في أذهانهم”، عبرانين ١٠ : ١٦. و إذا كان الناموس مسطورًا على القلب أفلا يكيف الحياة؟ فالطاعة المبنية على خدمة المحبة و الولاء، هي علامة التلمذة الحقيقية الفارقة. لذلك يقول الكتاب “فان هذه محبة الله أن نحفظ وصاياه”، ١ يوحنا ٥ : ٣ “فمن قال قد عرفته و هو لا يحفظ وصاياه، فهو كاذب و ليس الحق فيه” ١ يوحنا ٢ : ٤. فالإيمان إذن لا يحرر الإنسان من واجب الطاعة، بل بالحري هو الإيمان و الإيمان وحده الذي يجعله شريكًا في النعمة التي تقدره على تقديم الطاعة الكاملة SC 46.5 على أن الخلاص لا يصير حقًا لنا بالطاعة، إنما الخلاص هبة مجانية نتقبله من الله بالإيمان، و ما الطاعة إلا ثمرة الإيمان لذلك يقول الرسول، “تعلمون أن ذلك أظهر لكي يرفع خطايانا و ليس فيه خطية، كل من يثبت فيه لا يخطئ، كل من يخطئ لم يبصره و لا عرفه”، ١ يوحنا ٣ : ٥ و ٦. فالطاعة إذن هي العلامة الفارقة، لان الذي يثبت في المسيح و تملك المحبة في قلبه تكون أمياله و أعماله مطابقة لإرادة الله المعلنة في وصايا شريعته المقدسة، “أيها الأولاد، لا يضلكم احد، من يفعل البر فهو بار كما أن ذاك بار”، ١ يوحنا ٣ : ٧، و أما مقياس البر فهو ناموس الله الذي انزله على جبل سيناء SC 47.1 إذن، فالإيمان المزعوم الذي يحرر الناس من التزامات الطاعة لناموس الله، ليس هو في الحقيقة إيمانًا، بل تصلفًا و تطاولاً، و صحيح أن الرسول بولس يقول : “بالنعمة انتم مخلصون بالإيمان”، افسس ٢ : ٨، و لكن يجب ألا يغرب عن بالنا أن “الإيمان أيضًا إن لم يكن له أعمال فهو ميت في ذاته”، يعقوب ٢ : ١٧، و لقد اكد يسوع نفسه وجوب الطاعة للناموس إذ قال عن نفسه قبل مجيئه إلى هذه الأرض، “أن افعل مشيئتك يا الهي سررت، و شريعتك في وسط أحشائي”، مزمور ٤٠ : ٨. و قال أيضًا قبل صعوده “أنا قد حفظت وصايا أبي و اثبت في محبته” : يوحنا ١٥ : ١٠، و كذلك يقول الروح القدس على لسان يوحنا “بهذا نعرف أننا قد عرفناه، أن حفظنا وصاياه. من قال قد عرفته و هو لا يحفظ وصاياه فهو كاذب و ليس الحق فيه... و من قال انه ثابت فيه ينبغي انه كما سلك ذاك، هكذا يسلك هو أيضًا”، ١ يوحنا ٢ : ٣ ـ ٦، و قوله على لسان الرسول بطرس ‘فان المسيح أيضا تألم لأجلنا، تاركًا لنا مثالاً لكي تتبعوا خطواته”، ١ بطرس ٢ : ٢١ SC 47.2 يتبين من هذا أن الطاعة الكاملة للناموس الإلهي، لا تزال هي شرط التمتع بالحياة الأبدية، كما كانت في عهد أبوينا الأولين، و هما في جنة عدن، لأنه لو كان شرط آخر للحصول على الحياة الأبدية، دون الطاعة الكاملة لله، لظل باب الخطية مفتوحًا على الدوام تتدفق منه سيول البؤس و الشقاء، مما يقضي على سعادة الكون باسره SC 48.1 لقد كان في مقدور آدم، قبل السقوط، أن يصوغ سجايا بارة بالطاعة لناموس الله، و لكنه عصى فسقط، و بخطيته سقطنا نحن أيضًا، و لا نستطيع أن نغير طبيعتنا فنصير أبرارًا، و لا يمكننا، و نحن نجسون، أن نؤدي الطاعة الكاملة لناموس مقدس، و ليس لنا برّ ذاتي نوفي مطاليب العدالة الحقة، و لكن المسيح قد فتح لنا باب النجاة إذ قد عاش على الأرض فتعرّض لكل ما نتعرّض له نحن من تجارب الحياة و شدائدها، و انتصر، فقد عاش بلا خطية ثم مات لأجلنا، و هو مستعد لان يحمل عنا خطايانا و يهبنا برّه، فإذا انت سلمته نفسك و قبلته فاديًا و مخلصًا لك حسبت بارًا كأنك لم تخطئ قط، إذ أن صفاته قد حسبت لك فصارت صفاتك SC 48.2 و فضلاً عن ذلك، فان المسيح يغير القلب و يحل فيه بالإيمان، فعليك أن تحتفظ بصلتك بالمسيح، بالإيمان، و تعمل على إخضاع إرادتك له إخضاعًا مستمرًا، و ما دمت تفعل ذلك، فانه يعمل فيك أن تريد أن تعمل من اجل المسرّة، حتى تستطيع أن تقول، “فما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله، الذي احبني، و اسلم نفسه لأجلي”، غلاطية ٢ : ٢٠، و لذلك قال المسيح لتلاميذه، “لان لستم انتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم”، متى ١٠ : ٢٠، و إذ يكون المسيح عاملاً فيك، تستطيع أن تظهر روحه، و أن تعمل أعماله، أعمال البر الفضلى التي هي الطاعة المثلى SC 48.3 و إذن، فليس لنا في انفسنا ما يحملنا على التفاخر، أو يسوّغ لنا التعاظم لان أساس رجائنا، إنما هو بر المسيح المحسوب لنا و ما يعمله الروح فينا و بنا SC 49.1 و إذا نتكلم عن الإيمان يجب أن يكون في فكرنا التمييز بين الإيمان الحقيقي و مجرد التصديق لان الشيطان نفسه لا يستطيع أن ينكر وجود الله، و لا أن يتجاهل قدرته أو يكذب صدق أقواله، كما اثبت ذلك الرسول يعقوب في قوله “الشياطين يؤمنون و يقشعرون” يعقوب ٢ : ١٩. إلا أن إيمان الشياطين ليس إيمانًا للخلاص إذ ليس فيه خضوع لإرادة الله، و أما الإيمان الذي يحدو بالإنسان إلى تسليم قلبه لله و الاتكال عليه فهو الإيمان الصحيح، “الإيمان العامل بالمحبة” الذي يجدد في صاحبه صورة الله حتى أن القلب، الذي في حالة عدم تجدده ليس خاضعًا لناموس الله، لأنه أيضًا لم يستطع، اصبح يبتهج بالشريعة قائلاً مع المرنم “كم أحببت شريعتك، اليوم كله هي لهجي” مزمور ١١٩ : ٩٧، و هكذا “يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح” رومية ٨ : ١ و ٤ SC 49.2 و بين المؤمنين قوم يعرفون محبة المسح الصفوح و يرغبون في أن يكونوا أولادًا لله، غير انهم يشعرون بان حياتهم مليئة بالنقائص و العيوب مما يحملهم على الارتياب من انهم تجددوا بالروح القدس، فلأمثال هؤلاء أقول، لماذا التخاذل؟ لأننا كثيرًا ما نلتزم بعد قبولنا المسيح أن نبادر إليه و نرتمي عند قدميه معترفين بدموع سخية بخطايانا و تقصيراتنا، و لكن علينا أن لا نيأس، لان الله، و إن كان العدو قد غلبنا، لا يرفضنا و لا يهملنا و لا يتركنا، فالمسيح عن يمين الاب يشفع فينا، و قد قال يوحنا الحبيب في هذا “يا أولادي اكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا، و إن اخطأ احد فلنا شفيع عند الاب يسوع المسيح البار”، ١ يوحنا ٢ : ١. لنذكر أيضًا كلمات يسوع، “الاب نفسه يحبكم”، يوحنا ١٦ : ٢٧، و هو يريد أن يردك إليه و يطبع على حياتك صورته و قداسته. فإذا كنت تسلم نفسك له لا بد من أن يكمل العمل الصالح الذي ابتدأه فيك، فلنصلّ بأكثر لجاجة و لنؤمن إيمانًا راسخًا، و كلما شعرنا بضعفنا فلنزدد ثقة بقدرة الفادي و لنرتجِ الله لأننا بعد نحمده خلاص وجهنا و الهنا. مزمور ٤٣ : ٥ SC 49.3 اننا، كلما دنونا من يسوع. ازددنا شعورًا بما فينا من نقائص و عيوب، إذ نرى انفسنا على حقيقتها في ضوء الكمال الإلهي، و ما الشعور بالنقص إلا الدليل على أن القلب قد بدا يزايله الغرور، و أن الضمير قد بدا يستيقظ من سباته و يبعث من موته، بفعل الروح القدس SC 50.1 و لن تتأصل في قلوبنا محبة يسوع، ما لم نتحقق من اثميتنا، و ندرك خطأنا، و لن نعجب بكمال الله و جماله، ما لم تكن قلوبنا متحدة بنعمته. فان كنا لم نرَ بعد نقصنا الروحي، و لم ندرك ضعفنا الأدبي، فما ذلك إلا الدليل البيّن على أننا لم نعرف المسيح بعد، و لم نجتلِ محاسنه و مزاياه SC 50.2 فكلما قلّ تقديرنا لأنفسنا، ازداد تقديرنا لطهارة المخلص و جماله الذين لا حد لهما، و إننا إذ ندرك خطأنا و اثميتنا، نلجأ إلى ذاك الذي يستطيع أن يعفو و يصفح، و إذ نشعر بقصورنا و عجزنا، فانه لا يني عن إعلان ذاته بقوة، و كلما شعرنا بالحاجة إليه، و إلى كلمته، تجلت لنا بأكثر وضوح، صفاته الجليلة، و انطبعت في قلوبنا صورته الجميلة SC 50.3