×

We use cookies to help make LingQ better. By visiting the site, you agree to our cookie policy.


image

طريق الحياة, ١١ - امتياز الصلاة

١١ - امتياز الصلاة

نعم يكلمنا الله في الطبيعة و في الوحي، و يناجينا بأعمال العناية و بتأثير الروح القدس فينا، و لكن هذا كله لا يكفي، بل، لكي تكون لنا حياة إلهية و قوة روحية، يلزم أن نفيض له بمكنونات صدورنا، و نحادثه عن جميع أمورنا، فقد تنجذب إليه عواطفنا، وقد نتأمل أعماله و مراحمه و بركاته دون أن نكون قد تحدثنا إليه بالمعنى الحقيقي، فلكي يكون بيننا و بين الله تحادث يجب أن نخبره، في صلاتنا إليه، بما في حياتنا من واقعيات SC 72.1 إن الصلاة هي فتح القلب لله كما لو كنا نكلم صديقًا حميمًا، و ليست هي ضرورية لنعلم الله بما نحن عليه، و لكنها ضرورية لأنها تقدّرنا نحن على قبول نعمته، إذ أنها تنزل لله إلينا، و لكنها ترفعنا إليه تعالى SC 72.2 علم يسوع تلاميذه كيف يصلون و ارشدهم إلى أن يعرضوا حاجاتهم اليومية لله، و يلقوا كل همهم عليه، و أكد لهم أن طلبتهم تستجاب، و ما قاله لهم قاله لنا نحن أيضًا SC 73.1 و يسوع نفسه، وهو حال بين الناس، كان يصلي كثيرًا، فإذ اتحد بنا، و صارت حاجاتنا حاجاته و ضعفاتنا ضعفاته، تضرع إلى الآب لينال منه قوة جديدة و ليخرج متشددًا لمواجهة واجبات اليوم و تجاربه، وهو في كل شيء مثالنا، كما و انه أخ لنا في ضيقاتنا، “مجرب من كل شيء مثلنا” و لكنه مع ذلك هو القدوس الذي نفرت نفسه من الإثم و قاسى فيها صراعًا و عذابًا أليمًا وهو في عالم الخطية، فجعلت بشريته الصلاة ضرورية له، بل لذة و امتيازًا، و وجد في التحدث إلى الآب فرحًا و عزاءً، فإذا كان مخلص الناس، ابن الله الحبيب، قد شعر بحاجة إلى الصلاة، فكم هو اجدر بنا نحن الضعفاء و الأثمة المائتين أن نشعر بحاجتنا إلى الصلاة الحارة المستديمة SC 73.2 يترقب أبونا السماوي الفرص ليغمرنا ببركاته، و انه لمن ميزاتنا أن نشرب جرعات مشبعة من ينبوع محبته، فما اغرب قلة صلواتنا إليه. إن الله لمستعد و راضٍ أن يسمع الصلاة الخالصة الصاعدة من أوضع أولاده، و مع ذلك نرى بيننا ترددًا ظاهرًا في إعلامه حاجاتنا، و ماذا يظن الملائكة في أناس مساكين ضعفاء معرّضين لتجارب قوية و هم على رغم ذلك لا يصلون إلا قليلاً، و لا يؤمنون إلا يسيرًا! و أما الله فانه مشتاق اليهم، راغب في أن يهبهم اكثر جدًا مما يتصورون. و ها الملائكة يسرّون بالسجود أمام الله و يحبون القرب منه تعالى و يتلذذون بالتحادث إليه و لكن أولاد آدم، و هم في مسيس الحاجة إلى عونه تراهم مكتفين بان يسلكوا بدون نور الروح القدس و بدون مرافقته لهم و حضوره معهم SC 73.3 يرخي الشرير سدول ظلامه على الذين يسهون عن الصلاة و يغريهم على الخطية إذ يهمس في قلوبهم بوسوسته، ذلك لأنهم لا يستغلون حقوقهم التي انعم بها الله عليهم في الصلاة، و لماذا يحجم بنو الله عن الصلاة وهي المفتاح في يد الإيمان به يفتحون خزائن السماء المذخر فيها و فوز غنى القادر على كل شيء؟ و إن لم ندأب في الصلاة و نجاهد في السهر نعرض انفسنا لخطر الإهمال فالحيدان عن الصراط المستقيم، لان العدو يسعى سعيًا متواصلاً ليضع العراقيل في الطريق المؤدي إلى عرش النعمة و يمنعنا من الحصول على النعمة و القوة لمقاومة التجارب بواسطة الإيمان و الصلاة SC 73.4 اجل يشترط الله شروطًا معنية لا بد من ايفائها ليستمع لدعائنا و يجيبنا إلى طلباتنا، ، أولها أن نشعر بحاجتنا إلى معونته، فقد وعد قائلاً “اسكب ماء على العطشان و سيولاً على اليابسة”، اشعياء ٤٤ : ٣، فالذي يجوع و يعطش إلى البر و يشتاق إلى الله، لا بد من إشباعه، و لكن يجب أن يكون قلبه مفتوحًا لتأثير الروح القدس و إلا فالبركة لا تأتيه SC 74.1 إن أقوى حججنا لنيل البركات هي نفس حاجتنا إليها، فإنها تشفع فينا بأفصح العبارات، إلا انه يجب علينا أن نطلب من الله أن يعمل لأجلنا، كما قال “اطلبوا تجدوا”، و “الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا معه كل شيء” رومية ٨ : ٣٢ SC 74.2 إن راعينا إثما في قلوبنا، أو تمسكنا بخطية واحدة معلومة لدينا، لا يستمع لنا الرب، و لكنه في كل وقت يقبل صلاة النفس التائبة المنسحقة، فيحق أن نؤمن بان الرب قد سمع و انه ليستجيب صلواتنا، لأننا و نحن خطاة قصار البصر، كثيرًا ما نطلب ما هو لضررنا، و إلا أبونا السماوي فحبًا لنا و رفقًا بنا يستجيب صلواتنا بان يعطينا ما هو لخيرنا الأكبر و ما كنا لنطلبه لأنفسنا لو استنيرت أذهاننا و عرفنا الأمور على حقيقتها، فعندما يبدو لنا أن صلواتنا غير مستجابة يجب أن نتمسك بالوعد، لأنه لا بد من أن يأتي وقت الاستجابة و ننال البركة التي نحن في اشد الحاجة إليها، و أما الادعاء بان صلواتنا تستجاب بالكيفية التي نعيّنها نحن و في ذات الشيء الذي نطلبه فهو تطفل، بل تصلف، لان الله احكم من أن يخطئ و أصلح من أن يمنع خيرًا عن السالكين بالكمال، فلا تخشَ الاتكال عليه حتى إذا كنت لا ترى الجواب فورًا عما طلبت، بل ثق بالوعد الأكيد القائل “اسألوا تعطوا” متى ٧ : ٧ SC 74.3 أما ذا أخذنا بمشورة شكوكنا، و سرنا على رأي مخاوفنا، و أردنا أن نحل كل معضلة قبل أن نؤمن بالله، فلا نزداد إلا حيرة و ارتباكًا، و لكن إذا أتينا إليه شاعرين بنقصنا و قصر باعنا، و بإيمان وديع و ثقة ثابتة أعلمناه بحاجتنا، وهو العليم بما في السماء و على الأرض، و يرى كل ما في الخليقة و يسير كل شيء بكلمته و بحسب إرادته ـ فهو القادر أن يسمع دعاءنا و ينير قلوبنا، و هكذا بصلواتنا المخلصة نصير على اتصال بفكر القادر على كل شيء، و قد لا نرى دليلاً قاطعًا على أن المخلص يحنو علينا و يحبونا برحمته و محبته، و قد لا نحس بلمسة يده على جباهنا في رفق و حنان، و مع ذلك هذه هي الحقيقة الراهنة SC 75.1 و إذ نأتي إلى الله لنطلب منه رحمة و غفرانًا يجب أن يملأ قلوبنا روح التسامح و المحبة للآخرين، و كيف يمكننا أن نصلي قائلين “و اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا” ما دام فينا روح الانتقاد و عدم الاغضاء؟ فانه على قدر ما نتوقع أن يسمع لنا الله و يسامحنا، على هذا القدر عينه يجب أن نصفح نحن للآخرين و نسامحهم SC 75.2 جعل الله المثابرة على الصلاة شرطًا لاستجابتها، فقد امرنا أن نصلي بلا انقطاع لكي نتقوى في الإيمان و نتقدم في الاختبار، فأمر أن “نواظب على الصلاة”، و أن نسهر “فيها بالشكر”، و نتعقل و نصحو “للصلوات”، و “في كل شيء بالصلاة و الدعاء مع الشكر لتعلم طلباتنا لدى الله” “و انتم أيها الأحباء... مصلين في الروح القدس احفظوا أنفسكم في محبة الله”، رومية ١٢ : ٢٠ و كولوسي ٤ : ٢ و ١ بطرس ٤ : ٧ و فيلبي ٤ : ٦ و يهوذا ٢٠ و ٢١. في المواظبة على الصلاة تتحد النفس بالله اتحادًا لا ينفصم عراه فتجري حياة من الله إلينا، و ترجع إليه تعالى لمجد اسمه في طهارتنا و قداستنا SC 75.3 إن المثابرة على الصلاة لضرورية حيوية، فيجب ألا يعوقك عنها شيء، بل ابذل الجهد لتكون نفسك على اتصال دائم بيسوع، و اغتنم كل فرصة تسنح للذهاب إلى حيث تجري العادة أن تكون صلاة، لان الذي يطلب محادثة الله تراه في اجتماع الصلاة قائمًا بواجبه، مهتمًا به، مجدًّا في الحصول على كل بركة و فائدة، ملتمسًا أن يكون حيث تضيء عليه الأشعة السماوية SC 75.4 يجب أن نصلي في دائرة العائلة، و لكن الصلاة الانفرادية هي اكثر الصلوات حياة للنفس و قوة لها، فإذا ما أهملت تذبل النفس و لا تستطيع أن تزهو و تثمر، و لا تغني الصلاة العائلية أو الصلاة العمومية في المجتمع عن الصلاة الانفرادية في المخدع، إذ أننا نحتاج أن نعرّي نفوسنا أمام الله على انفراد و أن نصعد ابتهالاتنا إلى أذني رب الجنود حيث لا تسمعها أذن بشرية، و النفس في المخدع تكون بعيدة عن كل تأثير خارجي و في معزل عن كل ما قد يثير الحواس أو يهيج العواطف، فتتلمس الله بهدوء و حرارة عظيمين، و ما أحلى البركات المنبثقة حينئذٍ من الذي يرى في الخفاء و يسمع كل صلاة تصعد من صميم الفؤاد، و هكذا، بالإيمان البسيط الهادئ، تتمسك النفس بقوة الله و تجمع لذاتها أشعة نوره لتسندها في محاربتها الشيطان الرجيم، إن الله لبرجها الحصين SC 76.1 فصلِ إذن في مخدعك، و ليكن قلبك مرفوعًا إلى الله، و انت تباشر أعمالك اليومية، لأنه هكذا سار اخنوخ مع الله، و مثل هذه الصلوات الصامتة تصعد أمام عرش النعمة كالبخور العطر، و لن يغلب الشيطان أبدًا الإنسان الذي يستند على الله هكذا في قلبه SC 76.2 و ليس من مكان أو زمان لا يليق رفع الطلبة إلى الله فيهما، و ليس من مانع يستطيع أن يمنعنا من التوجه إليه في قلوبنا في روح الصلاة الحارة طالبين في شوارع المدينة المزدحمة أو في وسط صفقة تجادية، الإرشاد الإلهي، كما فعل نحميا وهو ماثل في حضرة الملك ارتحشستا، لأننا حيثما كنا فنحن مع الله كما في مخدع، و قلوبنا مفتوحة تدعو يسوع أن يمكث فيها ضيفًا كريمًا محبوبًا SC 76.3 و لئن كنا محاطين بجو فاسد مميت، لا يتحتم علينا أن نستنشق هواءه المفسد، بل في إمكاننا أن نحيا في جو السماء النقي المنعش بان نوصد كل باب في وجه التصورات النجسة و التفكرات الدنسة، و نرفع قلوبنا إلى الله في صلاة خالصة، فالذي يرفع نفسه إلى الله لقبول عونه و بركته يسير في جو أقدس من الذي يحيط بالأرض، و يتصل بالسماء اتصالاً وثيقًا دائمًا SC 76.4 من حاجاتنا الماسة أن نرى يسوع رؤية أجلى و أوضح و أن ندرك الأمور الأبدية إدراكًا اكمل و اصرح، فيجب أن تملأ زينة القداسة حياة أولاد الله، و لا يتم لهم هذا إلا إذا طلبوا إعلان الأمور السماوية إعلانًا إلهيًا جليًا SC 77.1 فلتنجذب النفس إلى فوق ليمنحها الله أن تتنسم نسيم السماء، لأنه في إمكاننا أن نعيش قريبًا من الله حتى تتجه أفكارنا إليه إذا داهمتنا تجربة كما تتجه زهرة الأقحوان نحو الشمس على الدوام SC 77.2 اعرض حاجاتك و أفراحك و أحزانك و همومك و مخاوفك أمام الله بصورة دائمة، فانه لا يقلق من كثرتها و لا يملّ من عددها، فالذي يحصي شعر رؤوسنا، ألا يهتم بحاجات أولاده؟ بلى. “الرب كثير الرحمة و رؤوف” يعقوب ٥ : ١١، و قلبه المحب يتأثر من أحزاننا حتى من ذكرها له، فاذهب إليه بكل ما يحير فكرك واثقًا أن الذي يحمل العالمين بكلمته و يسير الكواكب حسب إرادته لا يعظم عليه أمر، و لا يستصغر أمرًا ما حتى لا يعيره التفاتًا، فليس في اختباراتنا فصل لا يستطيع أن يقرأه و لا في حياتنا معضلة لا يعرف حلها، و لا تصيب احد أولاده الأصاغر نكبة، و لا يبهجهم فرح، و لا يساورهم خوف، و لا تصعد صلاة خالصة من شفاههم، إلا و يعلم بها أبونا السماوي و يهتم لهم بها، فهو “يشفي المنكسري القلوب و يجبر كسرهم” مزمور ١٤٨.، و يعامل كل نفس معاملة فارقة كاملة كانها هي الوحيدة التي بذل ابنه لأجلها SC 77.3 قال يسوع “في ذلك اليوم تطلبون باسمي، و لست أقول لكم أني اسأل الآب من أجلكم لان الآب نفسه يحبكم” و “أنا اخترتكم... و لكي يعطيكم الآب كل ما طلبتم باسمي”، يوحنا ١٦ : ٢٦ و ١٥ : ١٦، و لكن الطلب باسم يسوع لا يعني مجرد ذكر اسمه العزيز في مستهل الصلاة أو في ختامها، بل يعني أن يكون فينا فكر المسيح و روحه و أن نكون مؤمنين بمواعيده، متكلين على نعمته و ممارسين أعماله SC 77.4 و إذ يطلب الله منا أن نعكف على التعبد و الصلاة، فهذا لا يعني أن نعتزل هذا العالم و نلجأ إلى الأديرة و الصوامع لكي نحيا حياة الترهب و التنسك، بل يجب أن نكون مقتدين بيسوع الذي كان يقضي يومه بين الاختلاء في الجبل و خدمة الجمهور، فمن يحاول أن يقضي الوقت كله في الصلاة لا يلبث أن يهجرها أو يأتيها كمجرّد فرض عليه، ذلك أن الإنسان عندما ينتزع نفسه من حياة المجتمع و يتناءى عن الواجب المسيحي و يتهرّب من حمل الصليب، تفتر همته و يخمد نشاطه في خدمة سيده و تصير صلاته بدون هدف و بدون باعث و تصبح طلباته مقتصرة على ذاتيته و محصورة في دائرة أنانيته، فلا يصلي لأجل حاجات البشر عامة أو لأجل تقدم ملكوت الله أو للحصول على قوة لكي يخدم ربه خدمة ناجعة مقبولة SC 78.1 إننا إن أهملنا واجب المعاشرة و اغفلنا تشجيع و تقوية بعضنا البعض على المضي في خدمة الله، نخسر خسارة أية خسارة إذ تفقد الحقائق الإلهية قوتها على إحياءنا، و تقلّ أهميتها في نظرنا، فلا تؤثر بعد في أفكارنا لانارتها و تقديسها، فننحط انحطاطًا روحيًا متواليًا، هذا و إن لم يصر بيننا و بين بعضنا عطف متبادل نخسر ميزات المعاشرة و فوائدها، لان الذي يعيش بمعزل عن الناس و ينطوي على نفسه لا يملأ المقام المعين له من الله، ففينا غرائز تميل إلى المخالطة و يكسبنا إنماءها عطفًا على الآخرين و تقدمًا في خدمة المولى و قوة على إرضائه SC 78.2 لو كان المسيحيون يجتمعون للتحادث عن محبة الله و عن الفداء العظيم و الحق الثمين لشرحوا بذلك خواطرهم و انعشوا بعضهم بعضًا، لأنه في إمكاننا أن نتقدم كل يوم في معرفة الله و نختبر اختبارات جديدة في نعمهِ، و إذ ذاك نرغب في التكلم عن محبته و تلتهب قلوبنا فينا و نتشجع، فلو زدنا في التحادث عن يسوع و قللنا من التكلم عن انفسنا لتمتعنا بدوام حضوره معنا و حلوله بيننا SC 78.3 لو كان تفكرنا في الله يعادل ما نراه من الدلائل على عنايته بنا لكنا نفكر فيه على الدوام و نسرّ بالتكلم عنه و نلهج بحمده، إننا نتحادث عن الأمور الزمنية لأننا نهتم لها، و نذكر أحباءنا لأننا نحبهم و نرتبط بهم و لأنهم علة أفراحنا و أتراحنا، بيد أن أسباب محبتنا لله كثيرة لا تقاس، فيجب أن يكون غريزيًا فينا أن نجعله الأول في أفكارنا لنذكر حسناته و نخبر بقوته، و لم يكن القصد من هباته الغنية التي يجز لها علينا أن نستغرق فيها و نستهويها حتى لا يكون لنا وقت للتفكير في واهبها، بل كان القصد منها أن تربطنا به تعالى برباط المحبة و الامتنان الشديدين، و لكننا نسكن في الحضيض، فلنرفعنَّ اعيننا إلى باب المقدس السماوي المفتوح حيث نرى مجد الله المضيء من وجه يسوع المسيح “القادر أن يخلص أيضًا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله” عبرانيين ٧ : ٢٥ SC 79.1 يلزم أن نكثر الحمد “على رحمته و عجائبه ابني آدم”، مزمور ١٠٧ : ٧ و ألا تقتصر عبادتنا على الطلب و الأخذ، و ألا نفكر دائمًا في حاجاتنا و نغض الطرف عما بين ايدينا من النعم و البركات، لأننا، و إن كنا لا نصلي اكثر مما يلزم و إنما نبخل في تقديم الشكر اللائق، نرى مراحم الرب التي تغمرنا على الدوام، و ما اقل امتناننا و ما اشد بخلنا في الحمد له على كل ما صنع لأجلنا SC 79.2 قال الله لإسرائيل قديمًا إذ اجتمعوا لخدمته “تأكلون هناك أمام الرب إلهكم و تفرحون بكل ما تمتد إليه أيديكم، انتم و بيوتكم، كما بارككم إلهكم”، تثنية ١٢ : ٧، فالذي نعمله لمجد الله إنما يجب أن نعمله بفرح و بترانيم الحمد و الشكر، لا بالغم و الاكتئاب SC 79.3 إن إلهنا لآب رؤوف فيجب ألا نحسب الخدمة له عملاً شاقًا مكدرًا، بل سارًا و مستحبًا لدينا، و انه لا يسرّه أن نعتبره سيدًا صارمًا مسخرًا فهو صديقنا الخالص، و إذ نعبده يريد الحضور معنا ليباركنا و يعزينا و يملأ قلوبنا فرحًا و محبة، فنجد في عبادته عزاء و لذة، لا عناء و مشقة، و نخرج من مكان العبادة و أفكارنا منصرفة إلى التأمل في عنايته و محبته، فنتقوى للقيام بالواجبات اليومية و نحصل على نعمة تمكننا من الاستقامة و الأمانة في جميع معاملاتنا SC 79.4 فلنجتمع حول الصليب و لنجعل المسيح و إياه مصلوبًا مدار تأملاتنا و موضوع تحادثاتنا و مبعث فرحنا و ابتهاجنا، و لنتذكر كل بركة تأتينا من الله حتى إذا ما تحققنا عظم محبته نثق به و نودع بين يديه المسمرتين كل أمورنا عن رضى مطمئنين SC 80.1 انه في استطاعة النفس أن تسمو و تعلو إلى السماء على أجنحة الحمد و الشكر، فإذ نعبر عن امتناننا له بصوت الترنم تصير عبادتنا كعبادة الجيوش السماوية التي تقدم لله الحمد بقيثارات و نغمات مفرحة، و لقد قال تعالى “إن ذابح الحمد يمجدني” مزمور ٥٩ : ٢٣، فهلمَّ نتقدم إلى خالقنا و نهتف له “بالحمد و صوت الترنم”، اشعياء ٥١ : ٣ SC 80.2


١١ - امتياز الصلاة

نعم يكلمنا الله في الطبيعة و في الوحي، و يناجينا بأعمال العناية و بتأثير الروح القدس فينا، و لكن هذا كله لا يكفي، بل، لكي تكون لنا حياة إلهية و قوة روحية، يلزم أن نفيض له بمكنونات صدورنا، و نحادثه عن جميع أمورنا، فقد تنجذب إليه عواطفنا، وقد نتأمل أعماله و مراحمه و بركاته دون أن نكون قد تحدثنا إليه بالمعنى الحقيقي، فلكي يكون بيننا و بين الله تحادث يجب أن نخبره، في صلاتنا إليه، بما في حياتنا من واقعيات SC 72.1 إن الصلاة هي فتح القلب لله كما لو كنا نكلم صديقًا حميمًا، و ليست هي ضرورية لنعلم الله بما نحن عليه، و لكنها ضرورية لأنها تقدّرنا نحن على قبول نعمته، إذ أنها تنزل لله إلينا، و لكنها ترفعنا إليه تعالى SC 72.2 علم يسوع تلاميذه كيف يصلون و ارشدهم إلى أن يعرضوا حاجاتهم اليومية لله، و يلقوا كل همهم عليه، و أكد لهم أن طلبتهم تستجاب، و ما قاله لهم قاله لنا نحن أيضًا SC 73.1 و يسوع نفسه، وهو حال بين الناس، كان يصلي كثيرًا، فإذ اتحد بنا، و صارت حاجاتنا حاجاته و ضعفاتنا ضعفاته، تضرع إلى الآب لينال منه قوة جديدة و ليخرج متشددًا لمواجهة واجبات اليوم و تجاربه، وهو في كل شيء مثالنا، كما و انه أخ لنا في ضيقاتنا، “مجرب من كل شيء مثلنا” و لكنه مع ذلك هو القدوس الذي نفرت نفسه من الإثم و قاسى فيها صراعًا و عذابًا أليمًا وهو في عالم الخطية، فجعلت بشريته الصلاة ضرورية له، بل لذة و امتيازًا، و وجد في التحدث إلى الآب فرحًا و عزاءً، فإذا كان مخلص الناس، ابن الله الحبيب، قد شعر بحاجة إلى الصلاة، فكم هو اجدر بنا نحن الضعفاء و الأثمة المائتين أن نشعر بحاجتنا إلى الصلاة الحارة المستديمة SC 73.2 يترقب أبونا السماوي الفرص ليغمرنا ببركاته، و انه لمن ميزاتنا أن نشرب جرعات مشبعة من ينبوع محبته، فما اغرب قلة صلواتنا إليه. إن الله لمستعد و راضٍ أن يسمع الصلاة الخالصة الصاعدة من أوضع أولاده، و مع ذلك نرى بيننا ترددًا ظاهرًا في إعلامه حاجاتنا، و ماذا يظن الملائكة في أناس مساكين ضعفاء معرّضين لتجارب قوية و هم على رغم ذلك لا يصلون إلا قليلاً، و لا يؤمنون إلا يسيرًا! و أما الله فانه مشتاق اليهم، راغب في أن يهبهم اكثر جدًا مما يتصورون. و ها الملائكة يسرّون بالسجود أمام الله و يحبون القرب منه تعالى و يتلذذون بالتحادث إليه و لكن أولاد آدم، و هم في مسيس الحاجة إلى عونه تراهم مكتفين بان يسلكوا بدون نور الروح القدس و بدون مرافقته لهم و حضوره معهم SC 73.3 يرخي الشرير سدول ظلامه على الذين يسهون عن الصلاة و يغريهم على الخطية إذ يهمس في قلوبهم بوسوسته، ذلك لأنهم لا يستغلون حقوقهم التي انعم بها الله عليهم في الصلاة، و لماذا يحجم بنو الله عن الصلاة وهي المفتاح في يد الإيمان به يفتحون خزائن السماء المذخر فيها و فوز غنى القادر على كل شيء؟ و إن لم ندأب في الصلاة و نجاهد في السهر نعرض انفسنا لخطر الإهمال فالحيدان عن الصراط المستقيم، لان العدو يسعى سعيًا متواصلاً ليضع العراقيل في الطريق المؤدي إلى عرش النعمة و يمنعنا من الحصول على النعمة و القوة لمقاومة التجارب بواسطة الإيمان و الصلاة SC 73.4 اجل يشترط الله شروطًا معنية لا بد من ايفائها ليستمع لدعائنا و يجيبنا إلى طلباتنا، ، أولها أن نشعر بحاجتنا إلى معونته، فقد وعد قائلاً “اسكب ماء على العطشان و سيولاً على اليابسة”، اشعياء ٤٤ : ٣، فالذي يجوع و يعطش إلى البر و يشتاق إلى الله، لا بد من إشباعه، و لكن يجب أن يكون قلبه مفتوحًا لتأثير الروح القدس و إلا فالبركة لا تأتيه SC 74.1 إن أقوى حججنا لنيل البركات هي نفس حاجتنا إليها، فإنها تشفع فينا بأفصح العبارات، إلا انه يجب علينا أن نطلب من الله أن يعمل لأجلنا، كما قال “اطلبوا تجدوا”، و “الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا معه كل شيء” رومية ٨ : ٣٢ SC 74.2 إن راعينا إثما في قلوبنا، أو تمسكنا بخطية واحدة معلومة لدينا، لا يستمع لنا الرب، و لكنه في كل وقت يقبل صلاة النفس التائبة المنسحقة، فيحق أن نؤمن بان الرب قد سمع و انه ليستجيب صلواتنا، لأننا و نحن خطاة قصار البصر، كثيرًا ما نطلب ما هو لضررنا، و إلا أبونا السماوي فحبًا لنا و رفقًا بنا يستجيب صلواتنا بان يعطينا ما هو لخيرنا الأكبر و ما كنا لنطلبه لأنفسنا لو استنيرت أذهاننا و عرفنا الأمور على حقيقتها، فعندما يبدو لنا أن صلواتنا غير مستجابة يجب أن نتمسك بالوعد، لأنه لا بد من أن يأتي وقت الاستجابة و ننال البركة التي نحن في اشد الحاجة إليها، و أما الادعاء بان صلواتنا تستجاب بالكيفية التي نعيّنها نحن و في ذات الشيء الذي نطلبه فهو تطفل، بل تصلف، لان الله احكم من أن يخطئ و أصلح من أن يمنع خيرًا عن السالكين بالكمال، فلا تخشَ الاتكال عليه حتى إذا كنت لا ترى الجواب فورًا عما طلبت، بل ثق بالوعد الأكيد القائل “اسألوا تعطوا” متى ٧ : ٧ SC 74.3 أما ذا أخذنا بمشورة شكوكنا، و سرنا على رأي مخاوفنا، و أردنا أن نحل كل معضلة قبل أن نؤمن بالله، فلا نزداد إلا حيرة و ارتباكًا، و لكن إذا أتينا إليه شاعرين بنقصنا و قصر باعنا، و بإيمان وديع و ثقة ثابتة أعلمناه بحاجتنا، وهو العليم بما في السماء و على الأرض، و يرى كل ما في الخليقة و يسير كل شيء بكلمته و بحسب إرادته ـ فهو القادر أن يسمع دعاءنا و ينير قلوبنا، و هكذا بصلواتنا المخلصة نصير على اتصال بفكر القادر على كل شيء، و قد لا نرى دليلاً قاطعًا على أن المخلص يحنو علينا و يحبونا برحمته و محبته، و قد لا نحس بلمسة يده على جباهنا في رفق و حنان، و مع ذلك هذه هي الحقيقة الراهنة SC 75.1 و إذ نأتي إلى الله لنطلب منه رحمة و غفرانًا يجب أن يملأ قلوبنا روح التسامح و المحبة للآخرين، و كيف يمكننا أن نصلي قائلين “و اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا” ما دام فينا روح الانتقاد و عدم الاغضاء؟ فانه على قدر ما نتوقع أن يسمع لنا الله و يسامحنا، على هذا القدر عينه يجب أن نصفح نحن للآخرين و نسامحهم SC 75.2 جعل الله المثابرة على الصلاة شرطًا لاستجابتها، فقد امرنا أن نصلي بلا انقطاع لكي نتقوى في الإيمان و نتقدم في الاختبار، فأمر أن “نواظب على الصلاة”، و أن نسهر “فيها بالشكر”، و نتعقل و نصحو “للصلوات”، و “في كل شيء بالصلاة و الدعاء مع الشكر لتعلم طلباتنا لدى الله” “و انتم أيها الأحباء... مصلين في الروح القدس احفظوا أنفسكم في محبة الله”، رومية ١٢ : ٢٠ و كولوسي ٤ : ٢ و ١ بطرس ٤ : ٧ و فيلبي ٤ : ٦ و يهوذا ٢٠ و ٢١. في المواظبة على الصلاة تتحد النفس بالله اتحادًا لا ينفصم عراه فتجري حياة من الله إلينا، و ترجع إليه تعالى لمجد اسمه في طهارتنا و قداستنا SC 75.3 إن المثابرة على الصلاة لضرورية حيوية، فيجب ألا يعوقك عنها شيء، بل ابذل الجهد لتكون نفسك على اتصال دائم بيسوع، و اغتنم كل فرصة تسنح للذهاب إلى حيث تجري العادة أن تكون صلاة، لان الذي يطلب محادثة الله تراه في اجتماع الصلاة قائمًا بواجبه، مهتمًا به، مجدًّا في الحصول على كل بركة و فائدة، ملتمسًا أن يكون حيث تضيء عليه الأشعة السماوية SC 75.4 يجب أن نصلي في دائرة العائلة، و لكن الصلاة الانفرادية هي اكثر الصلوات حياة للنفس و قوة لها، فإذا ما أهملت تذبل النفس و لا تستطيع أن تزهو و تثمر، و لا تغني الصلاة العائلية أو الصلاة العمومية في المجتمع عن الصلاة الانفرادية في المخدع، إذ أننا نحتاج أن نعرّي نفوسنا أمام الله على انفراد و أن نصعد ابتهالاتنا إلى أذني رب الجنود حيث لا تسمعها أذن بشرية، و النفس في المخدع تكون بعيدة عن كل تأثير خارجي و في معزل عن كل ما قد يثير الحواس أو يهيج العواطف، فتتلمس الله بهدوء و حرارة عظيمين، و ما أحلى البركات المنبثقة حينئذٍ من الذي يرى في الخفاء و يسمع كل صلاة تصعد من صميم الفؤاد، و هكذا، بالإيمان البسيط الهادئ، تتمسك النفس بقوة الله و تجمع لذاتها أشعة نوره لتسندها في محاربتها الشيطان الرجيم، إن الله لبرجها الحصين SC 76.1 فصلِ إذن في مخدعك، و ليكن قلبك مرفوعًا إلى الله، و انت تباشر أعمالك اليومية، لأنه هكذا سار اخنوخ مع الله، و مثل هذه الصلوات الصامتة تصعد أمام عرش النعمة كالبخور العطر، و لن يغلب الشيطان أبدًا الإنسان الذي يستند على الله هكذا في قلبه SC 76.2 و ليس من مكان أو زمان لا يليق رفع الطلبة إلى الله فيهما، و ليس من مانع يستطيع أن يمنعنا من التوجه إليه في قلوبنا في روح الصلاة الحارة طالبين في شوارع المدينة المزدحمة أو في وسط صفقة تجادية، الإرشاد الإلهي، كما فعل نحميا وهو ماثل في حضرة الملك ارتحشستا، لأننا حيثما كنا فنحن مع الله كما في مخدع، و قلوبنا مفتوحة تدعو يسوع أن يمكث فيها ضيفًا كريمًا محبوبًا SC 76.3 و لئن كنا محاطين بجو فاسد مميت، لا يتحتم علينا أن نستنشق هواءه المفسد، بل في إمكاننا أن نحيا في جو السماء النقي المنعش بان نوصد كل باب في وجه التصورات النجسة و التفكرات الدنسة، و نرفع قلوبنا إلى الله في صلاة خالصة، فالذي يرفع نفسه إلى الله لقبول عونه و بركته يسير في جو أقدس من الذي يحيط بالأرض، و يتصل بالسماء اتصالاً وثيقًا دائمًا SC 76.4 من حاجاتنا الماسة أن نرى يسوع رؤية أجلى و أوضح و أن ندرك الأمور الأبدية إدراكًا اكمل و اصرح، فيجب أن تملأ زينة القداسة حياة أولاد الله، و لا يتم لهم هذا إلا إذا طلبوا إعلان الأمور السماوية إعلانًا إلهيًا جليًا SC 77.1 فلتنجذب النفس إلى فوق ليمنحها الله أن تتنسم نسيم السماء، لأنه في إمكاننا أن نعيش قريبًا من الله حتى تتجه أفكارنا إليه إذا داهمتنا تجربة كما تتجه زهرة الأقحوان نحو الشمس على الدوام SC 77.2 اعرض حاجاتك و أفراحك و أحزانك و همومك و مخاوفك أمام الله بصورة دائمة، فانه لا يقلق من كثرتها و لا يملّ من عددها، فالذي يحصي شعر رؤوسنا، ألا يهتم بحاجات أولاده؟ بلى. “الرب كثير الرحمة و رؤوف” يعقوب ٥ : ١١، و قلبه المحب يتأثر من أحزاننا حتى من ذكرها له، فاذهب إليه بكل ما يحير فكرك واثقًا أن الذي يحمل العالمين بكلمته و يسير الكواكب حسب إرادته لا يعظم عليه أمر، و لا يستصغر أمرًا ما حتى لا يعيره التفاتًا، فليس في اختباراتنا فصل لا يستطيع أن يقرأه و لا في حياتنا معضلة لا يعرف حلها، و لا تصيب احد أولاده الأصاغر نكبة، و لا يبهجهم فرح، و لا يساورهم خوف، و لا تصعد صلاة خالصة من شفاههم، إلا و يعلم بها أبونا السماوي و يهتم لهم بها، فهو “يشفي المنكسري القلوب و يجبر كسرهم” مزمور ١٤٨.، و يعامل كل نفس معاملة فارقة كاملة كانها هي الوحيدة التي بذل ابنه لأجلها SC 77.3 قال يسوع “في ذلك اليوم تطلبون باسمي، و لست أقول لكم أني اسأل الآب من أجلكم لان الآب نفسه يحبكم” و “أنا اخترتكم... و لكي يعطيكم الآب كل ما طلبتم باسمي”، يوحنا ١٦ : ٢٦ و ١٥ : ١٦، و لكن الطلب باسم يسوع لا يعني مجرد ذكر اسمه العزيز في مستهل الصلاة أو في ختامها، بل يعني أن يكون فينا فكر المسيح و روحه و أن نكون مؤمنين بمواعيده، متكلين على نعمته و ممارسين أعماله SC 77.4 و إذ يطلب الله منا أن نعكف على التعبد و الصلاة، فهذا لا يعني أن نعتزل هذا العالم و نلجأ إلى الأديرة و الصوامع لكي نحيا حياة الترهب و التنسك، بل يجب أن نكون مقتدين بيسوع الذي كان يقضي يومه بين الاختلاء في الجبل و خدمة الجمهور، فمن يحاول أن يقضي الوقت كله في الصلاة لا يلبث أن يهجرها أو يأتيها كمجرّد فرض عليه، ذلك أن الإنسان عندما ينتزع نفسه من حياة المجتمع و يتناءى عن الواجب المسيحي و يتهرّب من حمل الصليب، تفتر همته و يخمد نشاطه في خدمة سيده و تصير صلاته بدون هدف و بدون باعث و تصبح طلباته مقتصرة على ذاتيته و محصورة في دائرة أنانيته، فلا يصلي لأجل حاجات البشر عامة أو لأجل تقدم ملكوت الله أو للحصول على قوة لكي يخدم ربه خدمة ناجعة مقبولة SC 78.1 إننا إن أهملنا واجب المعاشرة و اغفلنا تشجيع و تقوية بعضنا البعض على المضي في خدمة الله، نخسر خسارة أية خسارة إذ تفقد الحقائق الإلهية قوتها على إحياءنا، و تقلّ أهميتها في نظرنا، فلا تؤثر بعد في أفكارنا لانارتها و تقديسها، فننحط انحطاطًا روحيًا متواليًا، هذا و إن لم يصر بيننا و بين بعضنا عطف متبادل نخسر ميزات المعاشرة و فوائدها، لان الذي يعيش بمعزل عن الناس و ينطوي على نفسه لا يملأ المقام المعين له من الله، ففينا غرائز تميل إلى المخالطة و يكسبنا إنماءها عطفًا على الآخرين و تقدمًا في خدمة المولى و قوة على إرضائه SC 78.2 لو كان المسيحيون يجتمعون للتحادث عن محبة الله و عن الفداء العظيم و الحق الثمين لشرحوا بذلك خواطرهم و انعشوا بعضهم بعضًا، لأنه في إمكاننا أن نتقدم كل يوم في معرفة الله و نختبر اختبارات جديدة في نعمهِ، و إذ ذاك نرغب في التكلم عن محبته و تلتهب قلوبنا فينا و نتشجع، فلو زدنا في التحادث عن يسوع و قللنا من التكلم عن انفسنا لتمتعنا بدوام حضوره معنا و حلوله بيننا SC 78.3 لو كان تفكرنا في الله يعادل ما نراه من الدلائل على عنايته بنا لكنا نفكر فيه على الدوام و نسرّ بالتكلم عنه و نلهج بحمده، إننا نتحادث عن الأمور الزمنية لأننا نهتم لها، و نذكر أحباءنا لأننا نحبهم و نرتبط بهم و لأنهم علة أفراحنا و أتراحنا، بيد أن أسباب محبتنا لله كثيرة لا تقاس، فيجب أن يكون غريزيًا فينا أن نجعله الأول في أفكارنا لنذكر حسناته و نخبر بقوته، و لم يكن القصد من هباته الغنية التي يجز لها علينا أن نستغرق فيها و نستهويها حتى لا يكون لنا وقت للتفكير في واهبها، بل كان القصد منها أن تربطنا به تعالى برباط المحبة و الامتنان الشديدين، و لكننا نسكن في الحضيض، فلنرفعنَّ اعيننا إلى باب المقدس السماوي المفتوح حيث نرى مجد الله المضيء من وجه يسوع المسيح “القادر أن يخلص أيضًا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله” عبرانيين ٧ : ٢٥ SC 79.1 يلزم أن نكثر الحمد “على رحمته و عجائبه ابني آدم”، مزمور ١٠٧ : ٧ و ألا تقتصر عبادتنا على الطلب و الأخذ، و ألا نفكر دائمًا في حاجاتنا و نغض الطرف عما بين ايدينا من النعم و البركات، لأننا، و إن كنا لا نصلي اكثر مما يلزم و إنما نبخل في تقديم الشكر اللائق، نرى مراحم الرب التي تغمرنا على الدوام، و ما اقل امتناننا و ما اشد بخلنا في الحمد له على كل ما صنع لأجلنا SC 79.2 قال الله لإسرائيل قديمًا إذ اجتمعوا لخدمته “تأكلون هناك أمام الرب إلهكم و تفرحون بكل ما تمتد إليه أيديكم، انتم و بيوتكم، كما بارككم إلهكم”، تثنية ١٢ : ٧، فالذي نعمله لمجد الله إنما يجب أن نعمله بفرح و بترانيم الحمد و الشكر، لا بالغم و الاكتئاب SC 79.3 إن إلهنا لآب رؤوف فيجب ألا نحسب الخدمة له عملاً شاقًا مكدرًا، بل سارًا و مستحبًا لدينا، و انه لا يسرّه أن نعتبره سيدًا صارمًا مسخرًا فهو صديقنا الخالص، و إذ نعبده يريد الحضور معنا ليباركنا و يعزينا و يملأ قلوبنا فرحًا و محبة، فنجد في عبادته عزاء و لذة، لا عناء و مشقة، و نخرج من مكان العبادة و أفكارنا منصرفة إلى التأمل في عنايته و محبته، فنتقوى للقيام بالواجبات اليومية و نحصل على نعمة تمكننا من الاستقامة و الأمانة في جميع معاملاتنا SC 79.4 فلنجتمع حول الصليب و لنجعل المسيح و إياه مصلوبًا مدار تأملاتنا و موضوع تحادثاتنا و مبعث فرحنا و ابتهاجنا، و لنتذكر كل بركة تأتينا من الله حتى إذا ما تحققنا عظم محبته نثق به و نودع بين يديه المسمرتين كل أمورنا عن رضى مطمئنين SC 80.1 انه في استطاعة النفس أن تسمو و تعلو إلى السماء على أجنحة الحمد و الشكر، فإذ نعبر عن امتناننا له بصوت الترنم تصير عبادتنا كعبادة الجيوش السماوية التي تقدم لله الحمد بقيثارات و نغمات مفرحة، و لقد قال تعالى “إن ذابح الحمد يمجدني” مزمور ٥٩ : ٢٣، فهلمَّ نتقدم إلى خالقنا و نهتف له “بالحمد و صوت الترنم”، اشعياء ٥١ : ٣ SC 80.2